"سعادة دخلت حياتي وأرفض أن تزول"... عن صنّاع الآلات الموسيقية في الجزائر

الثلاثاء 25 أغسطس 202005:42 م

في محله العتيق الواقع في نهج المحطة، بدائرة عزابة في محافظة سكيكدة، يجلس عبد الرحمن سعدي، مشغولاً بحرفته "صنع الآلات الموسيقية"، سعياً للحفاظ عليها وإبقائها حاضرة في كل وقت، رغم التحديات التي يواجهها في سبيل تحقيق هدفه.

الوصول إلى محله ليس بالأمر الصعب إطلاقاً، فالكل في هذه المدينة الصغيرة يعرف عبد الرحمن، في العقد الخامس من عمره، الرجل الذي يعشق حرفته حتى النخاع. وجدناه بمحله جالساً على كرسيه، يتأمل الآلة التي أمامه ويفكر في طريقة تزيينها، وسط آلات موسيقية معلقة على الجدران تسرُّ عيون الناظر إليها.

عاد بنا عبد الرحمن إلى بدايته في هذا المجال، ويقول لرصيف22 إنها كانت في أوائل التسعينيات، حيث تلقى تكويناً في فن النحت على الخشب في معهد خاص في "سيدي افرج"، وهي مدينة ساحلية جزائرية، ثم بدأت أنامله تداعب آلات العزف حتى أصبح عازفاً محترفاً على كل الآلات الموسيقية، لكن شغفه، وتعلقه بالحرفة دفعاه للغوص فيها أكثر، فانتقل إلى محافظة قسنطينة الجزائرية، مدينة الجسور المعلقة وعاصمة الثقافة العربية لعام 2015.

قسنطينة مدينة تزخر بتراثها الموسيقي المتنوع، ويعتبر "المالوف" أحد أبرز سماته. كان عبد الرحمن يبحث عن مهدي محمد، أحد أشهر صانعي الآلات الموسيقية في المدينة، ولكنه فوجئ برحيله إلى فرنسا، ثم التقى في مدينته "عزابة" بالشيخ حسن ضرباني، أحد أبرز ممتهني حرفة صناعة الآلات الموسيقية، وتشاطرا محبة الآلات الموسيقية.

"لا مستقبل لها"

يحكي عبد الرحمن عن شيخه حسن ضرباني: "قصة عشقه التي ربطته مع هذه الآلات حكايتها قديمة، انطلقت عندما كان طفلاً صغيراً، فكان يصنع تحفاً خشبية في غاية الجمال والإبداع، وكنت أُجسد رموزاً أمازيغية عليها، وبعد مدة قرر إقفال ورشته والتخلي عن هذه الحرفة، وأبلغني أن هذه الحرفة لا مستقبل لها في الجزائر، لعدة أسباب، أبرزها نقص المادة الأولية وعدم الاهتمام بها".

"عندما يسألوني عن أسباب عشقي للعود، أقول سعادة دخلت حياتي ولا أريد أن تزول"، بهذه الكلمات استهل بلمشري محمد، حرفي في صناعة الآلات الموسيقية، حديثه لرصيف22

يضيف عبد الرحمن: "لم يحد من عزيمتي وإرادتي قرار الإغلاق، وبقيت أحتفظ ببصيص من الأمل، وطلبت من الشيخ ضرباني تعليمي هذه المهنة، فمنحني كتاباً للحرفي الشهير أنطونيو ستراديفاري. كان صانع آلات موسيقية إيطالياً، وحرفياً متخصصاً في صناعة الآلات الوترية، مثل الكمان، الكمان الجهير، القيثارة والكمان المتوسط، ومن هناك بدأت رحلتي في هذا العالم".

"كونت محلاً تقليدياً صغيراً، لم يكن به أدنى ضروريات ممارسة المهنة، غير أن الأشياء التي كنت أصنعها ذاع صيتها، ليس في الجزائر فقط، بل حتى خارج الحدود، وصار كبار الفنانين في الجزائر زبائني، بينهم لياس بورغود، أستاذ موسيقى في باريس، إضافة إلى الموسيقي حسن عمامرة".

وعن واقع هذه الحرفة وممتهنيها، يقول عبد الرحمن سعدي إنها تواجه خطر "الزوال"، وأبرز الصعوبات التي تواجه الحرفيين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، هو غلاء المادة الأولية ونقص مراكز "التكوين"، ويقترح عبد الرحمن استحداث مدرسة خاصة بتكوين الحرفيين في هذا المجال.

شحادة محمد، شاب جزائري في العقد الثالث من عمره، وأحد الحرفيين الشباب الذين اخترقوا عالم صناعة الآلات الموسيقية حديثاً.

يروي محمد حكايته مع الآلات الموسيقية وتجربته التي لم تتجاوز الأربع سنوات، ويقول لرصيف22 إن بدايته في هذا المجال كانت سنة 2016.

رغم أنه كان يعمل كأستاذ متخصص في الآلات الموسيقية النفخية في المعهد الجهوي للتكوين الموسيقي في العاصمة الجزائر، إلا أنه قرر مزاولة هذه الحرفة التي تشارف على الزوال، لعدة أسباب، يذكر منها "رغبته في إصلاح الآلات الخاصة به وبالطلبة، لأن شرائها من السوق الأجنبية أو اقتناء عتادها يكلف أهل الفن تكلفة باهظة تصل إلى 500 يورو".

يتحدث محمد عن نفسه أنه يحاول تقديم الأكثر للحفاظ على هذه الحرفة، فيقوم بإعادة بعث الحياة في القطع القديمة والمستعملة، وبعضها يعود إلى 1920 و1940، ويضيف: "حرفة الآلات الموسيقية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتي، ولا أستطيع التخلي عنها، رغم أن هدفي ليس تجارياً، لأنني أرفض تلقي أي مقابل من الطلبة الذين أُدرسهم".

"يسألوني لماذا أحب العود؟"

"عندما يسألوني عن أسباب عشقي للعود، أقول سعادة دخلت حياتي ولا أريد أن تزول"، بهذه الكلمات استهل بلمشري محمد، حرفي في صناعة الآلات الموسيقية، حديثه لرصيف22.

ويحكي بلمشري عن بدايات علاقته بالعود، قائلاً: "لقد أُغرمت بالعود عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، أحببت شكله وصوته ورسمته على الورق".

ويضيف أنه عندما كان صغيراً دخل في رحلة بحث في مدينته "الأغواط" (إحدى المدن الجزائرية، تشتهر بالنخيل وببساتينها الضاربة في جذور التاريخ)، عن أمهر صانعي العود الجزائري، وقابل مبروك جودي، وصار يتقرب منه للتعرف على أسرار المهنة، وتمكن من تصميم أول عود وهو في الثامنة عشرة من عمره.

ويتابع بلمشري: "الشغف والعشق وحب هذه المهنة قادوني إلى أعرق سوق تجاري في قلب مدينة دمشق، بحثاً عن أشهر صانعي العود السوري الذي يشتهر بصوته الشرقي المتميز، وضبط الإيقاع والقياسات الدقيقة، وعمري لم يكن يتجاوز العشرين سنة، وتعرفت على الشيخ الحلبي، الذي علمني أسراراً كثيرة عن المهنة أبرزها القياسات".

ويؤكد بلمشري أن آلة العود آلة دقيقة، قائمة على مقاسات علمية وثابتة، كما أنه يصنع من أجود الخشب المستورد من تركيا وفرنسا وإسبانيا.

"الشغف والعشق وحب هذه المهنة دفعوني للسفر من الجزائر إلى أعرق سوق تجاري في قلب مدينة دمشق، بحثاً عن أشهر صانعي العود السوري"

وبعد مكوث بلمشري لمدة شهرين كاملين في دمشق، عاد الحرفي بلمشري محمد، الحائز على جائزة أحسن حرفي جزائري في صناعة آلة العود في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، إلى الجزائر، والتقى بالشيخ عبد الجليل حفاين من محافظة تلمسان.

يقول بلمشري لرصيف22: "تابعت تكويني عند الشيخ حفاين، تأثرت به بشكل كبير لأنه يشتغل بطريقة علمية من البداية إلى النهاية، ثم عدت إلى مسقط رأسي، مدينة الأغواط، وبدأت بالتصميم، وكان أول من اقتنى العود الذي صممته، المغني والموسيقي والملحن الجزائري محمد بوليفة".

ويرى محمد بلمشري أن صناعة العود حرفة تنازع البقاء مع مرور الزمن، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها عدم وجود فضاءات خاصة لتبادل الخبرات في هذا المجال، مثل أول ملتقى دولي لصناع العود في العالم، الذي نظمته وزارة الثقافة في الجزائر عام 2009، ويقول إن هذا الملتقى كان عالمياً، شارك فيه حرفيون من مصر والمغرب وسوريا ولبنان، وللأسف كان آخر ملتقى نظم في الجزائر.

وينهي بلمشري حديثه، قائلاً: "زمان كان الطلب على العود كثيراً، أما الآن فهناك ما ينافسه، لأن أغلب أصحاب المحلات أصبحوا يستوردون الآلات من دول عربية وأوروبية بأبخس الأثمان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard