لسنا استثناء... عن أعياد أفسدها الجوع والأوبئة والفقر في مصر قديماً

الأربعاء 12 مايو 202105:27 م

يشكو جيلنا سوء الأقدار التي جعلت وباء كوفيد-19 يحول بينه وبين مظاهر الاحتفال المعتادة في العيد. لكن قد لا يعرف الكثير منهم أن هذه الظروف تعرّضت لها أجيال سابقة منذ مئات السنين، وكان بعضها أكثر مشقة وبؤساً، إذ رافقتهم أيضاً في الأعياد المجاعات والأوبئة على اختلافها.


خلع ملابس العيد بثمن بخس

في بحث أكاديمي للدكتور محمد أحمد عبد الرازق عبد العزيز، أُجري عام 2018 ونشرته جامعة نواكشوط الموريتانية بعنوان "احتفالات المصريين بعيدي الفطر والأضحى في مصر عصر سلاطين المماليك"، نقرأ عن خُلَع العيد أي ملابس العيد، التي كانت تلقى اهتماماً كبيراً، خاصة للسلاطين، وذكر أن الخُلَع كانت تشير للود مثلما فعل السلطان خشقدم مع ابنه سيد منصور عندما طلع له يوم عيد فطر 876 هـ/ 1471 م ليهنئه بالعيد، وأخلع عليه ثم أجلسه معه على الكرسي، وكانت الخُلَع أيضاً لضمان الولاء مثلما حدث بعد ذلك بعامين، عندما خلع السلطان الأشرف قايتباي على قاضي مكة وأميرها وأعيانها.

تعرضت الأجيال السابقة لظروف كان بعضها أكثر مشقة وبؤساً مما نعيشه اليوم، ورافقتهم في الأعياد المجاعات والأوبئة.

وكانت خُلَع العيد توزع بعد صلاة العيد، وتفرق على أرباب الوظائف كالأمراء وأرباب الأقلام والوزير وكاتب السر، وكل منهم كان يحصل على ما يناسبه، ثم تعطى للعامة.

ومع غروب شمس دولة سلاطين المماليك وتعدد الأزمات، أصبحت أقمشة الخلع غاية في السوء، ويرجع ذلك إلى وضع الدولة المتردي اقتصادياً، وتجسّد هذا بشكل أكبر عندما أصبحت الدولة تابعة للحكم العثماني، ونرى ذلك في عيد الفطر 923 هـ، وكان حاكم البلاد هو ملك الأمراء خاير بك الذي قال عنه المؤرخ ابن إياس: "لم يخلع خاير بك على أحد من القضاة أو المباشرين".

انتظار توزيع كسوة وحلوى العيد أيام الدولة الفاطمية - مصدر الصورة: الباحث خطاب معوض

وقد ذكر كتاب "معجم رمضان" للدكتور فؤاد مرسي، أن الاهتمام بكسوة العيد كان من أولويات الدولة الفاطمية التي كانت تخصص ميزانية كبيرة لها، وكان يطلق على عيد الفطر "عيد الحلل"، وكان يحرص الجميع من الأمراء والعامة على ارتداء الملابس الجديدة.

أما المسؤول عن دار الكسوة فكان يعرف وقتها بـ"صاحب المقص"، وهو مقدم الخياطين ولرجاله مكان يقومون فيه بالخياطة والتفصيل، ويعمل وفق الأوامر الصادرة من الخليفة وحسب ما تدعو إليه الحاجة، ويحمل إلى دار الكسوة ما يعمل من نسيج وملابس من دور الطراز بمدن كدمياط والإسكندرية.

وكانت الدولة تخصص ميزانية ضخمة للإنفاق على كسوة العيد، وقد بلغت النفقة عليها عام 515 هـ 20 ألف دينار ذهبي، وتقلصت هذه العادة مع النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ومع الشدة المستنصرية، ولم تعد الكسوة توزع على العامة قط، وأصبحت تقتصر على الأمراء فقط، ومع ازدياد الأزمة لم تعد توزع حتى على الأمراء.

في مستهل النصف الثاني من القرن الخامس الهجري تصحّرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين، وأكل الناس القطط والكلاب، حتى أن دابة الخليفة سُرقت وذُبحت، وجاع الخليفة نفسه، وكل مظاهر الاحتفال برمضان والأعياد اختفت تماماً وأصبح الطعام هو الأهم

وأوضح الدكتور أيمن فؤاد سيد في كتابه "الدولة الفاطمية في مصر تفسير جديد"، أن الفاطميين كانت لهم العديد من مظاهر البذخ في بداية حكمهم، مشيراً إلى أنه كان للدولة الفاطمية مظاهر احتفال عديدة بعيد الفطر، ومنها توزيع الكسوات والخُلَع، ففور وصول الخليفة المعزّ لدين الله الفاطمي إلى مصر، أمر بعمل دار سماها "دار الكسوة"، كان يفصل فيها جميع أنواع الثياب ويكسو بها الناس كسوة الشتاء والصيف من العمامة إلى السراويل، وبلغ حجم ما أنفقته هذه الدار في أحد الأعوام أكثر من 600 ألف دينار، وهذا أحد أسباب إرهاق الدولة الفاطمية لاحقاً وجعلها غير قادرة على الاستمرار.


العامة يسرقون الحلوى

تميزت الدولة الفاطمية بالموائد التي كانت تستمر من شهر رمضان وحتى عيد الفطر، وكانت مؤلفة من عدة أنواع من الأطعمة، ومنها اللحوم والكعك والحلوى، وكان تشق الشوارع لتأكل منها العامة.

وذكر أيمن فؤاد سيد في كتابه نقلاً عن المسبحي، أحد مؤرخي الحقبة الفاطمية، أنه بسبب أزمة وقعت عام 415 هـ، كبس العامة على القصر في يوم العيد صائحين: "الجوع الجوع، نحن أحق بسماط مولانا"، وتهاتفوا على الطعام وضرب بعضهم بعضاً، ونهبوا الأخباز والحلوى وما في القصاع والزبادي. وكحال الألبسة، أوضح الكتاب أن احتفالات الفاطميين هذه كانت ترهق ميزانية الدولة.

مآدب الطعام أيام الدولة الفاطمية -مصدر الصورة: الباحث خطاب معوض

الخليفة جائعاً

قال خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير البحوث والدراسات الأثرية بوزارة السياحة والآثار، لرصيف22 أن مصر تعرضت لمجاعة شديدة في عهد الخليفة المستنصر نتيجة غياب مياه النيل لسبع سنوات متواصلة، وذلك في مستهل النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، مضيفاً بأن البلاد تعرضت لحوادث قاسية، "فتصحّرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين، وأكل الناس القطط والكلاب، حتى أن دابة الخليفة سُرقت وذُبحت، وجاع الخليفة نفسه، وكل مظاهر الاحتفال برمضان والأعياد اختفت تماماً وأصبح الطعام هو الأهم".

بسبب أزمة وقعت عام 415 هـ، كبس العامة على القصر في يوم العيد صائحين: "الجوع الجوع، نحن أحق بسماط مولانا"، وتهاتفوا على الطعام وضرب بعضهم بعضاً، ونهبوا الأخباز والحلوى وما في القصاع والزبادي

وذكر ابن إياس أن الناس أكلوا الجثث بسبب الجوع، وصُنعت الخطاطيف لاصطياد المارة في الشوارع، وانخفض معدل السكان لأقل نسبة في تاريخ البلاد.

وذكر الرحالة عبد اللطيف البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار في الأمور والمشاهدات والحوادث المعاينة بأرض مصر"، ونقله عنه فؤاد مرسي في "معجم رمضان"، أنه في عام 1201 م/ 597 هـ، زمن الدولة الأيوبية، كانت الناس قد يئست في مصر من القحط والفقر، وقال البغدادي إنه رأى أثناء مسيرته في شهر رمضان رجلاً قد جُرّدت عظامه من اللحم، وكانت الأعياد تمر على مصر وكأنها لا تمر بينما الجوع يأكل العامة.


الطاعون يلغي احتفالات العيد

ذكر الدكتور محمد أحمد عبد الرازق في دراسته سالفة الذكر أن الأوضاع الاقتصادية لم تكن السبب الوحيد في اختفاء مظاهر الاحتفال بالأعياد، ولكن أيضاً الأوبئة، ومنها مرض الطاعون، وكانت بداية ظهوره في دولة المماليك عام 749هـ، وبدأ من شهر شعبان وحتى شوال، وكان يموت في اليوم الواحد أكثر من 20 ألف شخص، وفي فترة الوباء بطلت الأفراح والأعراس وكذلك احتفالات الأعياد.

وأثناء الشدّة المستنصرية أيضاً ألغيت صلاة العيد بسبب انتشار الأوبئة، منعاً لتجمع الناس وخوفاً على صحتهم، ما يذكر بما نعيشه اليوم بسبب تفشي فيروس كورونا.

أثناء الشدّة المستنصرية ألغيت صلاة العيد بسبب انتشار الأوبئة، منعاً لتجمع الناس وخوفاً على صحتهم.

وإلى جانب الطاعون كانت هناك أمراض أخرى كالبرد والسعال وعوامل طبيعية مثل كثرة الأمطار التي تسببت في نفوق الحيوانات وقت العيد، وكان ذلك يسبب حزناً كبيراً لدى الناس. كما تسبب انخفاض منسوب مياه النيل في حدوث مجاعات عام 694 هـ، حيث هلكت الدواب ولم يجد الناس ما يأكلونه، وكانت احتفالات العيد تمر دون أن يلتفت إليها أحد ودون وجود الطعام.


أزمة الخبز وسرقة الماشية

وإلى جانب العوامل الطبيعية كان غلاء الأسعار سبباً هاماً لعدم الاحتفال بالعيد، نتيجة ارتفاع أسعار القمح وتزاحم الناس على الأفران، وحدث ذلك أكثر من مرة في القرنين الثامن والتاسع الهجريين، وكل مرة كانت السلطات تحاول تحاشي أزمة ارتفاع الأسعار دون جدوى.

كما ظهرت بعض الحالات التي أثّرت تأثيراً مباشراً على الأضاحي وغلاء ثمنها، مثل ما حدث في أول سنوات المحن في مصر، ففي ذي القعدة عام 806 هـ، غلت الأنعام لأجل النحر، حتى بيع العجل الصغير بألف درهم، ونفس الأمر في ذي القعدة 821 هـ، حين عزّ وجود لحم الضأن وقلّ ذبح الأضاحي وقت العيد، وفي عام 853 هـ، مات من الأغنام والأبقار وغيرها شيء كثير من غلاء أسعار العلف، وكان أهل القاهرة يذهبون إلى الريف لانخفاض الأسعار هناك.

وذكرت الدراسة الأكاديمية أن تعكير صفو الاحتفالات بالعيد كان أيضاً بسبب أعمال النهب والقتل والسرقة، وقال ابن إياس عن تلك الفترة: "صار يوم العيد مثل المآتم في كل حارة".

احتفالات العيد أيام الدولة الفاطمية - مصدر الصورة: الباحث خطاب معوض


طقوس العيد وكورونا

اختلفت مظاهر العيد في العامين الأخيرين بسبب انتشار فيروس كورونا، مما دفع مختلف الحكومات لاتخاذ تدابير من شأنها تقليل انتشار المرض، فنرى الاحتفالات ألغيت في بعض الأماكن، والتجمعات أو الصلوات في أماكن أخرى، كما ألقت الأوضاع الاقتصادية بظلالها على كثير من البلدان.

هذه الأحوال لم تمنع الكثير من المصريين بالاستمرار بمظاهر العيد، فنرى الازدحام في الأسواق الصغيرة قبل الكبيرة، والناس يخرجون للنزهة، ويشترون الملابس، خاصة تلك الأقل سعراً، كيلا يحرموا أطفالهم فرحة العيد، ونرى آخرين يفضلون عدم ابتياع أي كسوة للعيد، بسبب عدم ضرورتها نتيجة ضيق الأحوال المعيشية.

ويتحدث الباحث في التراث خطاب معوض، لرصيف22 عن ذلك بالقول: "رغم الأزمات المالية المتتالية والأحوال الصعبة التي تعيشها مصر والعالم بأسره اليوم، لم يغيّر المصريون كثيراً من عاداتهم المرافقة لعيد الفطر، فها هي جموع المصريين تتجه صوب منطقة العتبة بالقاهرة لتتسوق كسوة العيد الجديدة، ومن يعرف حالة الكثيرين المادية الصعبة أو حالة تفشّي الوباء، لا يصدق هذه الجموع الحاشدة التي تتسابق للشراء، غير مبالية بقلّة ما لديها من أموال، وغير عابئة بما قد تلاقيه بسبب الزحام وانتشار الفيروس، فكل همهم كيفية الحصول على كسوة العيد لأولادهم ليدخلوا البهجة والسرور لقلوبهم، حتى لو استدانوا المال لتحقيق ذلك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard