عدالة عمياء عن المغتصبين... هل فقد المصريون الأمل في إنصاف القانون لضحايا الاعتداء؟

الأربعاء 7 أبريل 202109:14 م

طفلة مصرية لم تتجاوز الثامنة تعرضت للخطف ومحاولة اغتصاب ثم القتل، أصر الأهالي على "القصاص" وقتل المتهم، وتطلب الأمر تدخل رجال الشرطة لانتزاعه من بين أيادي الأهالي الغاضبين #حقك_هيرجع_ياريماس#عاوزين_حق_ريماس


مساء الثلاثاء السادس من أبريل/ نيسان، شهدت مدينة المنصورة، بمحافظة الدقهلية، شمال مصر، جريمة مركبة مروعة بحق طفلة لا يتعدى عمرها ثماني سنوات. إذ اختطف كهل أربعيني الطفلة قاصداً الاعتداء عليها جنسياً، إلا أن صراخها رعباً منه، وخشيته افتضاح أمره، دفعاه إلى قتلها بثلاث طعنات أودت بحياتها.

لم ينتظر الأهالي إلقاء الشرطة القبض على الجاني، واتجهوا إلى منزله وعثروا على جثة الطفلة، وأصروا على قتله. ولم يتمكن الأمن من فض تجمهرهم، ما استدعى طلب دعم من قوات الأمن المركزي لإبعاد الأهالي الثائرين وتخليص المتهم ونقله إلى مركز الشرطة القريب تمهيداً للتحقيق معه. 

ثورة الأهالي ورفضهم تدخل الشرطة ورغبتهم في "القصاص" بقتل المتهم فوراً دون انتظار حكم محكمة، تأتي بعد تكرار حالات إفلات معتدين جنسياً، في حوادث متعددة، من العقاب، بقرارات قضائية أحدثها الغفران عن ثلاثة من مرتكبي جريمة اغتصاب الفيرمونت. 

 

وتكشف تعليقات مصريين على شبكات التواصل الاجتماعي عن حالة من اليأس في تحقق العدالة في جرائم التحرش والاغتصاب على يد نظام العدالة الرسمي في مصر. إذ ظهر وسْما: #حقك_هيرجع_ياريماس و#عاوزين_حق_ريماس، وغرد خلالهما عشرات المعلقين، معربين عن تخوفهم من حصول المتهم على "البراءة" بذريعة "الاضطراب النفسي" أو أي ذريعة أخرى. 

 

 قبل نحو عامين، كانت المنصورة أيضاً مسرحاً لجريمة اغتصاب مروعة لطفلة لم يتخط عمرها 20 شهراً، وهي الحادثة التي عُرفت بـ"طفلة البامبرز". خلال محاكمة الجاني، دافع محاموه بأنه "غير متزن نفسياً" في محاولة لإنقاذه، إلا أن بشاعة الجريمة والغضب الذي رافقها أدّيا إلى حكم سريع بإعدام الجاني نُفذ في نهاية العام 2019.

 آخرون كانوا أكثر يأساً حين غردوا: "واضح أننا كل يوم هنطالب بحق حد، ومفيش حاجة بتحصل"، و"كل يوم نفضل نندب في حادثة جديدة، ولا حياة لمن تنادي!". وأحال البعض تكرار مثل هذه الحادثة إلى غياب العدالة أو القانون بشكل مباشر.

#حق_داليا و#حق_مريم والآن #حق_ريماس… ضحايا جرائم الاغتصاب والتحرش في مصر، وذووهن بين انتظار العدالة البطيئة والأحكام المخيبة للآمال والرغبة في "أخذ الحق بالإيد"

 في ما يلي بعض الأسباب والحوادث التي غذّت هذا الإحباط من انتظار العدالة على يد القضاء في جرائم التحرش والاغتصاب بوجه خاص:

تكييف التهم لمصلحة المتهم

 أحد الأسباب التي ساهمت في إحباط الضحايا وذويهم في قضايا التحرش الجنسي والاغتصاب هو تدخل سلطات القانون، تحديداً أقسام الشرطة، لمصلحة المتهم خاصةً إذا كان صغيراً في السن.

 ظهر هذا جلياً في حادثة الاعتداء الجنسي على ابنة شقيقة الناشط المصري أحمد جمال زيادة ذات الثماني سنوات، والتي اغتصبها أحد أبناء الجيران (19 عاماً). وفق رواية والدة الطفلة الضحية، اعتدى المتهم جنسياً على طفلتها مراراً، وفد هتك غشاء بكارتها.

 لكنها على مدار يومين فشلت  في إقناع المسؤولين في قسم شرطة كرداسة (محافظة الجيزة/ شمال مصر) بتسجيل بلاغها على أساس الاتهام بالاعتداء الجنسي، وكتبوا عوضاً عن ذلك بلاغاً يتهم بـ"التحرش" فقط، وفق رواية الأسرة التي زعمت أن ذلك أعقب تدخل أفراد من أسرة الشاب المتهم.

 ومنتصف الشهر الماضي، أمرت النيابة العامة بإحالة ثلاثة أشخاص إلى المحاكمة بتهم "البلطجة واحتجاز الغير بدون وجه حق"، بعد قيامهم بالتسبب في مقتل الضحية التي عرفت بـ"طبيبة السلام"، وذلك بعدما اقتحموا منزلها وقاموا بترويعها حتى قفزت من شرفة منزلها.

لم توجه النيابة تهم القتل العمدي أو غير المتعمد للمتهمين، واكتفت بتوجيه اتهامات في جرائم أخرى لا تتخطى عقوبة الواحدة منها الحبس خمس سنوات في الحد الأقصى.

وأشاع قرار النيابة العامة شعوراً بالإحباط لدى الكثيرين الذين اعتبروا التهم الحالية ضياعاً لـ #حق_داليا.

القبض على الشهود أو ترهيبهم

على الرغم من الغضب الواسع الذي فجّرته "جريمة الفيرمونت"، تحركت السلطات المصرية ضد الشهود بشكل أسرع وأكثر قوة من استهداف المتهمين الذين ظلوا مطلقي السراح فترة طويلة.

تتبع السلطات المصرية العديد من الأساليب التي يُعتقد بأنها تسهم في إفلات الجناة وتعرقل تحقيق العدالة، أبرزها تكييف التهم لمصلحة المتهم وترهيب الشهود والأحكام الهزيلة

واتهمت منظمات حقوقية عديدة، بينها هيومن رايتس ووتش، السلطات المصرية بانتهاك خصوصية الشهود وترهيبهم، بل والتشهير بهم عبر وسائل إعلام موالية لها.

روج البعض إلى أن الهدف من ذلك كان الانتقام من الشهود لاتهامهم أبناء رجال أعمال ومشاهير بارزين في القضية. في حين اعتبر بعض آخر أن السلطات لا تتسامح مع فضح الجرائم التي يمكن أن تمثل "تشويهاً" لصورة "المجتمع المتدين" المزعومة، ورأى بعض ثالث في هذا السلوك انعاكساً لأن قضايا المرأة وأمانها ليست أولوية لدى السلطات.

ويعد التأخر في ضبط الجناة سبباً آخر لغضب الأهالي. قبل أربعة أيام، تعرضت سيدة في العقد الرابع من العمر ونجلها للقتل على يدي سائق توكتوك في بني مزار بالمنيا، بواسطة "ساطور" علناً في وضح النهار.

زعم البعض أن السيدة تعرضت للتحرش من السائق وحين نهرته ذبحها ونجلها وفر هارباً. برغم الغضب الشديد من الحادثة وتداول وسائل إعلام محلية خبراً عن تحديد المتهم بقتل السيدة مريم وابنها، لا توجد أي أنباء مؤكدة عن ضبطه، ما أدى إلى صعود وسم #حق_مريم_فين مراراً إلى قائمة الترند في البلاد.

خذلان القضاء

شكلت الأحكام الصادمة في عدد من قضايا التحرش والاغتصاب الأخيرة خذلاناً إضافياً للضحايا وذويهم. أبرز مثال على ذلك، أحكام البراءة التي صدرت لمصلحة جميع المتهمين بالتحرش الجماعي بما عرف بـ"فتاة ميت غمر"، الشهر الماضي.

 استند الحكم إلى "بطلان محضر جمع الاستدلالات ومحضر التحريات وأقوال المجنى عليها وتعدد رواياتها التي تناقض الفيديوهات"، على الرغم من أن الحادثة المسجلة بالصوت والصورة سببت غضباً شعبياً واسعاً، وعرّضت الضحية للتهديد العلني من قبل المتهمين ومحاميهم.

 لم يكن أفضل حالاً الحكمُ الصادر في قضية "طبيب الشرقية" أو "طبيب الميكروباص" الذي تحرش جنسياً بإحدى السيدات عبر الاستمناء علناً أمامها في وسيلة مواصلات.

إذ حُكم ضد المتهم بالحبس سنة واحدة مع وقف التنفيذ، تعللاً بأن "ما لقاه المتهم من إجراءات ضبط وحبس احتياطي كفيلة بردعه وعدم معاودته ارتكاب ذلك السلوك، وفقاً لما أحاطت به عن بصر وبصيرة، من ظروف وملابسات تلك الدعوى، وباستحضار غاية المشترع من منظور العقوبة على الجاني، فلم يبتغِ منها الإيذاء وإنما بقصد الإصلاح والتهذيب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard