“تمردنا على مجتمع الرجال من أجل الموسيقى“...مغنيات الراب والديجيهات في تونس

الاثنين 23 مارس 202005:26 م
لا يزال دخول امرأة في المجتمع العربي عالم "الراب" أو الـ"دي جي" يقابل بسخرية تصل إلى حد التنمّر أحياناً، وحتى في تونس، رغم أنها كانت سبَّاقة في سن قوانين تضمن حقوق المرأة، وتحميها من جميع أنواع العنف، وتضمن مساواتها مع الرجل، مقارنة بدول المنطقة.

"وضعت لمستي الأنثوية ونجحت"

اختارت التونسية ذكرى الشابي، دخول عالم الـ"دي جي" لتصبح بذلك من أوائل النساء اللاتي دخلن عالم الاسطوانات الصاخبة في تونس، وتقدم عروضاً موسيقية في عدة دول عربية وأوروبية.

تحكي ذكرى الشابي لرصيف22 عن تجربتها: "بدأت مسيرتي كـدي جي منذ سنة 2010، في البداية اعترضتني عدة صعوبات، ووجدت نفسي وحيدة، أصارع وسط مجتمع ذكوري لتحقيق حلمي".

تقول ذكرى بفخر عن نفسها: "أنا أول امرأة دي جي في تونس وأنا فخورة بنفسي".

وتواصل ذكرى: "في البداية لم يكن عملي كـدي جي سهلاً، تلقيت المئات من رسائل التهديد والشتم، ويحرص أصحاب هذه الرسائل على التقليل من شأني، واحتقار الفن الذي أقدمه، لكنني تجاهلتهم طبعاً".

تقول ذكرى الشابي عن طبيعة التأثير الذي أحدثته في عملها كـ"دي جي": "تحديتُ المجتمع، ووضعتُ لمسات أنثوية في عالم ظلّ حكراً على الرجال لسنوات طويلة"

تلقت ذكرى رسائل عديدة تطالبها بالمكوث في منزلها، وتعلّم الطبخ، وهاجمها آخرون لكونها تعمل في مهنة ليلية، بينما يتعامل معها بعض زملائها في العمل على أنها مجرد امرأة أو صورة، وليس فنانة تنتج وتقدم عروضاً موسيقية أوصلتها إلى العالمية، حسب قولها.

لم تجد ذكرى نفسها في مواجهة المجتمع فقط، بل عائلتها التي رفضت اختيارها للعمل في هذا النوع من الموسيقى، ولكنها مع الوقت تفهَّمت طبيعة عملها، واحترمت قرارها.

.

شعرت ذكرى في البداية بالخوف والإحباط بسبب التعليقات السلبية التي تلقتها من المحيطين بها، لكنها اختارت في نهاية المطاف التركيز على النقاط الإيجابية، واستغلت جميع الفرص المتاحة لتكمل طريقها، فهي ترى أنها أكملت طريقها وحيدة دون أن تتلقى مساندة من أحد.

بعد 10 سنوات من العمل كـدي جي، ترى ذكرى أنها نجحت في مهنتها، لأنها تمكنت في السنوات الأخيرة من تقديم عروضها  في عدة بالإضافة إلى بلدها تونس، عربية وأوروبية، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، هولندا، قطر والجزائر.

تقول الشابي عن طبيعة التأثير الذي أحدثته في فنها: "تحديتُ المجتمع ووضعت لمسات أنثوية في عالم ظلّ حكراً على الرجال لسنوات طويلة".

وتختم ذكرى حديثها عن تجربتها بالقول: "أنا اليوم لست دي جي فقط، ولكنني أيضا منتجة موسيقى، وأبيع موسيقاي عبر الانترنت، سأواصل طريقي وأحقق المزيد من النجاح".

"بدايتي صعبة لأني امرأة"

تتحدث الفنانة التونسية الشابة نادية خالص عن تجربتها أيضاً مع الموسيقى، فخورة بما حققته، وتقول أنها تمكنت من تجاوز كل العقبات التي كانت في طريقها، وأصبحت بعد تجربة دامت 13 سنة، "فنانة معروفة وأستاذة موسيقى ناجحة".

تقول نادية خالص لرصيف22: "لدي تكوين أكاديمي في الموسيقى، ومعي فريق كامل، بدايتي كانت صعبة جداً كأي فنان أو بالأحرى فنانة، خاصة أن بدايتي كانت منذ 13 سنة خلت، واجهت رفضاً من المجتمع وحتى من والدي آنذاك، لكنها أقل حدة في الوقت الحالي، إلا من أولئك الذين يرون أن الموسيقى حكر على الرجل، حيث غالباً ما تأتيني تعليقات على غرار: كيف لامرأة أن تسهر خارج بيتها بسبب الدين والعادات والتقاليد".

وتضيف نادية ضاحكة: "لو كانت الفنانات يشتغلن من منتصف النهار إلى للسادسة مساء ربما لن يتعرضن لتعليقات كهذه، لأن العمل في الليل عيب بالنسبة للبعض، وللأسف هناك فنانات ساهمن في الإساءة لصورة زميلاتهن".

بدأت الفنانة التونسية نادية خالص في الـ 19 من شهر مارس القيام ببث مباشر عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، حيث تقوم برفقة فريقها بالعزف والغناء لمدة نصف ساعة، وذلك لتشجيع التونسيين على البقاء في منازلهم في ظل الحجر الصحي الذي فرضته السلطات التونسية، اتقاءً لانتشار فيروس كورونا.

تابع البثّ المباشر الأول آلاف الأشخاص، حيث ظهرت نادية وهي تعزف على آلة القانون وتغني، فبدت أناملها تتحرك ببطء تارة، وبسرعة تارة أخرى، فهي اختارت آلة القانون لتكون رفيقة لها في الحجر الصحي، فكسرت بصوت موسيقاها صمت الشوارع، وضجر الناس في البيوت، وأصبحت على موعد يومي مع الآلاف من عشاق عزفها.

وعن سؤالها حول عرضها اليومي المباشر على فيسبوك، تقول نادية إنها تعزف لتسلي جمهورها الذي منعه الحجر الصحي من الخروج، وفي آن واحد تخفف عنهم وطأة الأخبار السيئة المتداولة حول فيروس كورونا.

وأضافت نادية لرصيف 22: "تأتيني مقترحات من المتابعين لغناء أغاني لفنانات شهيرات، مثل وردة وأم كلثوم، وأنا ألبّي طلباتهم بكل حب... فالمتابعون أحبوا آلة القانون وأنا أحب موسيقاي".

"تمردتُ لأني أتنفّس الراب"

التونسية صابرين نفزاوي (30 عاماً) اختارت بدورها دخول عالم الراب، لتبدأ رحلتها مع الغناء والتلحين وكتابة كلمات الأغاني منذ أن كان عمرها 12 سنة فقط، ولازالت إلى اليوم تحاول فرض نفسها في هذا الحقل الموسيقي الذي يسيطر عليه الرجال، فهي "تتنفس موسيقى"، كما تقول لرصيف22.

ورغم صغر سنها، إلا أن صابرين نفزاوي عاصرت الفترة الذهبية التي بدأ فيها الراب يتسلّل إلى ثقافة الشباب التونسي، وينتشر في الأحياء الشعبية، بداية الألفية الثالثة، فهي تعتبر أنَّ موسيقى الراب تحمل رسائل نبيلة، وتدافع عن القيم والمبادئ.

تقول صابرين لرصيف22، في حديثها عن تجربتها كمغنية راب: "بدأت بكتابة الأغاني وترديدها منذ سنة 2002، عندما كنت تلميذة بإحدى المدارس في محافظة منوبة "شمال البلاد" بصحبة زملائي، وكان حينها مندوب وزارة التربية يقلل من شأننا، ويخجل من تقديمنا أو الكشف عن موهبتنا".

وتضيف صابرين: "في بداية الألفية الثالثة، لم يكن الجميع يعرف موسيقى الراب، فكنت وزملائي عرضة للسخرية والتنمر والاحتقار، ولم يتقبلنا المجتمع، لكننا لم نستسلم وواصلنا طريقنا".

 "هناك فتيات يعشقن موسيقى الراب، وحاولن الولوج إلى هذا العالم، لكنهن فضلن المغادرة، ولم يحاربن من أجل اختياراتهن، هربن خوفاً من كلام المجتمع الذكوري الذي يعشن فيه"

واجهت صابرين الكثير من السخرية والتنمر من أصدقائها والمقربين منها، خصوصاً أنها الفتاة الوحيدة التي تغني الراب في مدينتها، لكنها تحدت العنف اللفظي، ووقفت بصمود في وجه الكلمات الجارحة، وواصلت طريقها.

وتواصل صابرين: "مكانك المطبخ وغسل الأواني، من أكثر الكلمات التي تركت أثراً سلبياً في مسيرتي الفنية، وتثير غضبي في آن واحد، فهي من أكثر الكلمات التي أسمعها بشكل يومي، وأراها تتكرر في التعليقات عبر صفحتي الرسمية على فيسبوك، لكن هذه الكلمات مستهلكة يستغلها المجتمع الذكوري لطمس قيمة المرأة".

أصدرت صابرين في 2007 أول فيديو كليب لها مصور بطريقة احترافية، موّله الإعلامي التونسي سامي الفهري، انتقدت فيه ظاهرة الهجرة غير النظامية، إلَّا أنَّ الفيديو كليب لم تتم إذاعته في التلفزيون، لأنه كان يُمنع في تلك الفترة بث هذا النوع من الموسيقى، بحسب صابرين.


وتظهر صابرين بين الحين والآخر في البرامج التلفزيونية الفنية، كما أنها حصلت على بطاقة الاحتراف التي تمنحها نقابة الموسيقيين التونسيين، وتتمتع سنوياً بدعم مالي من وزارة الثقافة، يسمح لها بإقامة حفلات صغيرة دون أن يتم برمجتها للغناء، إلى جانب فناني الراب على مسرح مهرجان قرطاج الدولي.

تؤكد صابرين أن فتيات كثيرات حاولن دخول عالم الراب لكنهن لم يصمدن لفترة طويلة، تشرح وجهة نظرها قائلة: "هناك فتيات يعشقن موسيقى الراب، وحاولن الولوج إلى هذا العالم، لكنهن فضلن المغادرة، ولم يحاربن من أجل اختياراتهن، لقد هربن خوفاً من كلام المجتمع الذكوري الذي يعشن فيه".

"الراب اختارني فاستجبت لاختياره".

وتقول صابرين عن الراب أنه هو الذي اختارها، وليس هي من اختارته، لذلك استجابت لهذا الاختيار، وأكملت طريقها في غناء الراب، رغم تخرجها بامتياز من كلية الحقوق بتونس، وتخصصها في القانون العام.

وتضيف صابرين لرصيف22: "أعتقد أنني إذا ابتعدت عن عالم الراب خوفاً من ردة فعل العائلة والمجتمع، لبقيت نادمة طوال حياتي، فأنا اليوم لديّ جمهوري/ وفرضت وجودي في الميدان، وأعتبر نفسي ناجحة".

أكثر من 18 سنة قضتها صابرين وهي تقدم أغاني الراب، تنتقد فيها النظام السياسي والمجتمع، وتغني للحرية والديمقراطية وللشعب الفلسطيني، وهي ترى أنها نجحت في شق طريقها.

وتلفت صابرين النظر إلى أنَّ المجال الفني في تونس الآن أضحى "صعباً ومُعقَّداً"، في ظل انتشار الإعلانات مدفوعة الأجر، تقول: "إن موسيقى الراب أصبحت اليوم متاحة لكل شخص لديه أموال تمكنه من الظهور بصفة مستمرة في القنوات التلفزيونية، وفي البرامج الإذاعية، لتقديمه للجمهور في فترة وجيزة".

وترفض صابرين نفزواي بشدة استعمال الكلمات البذيئة في أغاني الراب، فهي تعتبر أن الراب يحمل رسائل قوية وهادفة، تقف ضد الظلم والأنظمة الدكتاتورية، وتغني للحرية، والحب، والحياة الكريمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard