طردُ مزارعين مغاربة على الحدود الجزائرية... "وداعا أيها النخيل"

مزارعون يطردون من فكيك

الجمعة 19 مارس 202107:56 م

رسموا جداريات على بعض المباني للتعبير عن حزنهم وغضبهم، يقولون فيها إن الأرض لأجدادهم. ثم احتجوا أمام مؤسسات حكومية في مدينتهم فِكيكْ، لكنهم لم يجدوا لا تفسيرات ولا آذانا مصغية من السلطات المغربية أو الجزائرية. وفي آخر المطاف أجبروا في 18 آذار/مارس على الرحيل من مزارع النخيل في المنطقة الحدودية بين المغرب والجزائر.

مأساة هؤلاء المزارعين المغاربة، الذين رعوا لعشرات السنين أشجار النخيل في واحات "العرجة أولاد سليمان" ليجنوا تمرها، تفتح من جديد جراح نزاع بين الجزائر والمغرب حول حدود هلامية رسمتها فرنسا خلال استعمارها للبلدين قبل أن تترك المنطقة لأضغان وجبهات نزاع مختلفة.  آخرها كان حين أبلغت السلطات الجزائرية مجموعة من المزارعين المغاربة الذين يعملون بالمنطقة الحدودية بضرورة إخلاء واحات النخيل، التي تقول الجزائر إنها تابعة لأراضيها وفق اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين، رغم استغلالها من طرف مزارعين مغاربة منذ عقود.

جيش ومهلة أيام

فوجئ المزارعون في العاشر من آذار/مارس بعناصر من الجيش الجزائري يأتون لأمرهم بالرحيل قائلين إنها أراض جزائرية. وحدّدت السلطات الجزائرية مهلة انتهت يوم 18 آذار، أمام المزارعين المغاربة من أجل إخلاء المنطقة.

صورة من الشبكات الاجتماعية

ومنذ تاريخ إعلان المهلة، شرع عدد المزارعين في إخلاء الأراضي وجمع معداتهم الفلاحية، ونظّموا مظاهرة للتعبير عن سخطهم والمطالبة بالتعويض عن خسائرهم من طرف السلطات المغربية. كما خطوا على الجدران في مزارع النخيل عبارات من قبيل "سنعود يوماً ما" و"عليك السلام يا أرض أجدادي". كما أقام السكان جنازة رمزية للأراضي التي منعوا من العودة إليها من طرف قوات الأمن المغربي مع حلول المهلة النهائية. إذ أن عشرات سيارات الأمن شكلت حاجزا يمنع السكان من القيام بمسيرة رمزية إلى المنطقة، وهو ما كان ليعقّد العلاقة مع الجانب الجزائري.

طرد مزارعين مغاربة من واحات نخيل فتح من جديد جراح نزاع بين الجزائر والمغرب حول حدود هلامية رسمتها فرنسا خلال استعمارها للبلدين قبل أن تترك المنطقة لأضغان وجبهات نزاع مختلف

أمام الصمت الرسمي بالمغرب، أفاد بيان لفرع حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفكيك" (حزب مكون للائتلاف الحكومي)، أن سكان المنطقة عاشوا خلال الأسابيع الأخيرة "حالة من الاستغراب والاستنكار" بعد عزم السلطات الجزائرية "اقتطاع أراضٍ" من واحة في منطقة "العرجة دون سابق إنذار".

وشدّد المصدر ذاته بأن الأراضي المعنية "استثمر فيها عدد من الفلاحين من المنطقة"، وأصبحت في ملكية أصحابها "بعقود ووثائق ثابتة ورسمية، وأنها بالنسبة إلى الواحة تشكل مجالاً حيوياً لا غنى عنه، ومورد رزق للعديد من الأسر"، معتبراً أن من شأن الخطوة الجزائرية "أن تزيد المنطقة تهميشاً وتهجيراً لسكانها الذين ستضيق بهم رقعة الاستثمار في المجال الفلاحي الذي يُعتبر المورد الأول للأسر".

بالعودة لبدايات الأزمة الحدودية، يكشف أحد السكان لـرصيف22، أنّه بعد زيارات سابقة لعسكريين جزائريين للمنطقة، تفاجؤوا بعناصر من حرس الحدود، "تقتحم أراضيهم لإخطارهم بضرورة المغادرة ونقل ممتلكاتهم خارج التراب الجزائري، وذلك تفعيلاً لاتفاقية ترسيم الحدود البرية الموقعة بين البلدين منذ عام 1972".

وتُبرز مصادر متطابقة مغربية، أنّ اتفاقية الحدود المذكورة، لا توضّح بالاسم وضع منطقة "العرجة" عكس مناطق حدودية عديدة أشير إليها ضمن نصّ الاتفاقية بالاسم".  لكن الطرف الجزائري يقول إن الاتفاق الذي وقع على عهد الرئيس هواري بومدين، تضمن المنطقة، مع سماح السلطات الجزائرية للمزارعين من أصول مغربية باستغلال الأراضي. وبين تباين التفسيرات السلطات الجزائرية والمغربية، وتأخر البلدين في بسط سيطرتهما على المنطقة، استثمر عشرات المزارعين المغاربة في واحات النخيل المجاورة لواد، قريب من قراهم التي تسمى قصورا.

غموض ترسيم الحدود يؤكّده فرع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفكيك، مشيراً إلى أنّ الدولة المغربية لم تكن واضحة مع ساكنة أهل فكيك والمغاربة ككل بخصوص ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر إذ بقيت خاضعة للتقلبات السياسية بين البلدين"، ولفتت إلى أن القرار المبرم بين السلطتين المغربية والجزائرية لا ندري "على أي اتفاقية يستند، علما أن اتفاقية 1972 إن كانت هي المعتمدة في أصلها غير واضحة المعالم الحدودية بتاتا".



وحمّلت الهيئة الحزبية الحكومة المغربية مسؤولية ما يقع اليوم، موضّحة أنّ "الدولة المغربية غررت بسكان وفلاحي واحة فكيك وورطتهم، إذ تركتهم يستثمرون لسنين في أراض قد تنتزع منهم في أية لحظة كما هو الحال الآن، رغم أنها "في ملكية أصحابها بعقود ووثائق ثابتة ورسمية".

وطالب فرع الحزب السلطات المغربية بأن تكشف للرأي العام المحلي والوطني تفاصيل هذا الملف، وتبعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المنطقة في المستقبل.

تنسيق بين البلدين؟

من جهته، يقول عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان: "السلطات المغربية تلتزم لحد الساعة الصمت، رغم الاحتجاجات المتواترة من طرف السكان، خلال الأيام الأخيرة. وأمام معلومات متداولة بأن ما تقوم به الدولة الجزائرية يجري بتنسيق مع الدولة المغربية، يجب أن تصدر وزارة الداخلية المغربية بلاغا في الموضوع، يوضّح حقيقة الوضع".

هل كانت السلطات المغربية على "تفاهم" مع نظيرتها الجزائرية، في حادث طرد مزارعين مغاربة من واحات على الحدود بين البلدين؟ تختلف التفسيرات لكن المعاناة واحدة

ورغم أن صحافة البلدين، اعتبرت حادثة طرد الجزائر للمزارعين المغاربة، كأنها صفحة مواجهة بين البلدين قد تؤدي إلى توتر دبلوماسي جديد وتفتح أبواب النزاع المسلح، إلا أن الطرف الجزائري أكد للمزارعين أن السلطات المغربية على "تفاهم" مع نظيرتها الجزائرية، وأن الدولة المغربية ستعوضهم. وتظهر المعطيات الميدانية أن السلطات المغربية كانت على علم مسبق بالموضوع، أو أنها لا ترغب في التصعيد.

وهو ما تؤكده جريدة "الخبر" الجزائرية التي كتبت بأن السلطات الجزائرية تعاملت مع "توسيع مزارعين مغاربة لأراضيهم وزرع نخيل على الأراضي الجزائرية برزانة ودون تهريج إعلامي" وقالت الجريدة إن الجزائر "أبلغت سلطات مدينة فكيك بالأمر"، قبل التدخل بعلم من السلطات المغربية.

ويتابع الخضري في تصريحه لـرصيف22 أنه إذا ثبت أن العملية تمت بتنسيق مع الدولة المغربية "فعلى هذه الأخيرة تقديم تعويض للمتضررين المغاربة. أما إذا كان الأمر من طرف واحد، فأعتقد أن المغرب مطالب برد قوي إزاء هذا السلوك، فمن الناحية الحقوقية، لا ينبغي أن ينطوي أي قرار من كلتا الدولتين أو إحداهما على تشريد أو قطع أرزاق مواطنين لا حول لهم ولا قوة، بل يجب اتخاذ التدابير الاحترازية والإجرائية الكفيلة لضمان حقوق أصحاب الأرض".

خلفيات القرار الجزائري

ما يزيد الوضع ضبابية، أنّ التطوّرات على حدود البلدين، تأتي في وقت تعرفُ فيه العلاقات بينهما توتّراً حاداً واحتقاناً شديداً، بعد التدخل المغربي بمعبر الكركرات الحدودي مع موريتانيا، واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية وتدشين تمثيلياتها الدبلوماسية بها، ما دفع متتبّعين مغاربة لاعتبار أن الخطوة الجزائرية تتجاوز مسألة ضم قطع أرضية إلى كونها "مناورة استفزازية"، إذ أن الدولة الجزائرية تثير مسألة ترسيم الحدود "ورقة ضغط كلما اشتدّ عليها الخناق".

ويعتبر الخبير المغربي في القانون الدولي ونزاع الصحراء، صبري الحو، أنّ الجزائر تعمد لإثارة نقطة حدود العرجة، "بعد النجاحات التي حقّقها الدبلوماسية المغربية في إدارة ملف الصحراء"، بالإضافة لسعيها "تصريف الأزمة الداخلية بالجزائر، بعد تجدّد الاحتجاجات الشعبية المطالبة تغيير النظام".

أما الجانب الجزائري فيرجع الأسباب إلى مشاكل أمنية. وصرح العقيد السابق للمخابرات الجزائرية، عبد الحميد العربي شريف لوكالة "سبوتنيك"، أن "تهريب المخدرات الذي يمر عبر هذه المنطقة كان له تأثير كبير في هذا القرار".

ويضيف الضابط الجزائري لوكالة الأخبار الروسية: "لم تعتبر الجزائر قط أن وجود هؤلاء المزارعين المغاربة على أراضيها يمثل مشكلة. ومع ذلك، فقد شجبت السلطات الأمنية الجزائرية معدل تهريب المخدرات في هذه المنطقة منذ التسعينيات".

ويتابع الضابط قائلا: "تزايد كميات وجرعات المادة الفعالة من الحشيش التي تمر عبر هذا الجزء من الحدود أصبحت مقلقة أكثر فأكثر، وأجهزة الأمن المغربية بقيت سلبية، لذلك فإن الجزائر ليس لديها خيار آخر سوى إغلاق هذه المنطقة. مع الأسف فإن المزارعين الفقراء الذين لا علاقة لهم بهذه الحركة هم من يدفعون الثمن".

وتقول الجزائر إن الأراضي غير مملوكة إطلاقا للمزارعين، خلافا لما نشره أبناء مدينة فكيك لعقود ملكية أراض تعود إلى الحقبة الاستعمارية في سنوات الثلاثينيات. ويقولون إن معرفتهم بأنها ليست أراض مغربية كان السبب في إذعانهم لأمر السلطات الجزائرية بإخلاء المنطقة.

الحدود الضبابية

سياقات الأزمة الجديدة وغياب تفسيرات رسمية من الجانبين، تفتح الباب على أكثر من تأويل لما سيعرفه مستقبل الملف، غير أنّ المرجّح أن التطورات الأخيرة سيكون لها ما بعدها على مستوى ترسيم الحدود بين البلدين.

الخبير المغربي صبري الحو، يذهب أبعد من هذا، ولا يستبعد "نشوب مواجهة مباشرة"، ذلك أنّ "اتفاقية ترسيم الحدود تتضمن التزامات متبادلة على الطرفين، بالتالي فإن ما يقوم به الطرف الجزائري بتغيير الوضع القائم خرقٌ مباشر لبنود الالتزام"، على حد تعبيره في تصريح لـرصيف22.

ويشير الحو، أن معطيات عديدة تزّكي هذا الطرح، ذلك أنه ينبغي حسم الأمور بشكل كامل، مع تكرّر ما يصفه "بتحرّشات الجزائر بالمغرب، التي اعتبرت أن العملية الأمنية السلمية لتحرير الكركرات، استهداف للأمن القومي الجزائري، حسب ما أكده عدد من جنرالات الجار الشرقي".

وقعت الجزائر والمغرب اتفاقية لترسيم الحدود عام 1972. لكنها تظل ضبابية بشكل كبير، ما أدى اليوم إلى طرد مزارعين من واحاتهم

نادي المحامين بالمغرب، دخل على خط الموضوع، وأعلن تشكيل خلية أزمة قصد المواكبة القانونية لأزمة الفلاحين بمنطقة فكيك، رداً على قرار السلطات الجزائرية. مبرزاً أنه فتح قنوات الاتصال مع المتضررين لجمع كل المعطيات والوثائق ودراسة السبل القانونية المتاحة من أجل المطالبة بالتعويض عن نزع ملكية هاته الأراضي وفي حالة عدم استجابة القضاء الجزائري الترافع أمام المنتظم الدولي بما فيه القضاء الإفريقي ومحكمة العدل الدولية.

واعتبر النادي في بيان توصّل به رصيف22، أن تصريح الساكنة بخصوص استغلالهم لهذه الأراضي لما يفوق 30 سنة "يجعلهم من مكتسبي الملكية عن طريق الحيازة طبقا لمقتضيات القانون" الجزائري، ذلك أن "الحيازة تعرف على أنها وضع اليد على الشيء والتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، مع حضور المحوز عنه وعلمه وسكوته، وعدم منازعته طوال مدة الحيازة".

وتنص المادة 827 من القانون المدني الجزائري حسب النادي على "أنّ من حاز منقولا أو عقارا أو حقا عينيا منقولا كان أو عقارا دون أن يكون مالكا له أو خاصا به صار له ذلك ملكا إذا استمر حيازته له مدة خمسة عشر سنة بدون انقطاع".

وبين تفسير قانوني وآخر، وادعاءات وأخرى، يظل مصير المزارعين التشرد. وكان كل من المغرب والجزائر وقعا اتفاقية لترسيم الحدود عام 1972، صادق عليها البرلمان المغربي عام 1992. لكنها تظل ضبابية بشكل كبير، في العديد من النقاط، وتتجاهل واقع الأراضي التي كانت دوما رافضة لمنطق الحدود. فهي تظل مأهولة من طرف قبائل وعائلات وسكان تعايشوا لمئات السنين ليجدوا أنفسهم بين فكي حدود "وهمية" تفصل أبناء العمومة، وتسمم العلاقات بين الجارتين.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard