أساطير مستوردة لعلاج

أساطير مستوردة لعلاج "موت محلّي"

رأي نحن والحقوق الأساسية

السبت 24 يناير 20267 دقائق للقراءة

لكي يكون الإنسان إنساناً لا بد له من طائر يساعده في ذلك؛ لا بد من طائر يحمل هذه المهمة الصعبة ويطير بها، وكأن الطيران هو المُعادل الرمزي للوجود، أو كأننا لولا رؤيتنا للأجنحة لما اقتنعنا أن أقدامنا ثابتة على الأرض.

لقد بدأت القصة قديماً جداً، أي حين كان الإنسان يتهجى الطريق ويتجوّل حائراً يبحث عن إله يفسّر له ما استعصى عليه من مرض وموت. وحين وجد إلهه واكتشف أن هذا الإله على صورته ونتاج عقله، وأنه غير قادر على تقديم الإجابة الحاسمة بلغة واضحة، خلق له مساعدين يترجمون الإرادة الإلهية للكائن الفاني المدعو إنساناً. ومن هؤلاء المساعدين كان الطير.

فعند المصريين القدماء، كان طائر "بنّو" حاضراً إلى جوار إله الشمس رع، ككائن مقدس ارتبط بمدينة هليوبوليس (مدينة الشمس). اسم هذا الطائر اشتُقّ من جذر هيروغليفي يدل على الظهور أو الإشراق، فكما كان يمثل لحظة الخلق الأولى حين ظهر فوق التل الأزلي مع بداية الكون، ظل يُستخدم كطائر يظهر مع كل فناء وكل تراجع، ويتم انتظاره عند كل عتمة وكل مرض.

الإسرائيلي يستطيع القول الآن إن غزة هُزمت، وأوغلت في الهزيمة إلى الدرجة التي تم فيها تعطيل قدرتها على الإنبات، وإن الفضاء المفتوح للنظام الدولي الجديد، وللشرق الأوسط الجديد، أصبح خالياً من هذا الإزعاج الذي يسببه السؤال الفلسطيني

اتخذ "بنّو" هيئة طائر البلشون، وصار رمزاً للتجدد الدوري، وشروق الشمس، واستمرار الحياة، كما ارتبط لاحقاً بفكرة البعث بعد الموت من خلال صلته بـ"أوزوريس". وصار الإنسان الفاني يجد عزائه في "بنّو"، فإن هُدمت مدينته فسوف تعود كما كانت، تماماً كما يعود "بنّو"، وإن ضرب الفيضان محصوله، فإن عودة "بنّو" تصلح مثالاً ومحفّزاً لعودة المحاصيل، كما وتصلح لبث الأمل عند هزيمة الجيش ومرض الأبناء وموته هو شخصياً.

في القرن الخامس قبل الميلاد، زار المؤرخ الإغريقي هيرودوت بلاد مصر، فأُعجب بالنيل وبالأهرام وبالمسلّات العملاقة. ولأنها أشياء ثقيلة لا يمكن سرقتها فقد اكتفى بالكتابة عنها. أما الطيور، وخصوصاً طيور الأساطير، فهي مصنوعة من ريش خفيف، ويستطيع أي مؤرخ أو شاعر أن يخفيها تحت ثيابه، أو حتى داخل دماغه، ويعود بها إلى بلده. سرق هيرودوت "بنّو" وعاد به إلى أثينا. وهناك أطلق عليه اسم فينيكس أو الفينيق، وأهداه إلى أبولو، إله الشمس.

غيّر الفينيق لونه إلى الأحمر القاني، وصار يعيش طويلاً جداً. وصار - حين يشيخ - يبني عشّاً من الأعشاب العطرية المشبعة بالزيت والكحول، لا ليضع فيه البيض، بل ليحترق في داخله. يحترق هذا لفينيق لأنه ملّ من جسده الكهل، ثم ينهض مجدّداً من رماده ورماد عُشّه. الفينيق الجديد، الذي ينهض من رماده، يبدأ حياة جديدة بجسد أقوى وآمال أكبر، لكن لا هو ولا أبولو قالا لنا إن كان يتعلّم من حياته السابقة، ليكون أكثر حكمة أيضاً.

صار الفينيق رمزاً للبعث بعد الموت، وللنهوض بعد الخراب، وللبدايات الجديدة التي لا تنتهي رغم النار التي لا تنتهي هي أيضاً. فإن كانت النار حاضرة فالرماد حاضر، ولا خوف إذاً، على الروح التي تبدأ من رماد.

نحن العرب أحببنا طائر الفينيق لكننا لم نسرقه. كتبنا عنه كما فعل هيرودوت مع الأهرام والنيل، لكن عُشّه المشبع بالكحول لم يعجبنا، وخفنا إن سرقناه دون عُشّه أن يموت ميتة لا نار فيها، ولا رماد لروح جديدة. ذكرناه مع كل كارثة، وأطلقنا عليه اسماً عربياً، لكننا خلقنا لأنفسنا طائراً آخر غير مرتبط بإله عاجز. العنقاء هي طائرنا الأسطوري الضخم، عظيم الرقبة والجناحين، الغامض الذي يوجد ولا يُرى، والمستحيل الذي يذلل المستحيلات الأخرى، ثم ينهض حين نفقد الأمل.

ما الذي تقوله اللوحة التي تعود إلى القرن السادس عشر؟ إنها تقول إن مأساة كل فرد الشخصية وبطولته الكبيرة أشياء تخصّه هو وحده، وإن العالم لديه ما يكفي من هموم وانشغالات تلهيه عنه، وإن اللامبالاة هي الغالبة حين تكون النهاية أكيدة وتامة

من طائر الخلق الأول "بنّو" في مصر، إلى طائر البعث من رماد الإغريق، إلى عنقاء البلاغة العربية، ظلت الأسطورة ذات الجناحين تخفف عن الإنسان كوارثه وتعيد له صياغة العالم وتحديد موقعه فيه، بما يتوافق مع آماله في لحظات العجز الكامل. لقد كانت هذه الأسطورة دينية في مصر، ثم أخلاقية في أثينا، وانتهت بلاغية في الشرق، وصدّقناها في حالاتها كلّها. صدّقناها لأن الأمل كان كبيراً، أكبر من الرماد، ولأن الرماد كان حارّاً.

نحن الفلسطينيين صدّقنا الفينيق لدرجة أننا انتزعناه من مكانه الأسطوري على رفوف التراث، وأخذناه معنا رفيقاً دائماً في رحلة قتالنا؛ إن سقطنا كان يشجعنا بتصفيق من جناحيه، إن هدم العدو بيوتنا كان يُذكّرنا بموهبتنا في البناء، إن انكسرنا كان يعيد تشكيلنا، وإن أصابنا اليأس من معاناتنا كان يُلبسها ثوباً أخلاقياً ليحوّلها إلى ملحمة مستمرّة، وإلى إشارات مُلهمة على الطريق، أو شموع في آخر النفق.

أما الآن، بعد عامين وأكثر من الطحن اليومي المتواصل لبيوت شعبنا في غزة، وشوارعه، وعظامه، ولحمه، وأحلامه، من عدو همجيّ يمتلك آلة قتل همجية، وبعد عامين وأكثر من ممثلين همجيين لا يؤمنون بالطيور، ويتمسّكون بإله لا يلزمه مساعدون... الآن بَرد رمادُنا.

وحين يبرد الرماد تكفّ الأسطورة النارية عن الإتيان بالأمل، وتُفسح الطريق لأساطير أخرى أكثر قدرة على وصف الحال وتبرير المآل.

ولعل أسطورة إيكاروس جاهزة الآن، أكثر من أي وقت مضى، لاستخدامها. إيكاروس الطائش المتهوّر، قليل الخبرة، والذي كان مسجوناً مع والده الحكيم دايدالوس، صاحب التجربة الطويلة والرؤية الصائبة. تقول الأسطورة إنه حين قرّر الفرار من السجن، صنع لنفسه جناحين من الريش وثبّتهما بالشمع، فقال له والده: لا تطر قريباً من البحر فيبتل الريش وتسقط، ولا تطر قريباً من الشمس فيذوب الشمع وتسقط.

لكن إيكاروس لا يستمع إلى النصيحة ولا تعنيه تجارب الآخرين، فطار لمجرد الطيران حتى اقترب من الشمس، فذاب شمع الجناحين، وسقط في البحر. لم يقتنع إيكاروس أن الشمع لا يُثبّت جناحاً، ولم يصدّق أن الحلم تلزمه الحكمة ليتحقّق، ولم يدُر في خلده يوماً أن السقوط يمكن أن يكون أسرع من الندم.

لكن الأكثر تعبيراً من هذه الأسطورة هو الطريقة التي جسّدها بها الفنان بيتر برويغل في اللوحة الشهيرة التي تحمل عنوان "سقوط إيكاروس"، حيث أن اللوحة تُظهر لنا امرأة تقوم بحراثة أرضها، بعض الخراف المنهمكة بالرعي والراعي ينظر إلى السماء، صياداً على حافة الماء يهتم بصنارته، وسفناً تغادر الشاطئ. وفي زاوية غير مهمة من اللوحة يظهر جزء بسيط من ساق شخص يغرق، دون أن ينتبه له أحد؛ لا المرأة ولا الراعي ولا الصياد، ولا حتى الخراف.

بعد عامين وأكثر من ممثلين همجيين لا يؤمنون بالطيور، ويتمسّكون بإله لا يلزمه مساعدون... الآن بَرد رمادُنا. وحين يبرد الرماد تكفّ الأسطورة النارية عن الإتيان بالأمل، وتُفسح الطريق لأساطير أخرى أكثر قدرة على وصف الحال وتبرير المآل

ما الذي أراد أن يقوله الفنان؟ أو ما الذي تقوله اللوحة التي تعود إلى القرن السادس عشر؟ إنها تقول إن مأساة كل فرد الشخصية وبطولته الكبيرة أشياء تخصّه هو وحده، وإن العالم لديه ما يكفي من هموم وانشغالات تلهيه عنه، وإن اللامبالاة هي الغالبة حين تكون النهاية أكيدة وتامة.

لكن الأسطورة ليست دائماً أداة الضحية، بل يستطيع القاتل أيضاً أن يستعيرها إن خدمت روايته، فلا عجب إن قام هذا القاتل باستخدام "أسطورة روما"، بحيث يمكنه إعلان انتصاره في حرب غزة الإبادية وهو يستعير عبارة: "ملّحنا الأرض" المنسوبة إلى نهاية قرطاج، وذلك ليُشبع جوعه الأزلي للإبادة الكاملة ومحو المكان.

فهو لم يعد يريد رؤية الفلسطيني خصماً سياسياً أو حتى إنسانياً، بل يرغب في تحويله إلى ذكرى لإزعاجٍ انتهى إلى غير رجعة، أو إلى بابٍ أُقفل إلى الأبد. وكما قال الرومان بعد هزيمتهم قرطاج: لقد ملّحنا أرضهم، فإن الإسرائيلي يستطيع القول الآن إن غزة هُزمت، وأوغلت في الهزيمة إلى الدرجة التي تم فيها تعطيل قدرتها على الإنبات، وإن الفضاء المفتوح للنظام الدولي الجديد، وللشرق الأوسط الجديد، أصبح خالياً من هذا الإزعاج الذي يسببه السؤال الفلسطيني. لكن المنتصر قلِق دوماً، وما إصراره على السيطرة المطلقة، إلا نتيجة اعترافه بأن شبح ضحيته سيسكن المكان، وأنه خائف من ظهوره مجدداً، وسوف يظل خائفاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image