هل تصنع

هل تصنع "لجنة التكنوقراط" المعجزات في غزّة؟

رأي نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 20 يناير 20266 دقائق للقراءة

يشكّل الإعلان عن أسماء لجنة تكنوقراط غزة/اللجنة الوطنية ومضة أمل بين عموم النازحين، الذين يتركّز جلّ اهتمامهم على قلب صفحة عامين عجاف من الحرب والموت. هذه اللجنة، بما لها وما عليها، هي نتيجة هزيمتنا وتدمير غزة في الطوفان الذي سبّبه وقاده المغامرون، هذا ما يعتقده كثيرون من أبناء غزة في توصيفهم للجنة التكنوقراط التي شُكّلت أخيراً من كفاءات فلسطينية مهنية من أبناء غزة، وفقاً لمبادرة الرئيس الأمريكي ترامب، رئيس مجلس السلام في غزة، الذي حدّد الاتفاق، وأصرّت إسرائيل على أن يكون كل أعضائها من غزة، ولا علاقة لهم بالسلطة أو حركتي فتح وحماس.

عود الثقاب الفلسطيني!

الكل الفلسطيني يقرّ ويعترف أننا لم نكن فاعلين في تشكيل هذه اللجنة، لكن ظروف الواقع الدولي وموازين القوى ونتائج الطوفان المدمّرة هي التي أجبرت الكل الفلسطيني على الموافقة والرضوخ لقرارات الإرادة الأمريكية، عسى أن تستطيع هذه اللجنة أن تبلسم جراح أهل غزة المكلومين.

الواقع على الأرض هو عود ثقاب ستستخدمه إسرائيل وحماس للتحريض ضد اللجنة، فمن اليوم الأول بدأنا نستمع إلى مثل هذه المقولات التي تتساءل بخبث أو ببراءة وبلاهة عن دور اللجنة في منع الموت الإسرائيلي

تشكيل لجنة التكنوقراط هو الخطوة الأولى نحو الولوج إلى المرحلة الثانية من الاتفاق الذي وقّع عليه وفقاً لمبادرة الرئيس ترامب، لكن هناك عاملين رئيسيين يحدّدان إمكانية تطبيق هذه المرحلة من عدمه.

العامل الأول، استمرار الاحتلال الإسرائيلي لـ54% من قطاع غزة، ورفض إسرائيل الانسحاب خلف الخط الأصفر بسبب أو بحجّة سلاح حماس وإدارة حكومة حماس، التي ما زالت لم تتنازل عنها.

ما قامت به إسرائيل بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة من قصف بالطائرات واستهدافات أدّت إلى سقوط ضحايا، بينهم أطفال ونساء، رسالة موجّهة لحماس، أن إسرائيل جادّة في ملاحقة قادة حماس وكوادرهم وعناصرهم، وصولًا إلى إنهاء وجودها الأمني والإداري في غزة، ولن يمنعها من ذلك ضغوط أو اتفاقيات.

كما أن هذه الرسالة موجّهة إلى اللجنة الوطنية بأنها ستضطر إلى أن تعمل في ظل الاحتلال الإسرائيلي وتحت القصف والاستهدافات والموت، دون أي تدخل منها، لأن هذا خارج اختصاصاتها.

هذا الواقع على الأرض هو عود ثقاب ستستخدمه إسرائيل وحماس للتحريض ضد هذه اللجنة، غير القادرة على حماية شعبها. بالمناسبة، من اليوم الأول بدأنا نستمع إلى مثل هذه المقولات التي تتساءل بخبث أو ببراءة وبلاهة عن دور اللجنة في منع الموت الإسرائيلي. وهنا نتساءل: هل تستطيع اللجنة مواصلة عملها في ظل الموت اليومي والتحريض المتواصل عليها؟!

العامل الثاني، وجود حماس العسكري والمدني، التي بدأ عناصرها يرفعون الشعار القديم: خرجنا من الحكومة ولم نخرج من الحكم، ويضيفون أن الإدارات في غزة ما زالت قوية وتعمل وتقوم بواجباتها، وعلى كل مسؤول من لجنة التكنوقراط واجب التعامل مع ما هو موجود من إدارات وموظفين. هذا إضافة إلى التهديدات التي يوجّهها بعض العناصر المتطرّفة، والتي ترفض عودة أي شكل من أشكال السلطة الفلسطينية.

هل ستسمح لها حماس بالعمل؟

السؤال الجوهري: هل تستطيع هذه اللجنة أن تمارس عملها في ظل وجود حماس وقوتها العسكرية والأمنية والإدارية وتشبّثها بالكرسي والحكم؟ الأيام هي من ستجيب على هذا السؤال التحدّي؟!

هناك تخوّف من أن يُحوَّل غضب النازحين، بطريقة مخطّطة عمّن كان سبباً في تدمير غزة، لإلقائه على كاهل اللجنة، التي يريد منها البعض أن تكون فقط صرّافاً آلياً فقط.

العوامل السابقة هي العوامل الرئيسية التي تحدّد إمكانية الولوج عملياً إلى المرحلة الثانية: استمرار الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، ورفض حماس التنازل عن الحكم وتسليم السلطة والسلاح. هذا إضافة إلى تحدٍّ آخر يتمثّل في حجم الاحتياجات الهائلة والمستعجلة التي يحتاجها مجتمع النازحين، دون اعتبارات للواقع والممكن وإمكانات اللجنة وقدرتها على تلبية طلبات الجميع.

الطوفان الذي دمّر غزة، وراكم حاجات النازحين من غذاء ومياه وخيام وكرافانات، إضافة إلى الوضع الصحي والتعليمي المنهار، وآلاف الأرامل والأيتام، وعشرات آلاف المعوّقين والعاطلين عن العمل، ومتطلبات رواتب موظفي غزة والاستحقاقات المالية للمتقاعدين منهم. آلاف الحاجات والطلبات التي ستُقدَّم إلى هذه اللجنة تحتاج إلى بنك دولي متحرّك لتلبية جزء منها. فهل تملك هذه اللجنة الأموال اللازمة لتغطية كل هذه الحاجات؟ وهل تمّ تقديم وعود والتزامات دولية وإقليمية تتعهّد بدفع مثل هذه الأموال لتلبية الحاجات المطلوبة؟

في تصريح للدكتور علي شعث، رئيس لجنة التكنوقراط، هذا اليوم الجمعة 16 كانون الثاني/ يناير 2026، في لقاء له مع قناة القاهرة الإخبارية، صرّح أن الدول المانحة قدّمت ميزانية لمدة عامين لعمل لجنة التكنوقراط، من دون أن يوضّح حجم وقيمة هذه الميزانية، كما صرّح أن هناك آلاف الكرافانات ستدخل غزة، تكفي لمليون نازح، يتم وضعها في مواقع تتوافر فيها المؤسسات الصحية والتعليمية.

احتمالات نجاحها!

إن حجم التحدّيات التي تنتظر لجنة التكنوقراط يجعل كثيرًا من المراقبين، رغم الأمل الذي بنوه على قيام هذه اللجنة، يتخوّفون من أن تتحوّل هذه اللجنة إلى شماعة تُتَّهم بالتقصير من اليوم الأول، ويُحوَّل جام غضب النازحين، بطريقة مخطّطة، عمّن كان سببًا في تدمير غزة، لإلقائه على كاهل هذه اللجنة، التي يريد منها البعض أن تكون فقط صرّافاً آلياً، وفي الوقت نفسه حائط صدّ أمام غضب ونزق النازحين وآمالهم في ضرورة وسرعة تلبية متطلباتهم وحاجاتهم. من يقنع هذا الشعب المدمَّر والغضبان والمستعجل أن هذه اللجنة لا تملك عصا سحرية، وأن تلبية متطلباتهم بحاجة إلى سنوات وسنوات؟!

في تصريح رئيس اللجنة التكنوقراط، صرّح أن هناك آلاف الكرافانات ستدخل غزة، تكفي لمليون نازح، يتم وضعها في مواقع تتوافر فيها المؤسسات الصحية والتعليمية، وأن الدول المانحة قدّمت ميزانية لمدة عامين لعملها، من دون أن يوضّح حجم وقيمة هذه الميزانية

هذه العوامل والتحدّيات التي ستواجه اللجنة سيستخدمها الجميع لإثبات أن اللجنة فاشلة من اليوم الأول، رغم ما نسمع من عبارات الترحيب بهذه اللجنة. إسرائيل لا تريد النجاح لهذه اللجنة حتى تواصل مخططاتها في احتلال غزة والقضاء على حماس وإفشال الدخول إلى المرحلة الثانية، وحماس لا تريد هذه اللجنة لأنها تنافسها في حكم غزة، التي تعمل منذ 2007 على تأبيد حزبها في حكم القطاع.

في الحقيقة، كان من المفيد والأولى أن يبدأ عمل هذه اللجنة والأرض ممهدة لها، خالية من احتلال إسرائيل، وفي الوقت نفسه تكون حماس قد تركت غزة أمنياً وإدارياً، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

من هنا، على اللجنة أن تكون واضحة وجريئة في فضح كل من يحرّض عليها، أو يضع المعوقات في وجهها باستخدام أي حجج كانت، بما فيها حاجات النازحين، لإثبات فشل هذه اللجنة.

على اللجنة أن تتمتّع بصدقية وشفافية عالية في توضيح صعوبة الأوضاع لجماهير النازحين، وأن تخفّض من سقف توقّعاتهم، وتضع أمامهم الحقائق بشكل يومي.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image