بعد موجة التطبيع والدعم العربي للمغرب… هل تنضم الجزائر إلى المعسكر التركي؟

الثلاثاء 29 ديسمبر 202012:43 م

في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2020، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالاً هاتفياً بنظيره الجزائري عبد المجيد تبون ليطمئن على صحته بعد إصابته بفايروس كورونا، ويبلغه بأن أنقرة على "استعداد لمرافقة بلاده في مشروعه لبناء الجزائر الجديدة".

كان هذا الاتصال هاماً للغاية في نظر محللين كثيرين لأمرين، أولاً، لأنه جاء في وقت تنحاز فيه الدول العربية الكبيرة إلى المغرب في قضية الصحراء الغربية؛ وثانيا، لأنه تزامن مع موجة تطبيع مع إسرائيل تعتبرها الجزائر خيانة للقضية الفلسطينية.

تضع هذه المواقف الجزائر في مواجهة مع الدول العربية الداعمة لخيار التطبيع، أو على الأقل تجعلها معزولة، لذا كان اتصال أردوغان بمثابة رسالة مفادها أن هنالك أيادي أخرى قد تكون حليفة للجزائر ومستعدة لبناء علاقة استراتيجية معها.

تقارب تركي جزائري

قام أردوغان بأربع رحلات رسمية إلى الجزائر، اثنتان كرئيس للوزراء في 2006 و2013، واثنتان كرئيس في 2014 و2020.

وتعززت العلاقة بين البلدين بتوقيع اتفاقية الصداقة والتعاون عام 2006. وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، اتفقت تركيا والجزائر على زيادة حجم التجارة بينهما إلى خمسة مليارات دولار، بدلاً من حجمها الحالي البالغ 3.1 مليار دولار. وتُعَدّ الجزائر حالياً ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا.

في إشارة إلى نمو العلاقة بين البلدين، نشرت وكالة الأنباء الفرنسية في 24 كانون الأول/ ديسمبر، تقريراً حول تنامي النفوذ التركي في دول المغرب العربي، ولا سيما الجزائر، أشار إلى أن هنالك أكثر من 1200 شركة تركية عاملة في الجزائر، كما أصبحت أنقرة ثالث أكبر مستورد للمنتجات الجزائرية.

ويشير التقرير إلى أن تركيا أرسلت إمدادات طبية إلى الجزائر لمساعدتها في مواجهة أزمة كورونا، كما ساعدتها في السنوات الأخيرة في ترميم مسجد كتشاوة، في الجزائر العاصمة، ويعود إلى العصر العثماني.

في المقابل، قررت تونس والمغرب فرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة من تركيا، في تغيير واضح لاتفاقيات التجارة الحرة التي تم توقيعها عامي 2004 و2006.

وقال المحلل السياسي التركي المقيم في أنقرة علي باكير للوكالة الفرنسية إن "تركيا تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة المغاربية، مضيفاً أن "العلاقات التركية الجزائرية تتطور بسرعة. وعندما يتعلق الأمر بتونس والمغرب، تحاول تركيا التركيز على المنافع الاقتصادية المتبادلة".

في أيلول/ سبتمبر الماضي، نشرت شبكة "تي آر تي" التركية تقريراً تحدث عن تطور كبير في العلاقات بين الجزائر وتركيا.

وقال البروفيسور إسماعيل نعمان تيلجي، الأستاذ في قسم العلاقات الدولية في جامعة سكاريا، للشبكة التركية إن تركيا وسّعت علاقاتها مع المغرب وتونس وليبيا، لكن "هنااك اهتماماً خاصاً بالجزائر".

عام 2013، رافق أردوغان 200 من رجال الأعمال في زيارة إلى الجزائر والمغرب وتونس، سعياً للارتقاء بالعلاقات مع دول المغرب العربي.

وفي خطوة تعكس حرص تركيا على التقرّب من الجزائر، طلب تبون، في آب/ أغسطس الماضي، إعادة ضابط مقيم في أنقرة مُتهم بالكشف عن معلومات سرية للغاية، فنُقل على الفور إلى بلاده، مع أنه نادراً ما تسلّم أنقرة مُعارضين من دول المنطقة.

تجد الجزائر نفسها في مواجهة مع الدول العربية الداعمة لخيار التطبيع، أو على الأقل تشعر بأنها صارت معزولة، لذا كان اتصال أردوغان بنظيره الجزائري بمثابة رسالة مفادها أن هنالك أيادي أخرى قد تكون حليفة للجزائر ومستعدة لبناء علاقة استراتيجية معها

وقال تيلجي إن القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية لتركيا على مدى العقدين الماضيين عدّلت الحسابات السياسية في الجزائر العاصمة، مشيراً إلى أن القيادة الجزائرية تعتبر أنقرة شريكاً استراتيجياً يمكن أن تستفيد من تجربته.

وأشار إلى أن الجزائر ترى أن تحالفاً قوياً مع تركيا من شأنه أن يساعد الحكومة على تعزيز إمكاناتها الاقتصادية.

وبحسب الشبكة التركية، يعمل الجانبان الآن على إنشاء مجلس تعاون رفيع المستوى، سيفضي إلى زيادة وتيرة الاجتماعات الوزارية الثنائية.

تحديات

هنالك تحديات تقف أمام عقد تحالف تركي جزائري، وتعيق انضمام الدولتين إلى معسكر واحد، بحسب توفيق قويدر شيشي، وهو محلل جزائري مختص في الشأن السياسي والأمني.

يقول قويدر المقيم في فرنسا لرصيف22 إن العلاقة بين الجزائر وتركيا ليست جيواستراتيجية حتى هذه اللحظة وليست عادية أيضاً وتبادل الزيارات بينهما ليس من باب المجاملة، بل هنالك حراك ونشاط، لكن لم يصل إلى حدّ تحالف أو تقارب واضح.

وذكر قويدر أن الجزائر لديها مصالح كبيرة وعلاقة استراتيجية مع روسيا المنافسة لتركيا، وعليه سوف ترجح كفة موسكو على أنقرة بسبب هذه المصالح التي تتضمن كافة المجالات، سواء الأمنية أو العسكرية أو الاقتصادية.

ولفت إلى أن الانضمام إلى معسكر تركيا يعني الوقوف في وجه روسيا التي تدعم الجنرال خليفة حفتر في شرق ليبيا، لذلك تتخذ الجزائر موقفاً ينادي بحل سياسي ورفض التدخل الأجنبي بكافة أشكاله.

وذكر قويدر أن الجزائر ترتبط أيضاً بعلاقة هامة مع فرنسا أحد أشد خصوم تركيا في الوقت الحالي، مؤكداً أن هنالك لوبياً فرنسياً في الجزائر يمنع تطور العلاقة مع أنقرة.

وقال قويدر إن "الجزائر تخشى أن تكتشف أنقرة غازاً أو نفطاً في ليبيا أو شرق المتوسط ما يؤدي إلى انهيار أسعار الوقود الذي يعد أحد أهم مصادر دخلها، لذلك لن تدعم أنقرة، وهذه أهم نقطة تضعها في اعتبارها".

في موضوع الصحراء الغربية، تدعم تركيا موقف المغرب، لكن قبل فترة تناقلت وسائل إعلام جزائرية تصريحات لشخص وصفته بأنه مسؤول كبير في المؤسسة الأمنية التركية قال فيها إن تركيا قد تراجع سياستها الخارجية بخصوص قضية الصحراء الغربية

مع ذلك، رجّح قويدر أن تدرس الجزائر فعلياً التحالف مع تركيا، إذا قررت الأخيرة دعم قضية الصحراء الغربية عسكرياً، مشيراً إلى أن أنقرة قدّمت إشارات إيجابية في ملف إعادة الضابط الهارب، وفي مسألة السماح باستجواب أعضاء من الإخوان في أنقرة.

من جانبه، قال تيلجي، في حديثه لـ"تي آر تي"، إن فرنسا التي اتّبعت نهجاً متشدداً تجاه تركيا بشأن ليبيا وشرق البحر المتوسط، من غير المرجح أن "تدعم تعميق العلاقة بين أنقرة والجزائر" وربما تعتبر أن "جزائر قوية تهديد لسياساتها الإقليمية".

بدوره، لفت الباحث الجزائري مالك بلقاسم إلى أن الجزائر بوجه عام بعيدة تماماً عن سياسة المعسكرات والتحالفات الظرفية، وقال: "نحن لسنا بحاجة للانضمام لأي طرف أو معسكر ولن ندخل تحت راية أي كانت بوجه عام".

ولكن أضاف بلقاسم لرصيف22: "يتوجب إعادة النظر في دبلوماسيتنا وتحيينها وفقاً للتطورات الراهنة" مشيراً إلى أنه "في ما يخص التقارب الجزائري التركي، لا يوجد داعٍ، لكن تركيا بلد يشهد تطوراً اقتصادياً، ويطمح إلى أن يعزز من التبادلات التجارية مع الدول العربية، ونحن بلد نسعى إلى الارتقاء بمناخ الاستثمار بالتعاون الندّي مع كل الدول، إذاً هذا التقارب طبيعي جداً".

وتابع الباحث الجزائري: "تحالف المغرب مع الكيان الصهيوني تهديد للمنطقة ككل وكفيل بتصدير الإرهاب والنزاعات في الشمال المتوسطي، ولا يجب أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام هذه التطورات الخطيرة فحرب المصالح قد انطلقت".

من جانبه، قال الباحث والمحلل السياسي المختص بقضايا دول شمال إفريقيا جلال حرشاوي لرصيف22: "خلال عام 2020، لم يكن هنالك تقارب بين الجزائر وتركيا. العلاقة جيدة لكن الجزائر تعاني من مشاكل داخلية، وسياستها الخارجية لا تتغير وليست نشطة، والجزائر لا تحبّ الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا".

المغرب وتركيا

في العام الماضي، نشرت قناة "تي آر تي" التركية مقطع فيديو لناشطة من جبهة البوليساريو تنادي باستقلال الصحراء الغربية، لكن سرعان ما حذفت المحطة الرسمية اللقاء بعد احتجاج مغربي.

وطار وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو إلى الرباط حيث أعلن أن موقف تركيا واضح من نزاع الصحراء، ويدعم وحدة الأراضي المغربية، مؤكداً أن بلاده لا تدعم أي جماعة انفصالية أو أي أجندة.

في هذا السياق، قال جلال حرشاوي: "أكبر مشاكل الجزائر الآن هي الصحراء الغربية. في هذا الموضوع، تركيا تدعم المغرب. لذلك، لا جدوى من التقارب مع أنقرة".

ومع ذلك، تناقلت وسائل إعلام جزائرية تصريحات لشخص وصفته بأنه مسؤول كبير في المؤسسة الأمنية التركية، وعضو بارز في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، قال فيها إن تركيا قد تراجع سياستها الخارجية بخصوص قضية الصحراء الغربية.

وذكر المسؤول أن العلاقة الجزائرية التركية شهدت قفزة نوعية خلال السنوات الأخيرة وهي مقبلة على التحوّل إلى علاقة استراتيجية.

وأرجع هذا المسؤول التركي التحول التركي المرتقب إلى محاولة تدخل دول الخليج في المنطقة والتضييق على نشاط الشركات التركية، ما يدفع أنقرة إلى مراجعة موقفها من الصحراء الغربية.

وكانت البحرين والإمارات قد أعلنتا عن فتح قنصليتين في مدينة العيون التي تقع في الصحراء الغربية التي تنادي جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر باستقلالها عن المغرب.

وفي تعليق على الاتصال الهاتفي الأخير بين أردوغان وتبون، قال الباحث في جامعة أوكسفورد صموئيل رماني في تغريدة: "تريد تركيا أن تجعل صوتها مسموعاً وأن تعارض جزئياً الاتجاه المؤيد للمغرب في نقاش الأمم المتحدة حول الصحراء الغربية".

ولعل أبرز ملامح التغيير في العلاقات بين المغرب وتركيا هو قرار الرباط في تشرين الأول/ أكتوبر مواجهة ما أسمته وسائل الإعلام المغربية بـ"الغزو التركي للسوق الوطنية" وذلك بمصادقة الحكومة على اتفاق تعديل اتفاقية التبادل الحر بين البلدين إذ فُرضت رسوم جمركية على المنتجات القادمة من "بلاد أردوغان" على حد وصف موقع هسبريس المغربي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard