كيف اختلف الفقهاء حول قضية استيلاء سلاطين المماليك على أموال الرعية؟

الأربعاء 9 سبتمبر 202012:39 م

عبر ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، تأثرت حركة تطور التاريخ الإسلامي بشكل كبير بمجريات التفاعل الثلاثي المستمر بين كل من المال والسلطة والدين، إذ كانت العناصر الثلاثة في أغلب الأوقات مُحدِّدة للقرارات المصيرية في تشكيل الثقافة الإسلامية، كما أنها لعبت -في الوقت ذاته- دوراً حاسماً في تحديد شكل العلاقة بين المجتمع والدولة وطبيعتها.

ورغم التأكيد الدائم على حرمة المال والملكية الخاصة في الإسلام، إلا أن الأمر الواقع فرض في الكثير من الأوقات -لا سيما في العصور المتأخرة- نوعاً من أنواع التغول السلطوي على الممتلكات الخاصة، وهو الفعل الذي اختلف إزاءه رد الفعل الفقهي، ما بين مندد ومعترض من جهة، ومشرعن مستسلم لموازين القوى المسيطرة من جهة أخرى.

المال والملكية الخاصة في الفقه الإسلامي

اتفقت الآراء الفقهية الإسلامية -على تنوعها واختلافها- على أهمية الحفاظ على المال الخاص والممتلكات الشخصية، فجرّمت السرقة، وفعّلت حد قطع اليد على من سرق من حرز، كما نظرت إلى المال باعتباره واحداً من بين الضروريات الخمس التي تقف الشريعة في سبيل الحفاظ عليها وحمايتها.

الحفاظ على المال كان من بين أعظم المهام الملقاة على عاتق الخلفاء والسلاطين والأمراء. وبحسب ما يذكر أبو الحسن الماوردي في كتابه الشهير "الأحكام السلطانية"، فإن الخليفة الذي ينوب عن النبي "في حراسة الدين وسياسة الدنيا" قد عُهد إليه بمهمة "جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف".

وعلى الرغم من السلطات الواسعة، تلك التي أطلقت يد السلطان وسمحت له بممارسة شتى أنواع الحكم في الدولة، فإن معظم الآراء الفقهية اتفقت على منعه من التغول على الأموال والممتلكات الخاصة، واستثنت من ذلك المنع حالات بعينها، مثل زكاة الأموال والخراج والعشور والجزية على غير المسلمين.

وفي السياق نفسه، قالت معظم الآراء الفقهية بعدم جواز التعزير أو المعاقبة بأخذ الأموال من أصحابها، إلا أن بعض الفقهاء المشهورين -المعروفين بموالاتهم ومناصرتهم للسلطة الحاكمة- من أمثال القاضي الحنفي أبو يوسف والفقيه المالكي ابن فرحون والفقيه الحنبلي تقي الدين ابن تيمية ذهبوا إلى حق السلطان في عقاب الرعية بأخذ أموالهم، وذلك إن اقترفوا إثماً لم تنص الشريعة على عقوبة واضحة له.

الأحوال المزرية للرعية في العصر المملوكي

من المعروف أن الإقطاع كان السمة الاقتصادية الغالبة على العصور الوسطى، وقد انتشر في الأقاليم الإسلامية كما انتشر في غيرها من الأقاليم والمناطق.

الإقطاع العسكري الذي ظهر بصورته الأكثر وضوحاً في عصر السلاجقة الأتراك، على يد الوزير الفارسي نظام الملك الطوسي، كان قد تمكن من التطور في أقاليم بلاد فارس والعراق والشام ومصر، وبموجبه جرى تقسيم الأراضي الزراعية الخصبة في تلك الأقاليم على الجنود والمقاتلين، أولئك الذين لم يعرفوا سوى فنون القتال والحرب.

في أواسط القرن السابع هجري، ومع تأسيس الدولة المملوكية على أنقاض البيت الأيوبي، كان الإقطاع قد تمكن وترسخ بشكل قوي في مصر وبلاد الشام تحديداً، وهو الأمر الذي عبّر عنه الباحث المصري مجدي عبد الرشيد بحر في كتابه "القرية المصرية في عهد سلاطين المماليك"، بقوله: "لم يكن الإقطاع الذي صبغ الحياة الاقتصادية في العصر المملوكي من ابتكار العصر نفسه، بل مرّ بعدة مراحل إلى أن وصل للشكل الذي عُرف في الدولة المملوكية التي نضج فيها نظام الإقطاع حتى أصبحت أشهر دولة إقطاعية في العصور الوسطى".

يتحدث يوسف نحاس في كتابه "الفلاح: حالته الاقتصادية والاجتماعية" عن شكل المجتمع المصري في العصر المملوكي، فيقول: "مصر يومئذ كانت أشبه بإقطاعات النبلاء في القرون الوسطى، وكان الفلاحون أتعس حالاً بما لا يقاس مع الأرقاء المستعبدين في القرون الأولى. على أن الرقيق في ما نعلم من نظام الأسرة قديماً كان يُراعي إما إنسانية أو توخياً لمصلحة، أو حذراً وخشية. كان لسيده نفع ظاهر في تلك المراعاة باعتباره من متاعه... أما الفلاح في عهد المماليك فلم يلجأ إلى وسائل العنف إلا قليلاً، فجلده لا ينفد، وتحمله العجيب كان يعينه على احتمال أشد المكاره".

في كتابه "النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك"، يتحدث الباحث المصري البيومي إسماعيل عن الأنواع والأصناف المختلفة من الجبايات والمكوس (الضرائب) الظالمة التي كانت السلطة المملوكية تفرضها على الرعية، فذكر منها "مقرر السجون" الذي كان بمقدار ستة دراهم، يدفعها كل من دخل السجن، ولو لساعة واحدة، و"مكس المبشرين"، وهو مبلغ من المال يتم جمعه من الرعية عند قدوم المبشر بالانتصار في أحد الحروب، و"مكس وفاء النيل"، وكان عبارة عن مبلغ من المال يدفعه المصريون عندما يبلغ منسوب النيل إلى ارتفاع معين، و"مكس ضمان القراريط"، وكان يبلغ 20 درهماً في كل ألف درهم، ويتم تحصيله عند بيع أي مبنى أو عقار، هذا بالإضافة إلى مكوس متنوعة فُرضت على الأعلاف الحيوانية وعلى القمح والفاكهة.

هذه المكوس امتدت لتصل إلى المناسبات والطقوس الاجتماعية، فقد فُرضت على حفلات الغناء والطرب والختان والزفاف، وكذلك طُبقت على الذبائح والولائم، كما فُرضت أيضاً على دور ممارسة البغاء والزنا.

رغم التأكيد على حرمة الملكية الخاصة في الإسلام، إلا أن الأمر الواقع فرض في كثير من الأوقات -لا سيما في العصور المتأخرة- نوعاً من التغول السلطوي على الممتلكات الخاصة، وهو ما اختلف إزاءه رد الفعل الفقهي، بين مندد من جهة، ومشرعن مستسلم لموازين القوى من جهة أخرى

ومن أعجب وأغرب المكوس التي فُرضت في عهد الدولة المملوكية، ما عُرف باسم "مكس القرعان"، ويذكره محمد كرد علي في كتابه "خطط الشام" بقوله: "كشف شخص من المماليك الشراكسة رأسه في سنة 830هـ، بين يدي السلطان، فإذا هو أقرع، فضحك منه السلطان، فقال ذلك المملوك: اجعلني والي القرعان يا مولانا السلطان، فأجابه السلطان إلى ذلك وأخرج له مرسوم سلطاني بأن يكون شيخ القرعان، وخلع عليه خلعة، فصار يدور في الأسواق والحارات ويكشف رؤوس الناس، فمن وجده أقرع يأخذ منه ديناراً حتى أعيان الناس، فضج الناس منه وشكوه للسلطان، فضحك ونادى بالأمان للقرعان وأن كل شيء على حاله، وكسب هذا الرجل في هذه الحركة مالاً عظيماً".


ويحكي مجدي عبد الرشيد، في كتابه سابق الذكر، عن بعض أنواع المغارم التي فُرضت على الرعية، لأسباب متعددة، منها على سبيل المثال قدوم السلطان لزيارة بعض النواحي، فقد "تكرر فرض المغارم على جميع القرى من بلاد الوجه القبلي والوجه البحري، مثل أن يُفرض على كل قرية تجهيز جمل أو فرس وأحياناً فرسين، أو دفع ثمنه... وفي بعض الأحيان كان يُفرض على كل قرية تجهيز فارس بحصان وعدة كاملة، أو فارسين وربما أربعة".

ويعلق البيومي إسماعيل على كل تلك المكوس والمغارم الظالمة بقوله: "الضريبة في عهد المماليك، امتدت إلى أمور لم تكن موجودة قبلهم وشملت كل شيء إلا الهواء الذي أخلي سبيله وحده وبقي حراً".

"الضريبة في عهد المماليك، امتدت إلى أمور لم تكن موجودة قبلهم وشملت كل شيء إلا الهواء الذي أخلي سبيله وحده وبقي حراً".

المماليك الذين فرضوا تلك المكوس، لم يتهاونوا أبداً في تحصيلها، واستعانوا بكل الطرق المُتاحة لتحقيق أهدافهم. وشاع في المصادر التاريخية أن بعضاً من الولاة بالغوا في الإساءة إلى الرعية، حتى أُشيع عن بعضهم أنه "قد افتض مائة بكر غصباً"، بحسب ما يذكر تقي الدين المقريزي في كتابه "السلوك في معرفة دول الملوك"، كما نقلت المصادر أخبار تنكيل الولاة المماليك بالفلاحين المصريين، إذ تفننوا في طرق تعذيبهم والإساءة إليهم، ومارسوا ضدهم القتل والشنق والوضع على الخوازيق، فضلاً عن نشرهم بالمناشير في بعض الأحيان.

كل تلك المظالم دفعت الكثير من الفلاحين لترك القرى، والهروب منها باتجاه المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية، ما عرّض الخزانة المملوكية للضرر في الكثير من الأوقات.

وبحسب ما يذكر المقريزي، في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة"، فـ"لما دُهي أهل الريف بالمغارم وتنوع المظالم اختلت أحوالهم، وتمزقوا كل ممزق، وجلوا عن أوطانهم، فقلت مجابي البلاد ومتحصلها، لقلة ما يزرع بها، ولخلو أهلها ورحيلهم عنها".

عارض السلاطين هذا الهروب المتكرر من القرى إلى المدن، فطالبوا الفلاحين بالرجوع إلى الريف مرة أخرى، بل وأعطوا الأمراء الإقطاعيين سلطة مطلقة في إجبار الفلاحين على العودة.

المظالم المشتركة... بين سلطان العلماء وشيخ الإسلام

في ظل تلك الأجواء المشحونة بالظلم والاستبداد، كان من الطبيعي أن تشرئب الأعناق وتشخص الأبصار وتتوجه الأفئدة إلى رجال الدين، ليبحث الرعية المقهورون عن الخلاص مما حاق بهم من غبن، خصوصاً أن سلاطين المماليك كانوا قد اعترفوا بمكانة العلماء والفقهاء، وأظهروا الخضوع والانقياد لهم ولأوامر الشرع الحنيف.

وعلى الرغم من أن الفقهاء اعترفوا بظلم تلك الممارسات، وبعدم شرعية أغلبية تلك المغارم والمكوس، يمكن التمييز بين اتجاهين فقهيين متعارضين في ما يخص التعامل مع تلك المسألة: الأول، وجّه خطابه للسلطة رافضاً ممارستها السلطوية المستبدة، والثاني، وجّه خطابه للرعية (الشعب) مطالباً إياهم بالتكافل والتضامن لسد حاجات الولاة.

من الجبايات الظالمة التي كانت السلطة المملوكية تفرضها، "مقرر السجون" الذي كان بمقدار ستة دراهم، يدفعها من دخل السجن، ولو لساعة واحدة، و"مكس المبشرين" الذي يتم جمعه من الرعية عند قدوم المبشر بالانتصار في أحد الحروب...

من علماء الفريق الأول، الفقيه الشافعي عز الدين بن عبد السلام المعروف بسلطان العلماء، وقد رفض تحصيل جبايات إضافية من الرعية قُبيل معركة عين جالوت، قائلاً وقتها للسلطان سيف الدين قطز: "إذا طَرَقَ العدو بلاد الإسلام وجب على العالَم قتالُهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية والكبابيس المزركشة وأسْقاط السيوف والفضة وغير ذلك، وأن تبيعوا مالكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصرَ كلُّ الجند على سلاحه ومركوبه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا"، بحسب ما يذكر محمد الزحيلي في كتابه "العز بن عبد السلام".

تمثال سيف الدين قطز

وكان من علماء هذا الفريق كذلك الإمام يحيى بن شرف النووي الذي روي عنه معارضته الشهيرة للسلطان ركن الدين بيبرس لما طلب شرعنة فرض المكوس على الرعية لقتال المغول، حتى أن بيبرس نفاه من دمشق وقتها، ولم يعدل عن قراره إلا بعد أن راجعه العلماء والفقهاء. اشتهرت تلك الواقعة بين العامة والخاصة، حتى وصف النووي في كتاب "سير أعلام النبلاء" لشمس الدين الذهبي بأنه "كان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار، ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى".

على الجهة المقابلة، كان من أبرز العلماء الذين وجهوا خطابهم للرعية، الفقيه الحنبلي تقي الدين ابن تيمية الحراني المعروف بـ"شيخ الإسلام".

نظر ابن تيمية للسلطة المملوكية على أنها القوة الوحيدة التي بإمكانها أن تحفظ بيضة الإسلام السني من خطر التمدد المغولي- الشيعي الذي مثلته الدولة الإيلخانية في العراق وإيران، وعليه جعل من قضية التغول السلطاني على أموال وممتلكات الرعية أمراً ثانوياً وهامشياً إذا ما جرت مقارنته بدورهم العسكري والسياسي في إبعاد مصر والشام عن المد الشيعي.

وظهر هذا التوجه بشكل واضح في بعض الآراء الفقهية التي نُشرت في مجموع فتاوى ابن تيمية، والتي نُشرت أيضاً –بشكل مستقل- في كتاب بعنوان "المظالم المشتركة"، وهو كتاب صغير الحجم، لم يتعدَّ الستين صفحة، وإن لم ينل حظه من الدراسة والاهتمام بين الباحثين.

في بداية كتابه، يُعرّف ابن تيمية المظالم المشتركة بأنها تلك "التي تُطلب من الشركاء مثل المشتركين في قرية أو مدينة إذا طلب منهم شيء يؤخذ على أموالهم أو رؤوسهم مثل الكلف السلطانية التى توضع عليهم كلهم إما على عدد رؤوسهم أو عدد دوابهم أو عدد أشجارهم أو على قدر أموالهم"، ويؤكد على ما يعتريها من ظلم وجور لأنها إنما "أُحدثت في غير الأجناس الشرعية".

ويُعدّد شيخ الإسلام أنواع وأشكال المظالم المشتركة المعروفة في القرن السابع الهجري، فيقول: "مثل الجبايات التي يجبيها بعض الملوك من أهل بلده كل مدة ويقول إنها مساعدة له على ما يريد، ومثل ما يطلبه الولاة أحياناً من غير أن يكون راتباً إما لكونهم جيشاً قادمين يجمعون ما يجمعونه لجيشهم وإما لكونهم يجمعون لبعض العوارض كقدوم السلطان أو حدوث ولد له ونحو ذلك، وإما أن ترمى عليهم سلع تباع منهم بأكثر من أثمانها وتسمى الحطائط...".

وموجهاً كلامه إلى الرعية، يقول ابن تيمية: "المُكرَهون على أداء هذه الأموال عليهم لزوم العدل في ما يطلب منهم وليس لبعضهم أن يظلم بعضاً في ما يُطلب منهم بل عليهم التزام العدل في ما يؤخذ منهم بغير حق كما عليهم التزام العدل في ما يؤخذ منهم بحق".

وفي السياق نفسه، يرفض ابن تيمية ما كان يقوم به الكثير من الفلاحين في قرى مصر والشام، من تركهم لقراهم ومساكنهم وهروبهم إلى المدن عندما يعجزون عن دفع الأموال المطلوبة منهم، فيقول: "ليس له -أي الفلاح الذي فُرضت عليه المظلمة- أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال امتناعاً يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عليهم فإن المال إذا كان يؤخذ لا محالة وامتنع بجاه أو رشوة أو غيرهما كان قد ظلم من يؤخذ منه القسط الذي يخصه وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره فإن هذا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره...".

وفي محاولة لعقلنة ما ذهب إليه، يرى ابن تيمية أن هروب الفلاحين وتحايلهم على أداء المغارم المفروضة عليهم من شأنه أن يضر بالمؤتمن -وهو الشخص المُكلف بجمع الأموال المفروضة من قبل السلطان، وهو الأمر الذي قد يسفر وفق ما زعمه عن تغيير المؤتمن بآخر أشد ظلماً وفجوراً، ومن هنا يصبح دفع الرعية لتلك المظالم بانتظام، سبيلاً لقطع الطريق على "الخونة الفجار الذين لا يتقون الله بل يأخذون من الأموال ما قدروا عليه ويدعون نقص المقبوض المستخرج أو زيادة المصروف المؤدى، كما هو المعروف من حال كثير من المؤتمنين على الأموال السلطانية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard