سعد لمجرد "مغتصب" في فرنسا ونجم في المغرب، تسامح مغربي مع ثقافة الاغتصاب

سعد لمجرد وقضايا الاغتصاب

الأحد 21 مارس 202104:29 م

مرة أخرى تطفو إلى السطح في فرنسا قضية "الاغتصاب" التي يشتبه أن المغني المغربي سعد لمجرد ارتكبها في حق شابة فرنسية داخل أحد الفنادق الباريسية. المغني الأشهر بين الفنانين الشباب المغاربة في العالم العربي، لم يتواصل حول مستجدات القضية وأطلق أغنية جديدة بدل ذلك. لكن خلف مزاعم الاغتصاب في الجمهورية والصمت في المملكة، يطرح السؤال المؤرق: هل المغاربة يتسامحون مع جرائم الاغتصاب؟

عنف واغتصاب

مباشرة بعد إطلاق سعد لمجرد أغنيته الجديدة "الغادي وحدو" والتي اختار التعاون فيها مع فرقة نسائية للموسيقى الشعبية تلقب بالهوّاريات بالإضافة إلى الموسيقي الجزائري كريم زياد، نشرت يومية "لوبارزيان" الفرنسية خبر إصدار غرفة التحقيق بمحكمة الاستئناف بفرنسا، قرارا بإحالته إلى المحاكمة الجنائية، بتهمة اغتصاب شابة داخل فندق "ماريوت" في باريس في 26 تشرين الأول/أكتوبر2016.

خلف مزاعم الاغتصاب في الجمهورية والصمت في المملكة، يطرح السؤال المؤرق: هل المغاربة يتسامحون مع اتهام سعد لمجرد بالاغتصاب؟

وألغت المحكمة القرار الذي أصدره قاضي التحقيق في أبريل 2019، الذي صنّف جريمة لمجرد بحق الفتاة الفرنسية لورا (23 عاما) بأنها "اعتداء جنسي وعنف"، لتفتح صفحة جديدة في القضية التي أسالت الكثير من المداد.

لكن في الضفة المغربية، لم يخلف القرار الجديد بتصنيف التهمة الموجهة إلى لمجرد (35 عاما) في خانة "الاغتصاب" صدمة كبيرة لدى معجبي "لمعلم"، ولم يقاطع الجمهور فنانهم المحبوب على الرغم من "الثقل الأخلاقي" للجريمة في حال أدين بها، والتي تعرضه إلى السجن بين 15 إلى 20 عاما بحسب القانون الفرنسي إلى جانب بعدها العنيف. بالمقابل شاهد الفيديو كليب للأغنية الجديدة أكثر من 15 مليون شخص في ظرف أسبوعين، واتجهت التعليقات في صفحة لمجرد في يوتيوب إلى "الاحتفاء بالمغني".

يثير هذا الصمت المطبق حول قضية الاغتصاب في أوساط المغاربة واستمرار فنانين في عقد شراكات فنية مع لمجرد كان آخرهم المغني زهير بهاوي ومجموعة لفناير، تساؤلات حول موقف الشارع المغربي من الاغتصاب، ومدى وعي المواطنين بخطورة الاتهامات. ففي الوقت الذي أطاحت اتهامات التحرش الجنسي والاغتصاب بعد موجة "مي تو" في الولايات المتحدة برؤوس فنانين عالميين، ومنتجين، وسياسيين، لم تخلق قضية لمجرد أي نقاش مجتمعي وظلت أبواب الجمهور وشركات الإنتاج تستقبله بحفاوة.

مؤامرة وفكر ذكوري

رئيسة جمعية التحدي والمساواة بشرى عبدو عبرت في تصريح لرصيف22 عن أسفها من تعامل أغلبية المغاربة مع الملف الذي يتابع فيه سعد لمجرد بفرنسا على أنه "عادي" ولا يتعلق بجريمة يعاقب عليها القانون كباقي الجرائم الخطرة "فالمغني حاليا مثل باقي المعتدين في انتظار أن يعطي القضاء الفرنسي كلمته النهائية"، على الرغم من احترام قرينة البراءة.

قضية سعد لمجرد جعلت العديد من المغاربة يطبعون مع الاغتصاب ويبررونه بفكرة خاطئة أن ما وقع "برضاها"

وأردفت عبدو "من يعتبر الجريمة عادية فإنه ينطلق من فكرة مفادها أن المجرد فنان موهوب وله سلطة وأن الضحية المفترضة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل ما لحق بها وأن ما وقع تلك الليلة كان برضاها. هذه عقلية ذكورية تسري على كل ملفات العنف الممارس على النساء والفتيات".

بدورها أشارت نعيمة (32 سنة) التي سبق وأن تعرضت لاغتصاب من طرف خطيبها قبل ثلاث سنوات، في تصريح لرصيف22 أن قضية سعد لمجرد جعلت العديد من المغاربة يطبعون مع الاغتصاب ويبررونه بفكرة خاطئة أن ما وقع "برضاها". مضيفة "أن علاقة غرامية بين شاب وفتاة لا تعني أن الأخيرة قررت منح جسدها طواعية لهذا الشخص".

وتتابع نعيمة حديثها بعصبية "لو كان سعد لمجرد شخصا عاديا لا يتابعه الملايين لتعاطف الجميع مع الشابة لورا. لكن شهرته جعلت الكثير يشكك في روايتها ويعتبر المغني ضحية مؤامرة الهدف منها الانتقام منه".

وتستقبل جمعية التحدي والمساواة، كباقي الجمعيات الناشطة في مجال حقوق المرأة، حالات من ضحايا العنف بكل أشكاله وخاصة العنف الجنسي وتقدم لهن عدة خدمات منها الاستماع والتوجيه والدعم النفسي والدعم القانوني لوضع شكايتهن "لكي يأخذ المعتدي جزاءه" تؤكد رئيستها. لكن اتهام الضحية بأنها السبب في تعرضها للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي ما زالت تسيطر على الذهنيات.

نجم لا يأفل؟

رغم أن الكثير توقع أن تؤثر قضية سعد لمجرد أمام القضاء الفرنسي على مسيرته الفنية، إلا أن المتتبع لأعداد المشاهدات التي تحققها أعماله على يوتيوب يؤكد غير ذلك. إذ أن قناته حصدت لحدود آذار/مارس 2021 أزيد من 3 مليارات و145 مليون مشاهدة، وكليب "لمعلم" استطاع لوحده تحقيق أكثر من 908 مليون مشاهدة وهو إلى حد الساعة "الفيديو كليب العربي الأكثر مشاهدة" على المنصة.

لانتشار الفني الطاغي لسعد لمجرد، وحالة التسامح المطلق مع الاتهامات الموجهة إليه من طرف الجمهور، يؤرقان بال العديد من ضحايا العنف الجنسي والاغتصاب

بالنسبة إلى محمد بوملي، وهو صحفي بالقسم الفني في موقع "اليوم 24"، فإن أخبار لمجرد تحظى جميعها بتتبع جمهور الميدان الفني "خصوصا عقب نجاح أعماله والأرقام التي يحققها، مما يجعله حاضرا بقوة في أخبار المنابر الإعلامية الورقية والإلكترونية. لكن أخبار قضيته أتت بجمهور جديد غير مهتم بالفن كذلك. مثلها مثل باقي أخبار الفنانين الذين يواجهون مشاكل تصل إلى القضاء". لكن المؤكد أن المتابعة التي تندرج في "أخبار المشاهير" لم تخلق إلى حد اليوم نقاشا مجتمعيا بل يمكن أن تكون أسهمت في شهرة المغني.  

جوابا عن تساؤل حول ما إذا كانت قضية لمجرد ساعدت في زيادة نجوميته، يقول الصحفي لرصيف22 "يمكن أن يكون ذلك صحيحا فعلا، لكن في المقابل، لمجرد كان من بين نجوم الصف الأول في العالم العربي قبل بداية القضية. سعد ذكي واستطاع تحويل الأنظار عن قضيته في فرنسا إلى ما ينتجه موسيقيا".

لكن الانتشار الفني الطاغي للمغني، وحالة التسامح المطلق مع الاتهامات الموجهة إليه من طرف الجمهور، يؤرقان بال العديد من ضحايا العنف الجنسي والاغتصاب. في هذا السياق تتخوف ضحية الاغتصاب نعيمة من أن مقاطع الفيديو التي ينشرها معجبو الفنان على مواقع التواصل الاجتماعي وهو ينتشي بكل نجاح يحققه، قد تساعد على تمرير رسالة للمعتدين مفادها أن "المال والشهرة والنجاح عوامل تساعد على نسيان كل شيء. حتى تلك الجريمة وتلك الليلة التي تحولت فيها حياة الضحية إلى جحيم، فأثر الاغتصاب والعنف يرافقنا طيلة حياتنا".

اعتداءات جنسية متكررة

لم يكن الشاب الحالم بالشهرة الذي وقف يغني خجلا أمام لجنة تحكيم برنامج المواهب "سوبر ستار" سنة 2007 يعلم أن السنوات القادمة ستحمل له الكثير سواء على المستوى الفني أو الشخصي، وتظهر بدل صورة الشاب الطيب ذي الابتسامة الساحرة صورة المغتصب.

سعد لمجرد ابن نجمين من عالم الفن المغربي. فوالده هو المغني المغربي البشير عبدو ووالدته الممثلة نزهة الركراكي. سهلت هذه المعرفة بعالم الفن في أن ينجح، في ظرف سنوات قليلة، في فرض اسمه في الساحة الفنية العربية. لكنه بالمقابل لم يفلح في إبعاد اسمه عن قضايا وتهم تلاحقه أينما حل وارتحل، تتعلق بالاعتداءات الجنسية والاغتصاب.

اتهامات الشابة لورا بفرنسا، ليست الوحيدة التي تواجه المغني المغربي، إذ أنه بعد شهر من انتشار قضيتها في وسائل الإعلام في تشرين الأول/أكتوبر 2016 اتهمته شابة فرنسية من أصل مغربي، بالاعتداء عليها وضربها في مدينة الدار البيضاء عام 2015. لكنها قررت سحب قضيتها لأسباب شخصية وضغط في محيطها الشخصي دون أن تتراجع عن اتهامها.

وقبلها ارتبط اسم لمجرد بتهم اغتصاب واعتداء جسدي على فتاة في الولايات المتحدة، كانت قد أقامت دعوى قضائية ضده، وأعلن الإعلام المغربي وقتها أنه سيواجه عقوبة السجن إذا عاد إلى أميركا مجددا، فيما يقول مقربون منه إنه تم التوصل إلى تسوية لإغلاق الملف.

ويجد لمجرد دعما وتسامحا وحالة إنكار حتى في وسطه العائلي. إذ دافع عنه والداه دوما، ويؤكدان أن الاتهامات الموجهة إليه غير صحيحة وأنه بريء.

وما يزيد من فرص لمجرد من الهروب من "نقمة الجمهور" هو تشعب المساطر القضائية الفرنسية التي تجعل بعض القضايا تستمر لسنوات طويلة. عبد العالي الصافي، محامي مغربي، اعتبر في تصريح لرصيف22 أن القضاء الفرنسي تذبذب كثيرا في قضية سعد لمجرد بين الاعتقال والسراح المشروط وكذلك تدابير المراقبة القضائية، موضحا أن "التذبذب حول تكييف القضية هل هي جنحة أم جناية من شأنه إثارة عدة أسئلة، أهمها: ما سبب كل هذه القرارات ونقائضها؟ وهل استطاع هذا القضاء فك لغز هذه القضية؟". تساؤلات رجل القانون المغربي، قد تتحول إلى حيرة في نفوس الكثير من الشباب المغربي. يقلّل الصافي من تبعات الأمر على الشباب: "يتابع جزء كبير من الشباب المغربي القضية ويعرف تفاصيلها والبعض الآخر ليس متتبعا لمجرياتها باستثناء الأخبار العامة. لا أعتقد أن شبابنا يقتدون بالضرورة بسعد لمجرد، لأن الشباب المغربي خلافا لما يروجه البعض ليس أرعن ومتهورا ومستعدا ليكون همجيا". لكن واقع الحال أن ملايين المغاربة والعرب.. لا يُعْرِضُون عن نجمهم "المعلم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard