كان السؤال الأول في نشأة الفصائل أشبه بصدى يخرج من عمق الجرح، ولا يخرج من صالونات الفكر السياسي ولا من جداول التحليل الإستراتيجي؛ سؤال خرج من أفواه الذين استيقظوا على فقدان الأرض قبل أن يفهموا معنى الدولة، والذين ورثوا المنفى قبل أن يتعلّموا معنى الوطن، والذين وجدوا أنفسهم مطالبين بأن يجيبوا عن تاريخ لم يسألوه.
في تلك اللحظات الوليدة لم يكن الفصيل اسماً ولا شعاراً ولا علماً يرفرف على المنصّات، كان الفصيل وسيلة بدائية لإعادة ترتيب العالم، كان اليد التي تبحث عن حجرٍ في ليل الاحتلال، وكان الصرخة التي تُطلق قبل أن تتعلّم أن تكون كلمة.
لعنة الهوية الفصائلية
لم يكن في الفصيل آنذاك ما يستحق التأليه، كان مجرد أداة، مثل المجرفة في يد الفلاح، أو الجعبة على كتف الجندي، أداةً مؤقتة صنعتها لحظة صلبة كي تفتح طريقاً ضيّقاً في صخر التاريخ.
وهنا تكمن الحقيقة التي نسيها اللاحقون: الفصيل لم يُخلق ليكون هوية، خُلق ليحمل الهوية. وشتّان بين من يحمل الهوية ومن يدّعي أنه هو الهوية ذاتها؛ فالأداة حين تتضخم إلى غاية تصبح أعبث من العجز نفسه، تتحوّل من جسرٍ إلى جدار، ومن مركب إلى ميناء، ومن وسيلة لتحرير الأرض إلى قفصٍ يحبس المعنى.
مع مرور الزمن، تحوّل الفصيل من وسيلة لفعل تاريخي إلى مؤسسة تستهلك التاريخ نفسه؛ اكتسب مقارّ، ورواتب، وموازنات، وعلاقات خارجية، وأجهزة أمن، ثم اكتشف أن الحفاظ على ذاته يحتاج إلى معارك لا تشبه المعارك التي وُلد من أجلها
فالفصائل التي كانت طريقاً إلى ما ينبغي أن يأتي، لم تكن تملك الحق التاريخي في البقاء إلا ما دام الطريق نفسه مفتوحاً، وما دامت الأداة صالحةً للعمل. وكل أداة لا تُحدَّث تصدأ، وكل سلاح ينسى عدوه يتحوّل إلى زخرفة فوق الجدار، وكل حركة تقفز من الوظيفة إلى القداسة تصبح سجناً للأمة التي أنشأتها، مثل أمّ تمنع ابنها من النمو بحجّة أنها أنجبته.
والفهم العميق لهذه الحقيقة ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً وجودياً لفهم مصير الفصائل الفلسطينية كلّها. فما دامت الحركة تعتبر نفسها مشروعاً متكاملاً، فإنها ستعامل كل مرحلة بوصفها آخر المراحل، وكل تكتيك بوصفه قدراً لا بديل منه، وكل انتصارٍ مرحليٍّ بوصفه إعلاناً لقيامة الأمة. بينما الفصيل الذي يفهم أنه مجرد أداة، ينحني أمام التحولات، يغيّر جلده من دون أن يغيّر دمه، ويفهم أن الطور الطبيعي للثورة ليس أن تبقى ثورة، بل أن تلد مجتمعاً قادراً على أن يحكم نفسه من دون أن يستهلك روحه في الحروب.
من زمن البندقية إلى ماذا؟
لقد وُلدت الفصائل الأولى في زمنٍ كانت الأداة الأنسب هي البندقية، ليس لأنها أشرف الأدوات، إنما لأنها كانت اللغة الوحيدة الممكنة. وحين يقول التاريخ إن البندقية كانت ضرورية، فإنه لا يقول إنها ستظل كذلك، بل يقول إن اللغة التي تُنقذ الشعوب في لحظة قد تتحوّل إلى لغةٍ عاجزة في لحظة أخرى. فالشعوب التي تظل تتحدّث اللغة ذاتها بعد موت السياق، تبدو كما لو أنها تصرخ في صحراء، يردّد صراخها صدى لا يحرّك حجراً ولا يفتح باباً.
وهكذا بدأت المشكلة حين تحوّلت الأدوات إلى هويات. بدأت حين صار الفصيل بطاقة تعريف، يحملها العضو كي يتميّز عن الآخرين، وليس من أجل أن يخدم هدفاً أكبر من ذاته.
ما يُنهي الفصيل ليس الهزيمة العسكرية بالضرورة، بل غياب السؤال الذي كان يبرّر وجوده.
وحين صار الانتماء هو الغاية، ضاع المشروع الذي كان ينبغي أن يكون المظلة الجامعة، وتحول النضال إلى مذاهب، كلٌّ منها يحرس روايته كأنها وحي، ويطرد من حوله الآخرين كأنهم مرتدّون. وبهذا انتقلت المعركة من مواجهة الاحتلال إلى مواجهة المختلف، ومن تحرير الأرض إلى تحرير الخطاب من منافسيه، ومن جمع الشعب إلى جمع المؤيدين، ومن معركة المصير إلى معركة الهوية التنظيمية.
ومع مرور الزمن، تحوّل الفصيل من وسيلةٍ لفعلٍ تاريخي إلى مؤسسةٍ تستهلك التاريخ نفسه؛ اكتسب مقارّ، ورواتب، وموازنات، وعلاقات خارجية، وأجهزة أمن، ثم اكتشف أن الحفاظ على ذاته يحتاج إلى معارك لا تشبه المعارك التي وُلد من أجلها، يحتاج إلى خصومٍ جدد يصنعهم في الداخل كي يبرّر الحاجة إلى استمراره، ويحتاج إلى مواجهةٍ دائمة مع كل فكرةٍ لا تمر عبر بواباته. وهكذا أخذت الفصائل تتحوّل من أدواتٍ إلى أبراج مراقبة، ومن حركةٍ إلى ذاكرة، ومن مشروعٍ إلى سردية تحرس نفسها.
بديل للوطن؟
إنّ الفصيل أداة، لكنه أداة ذات شهوة، وحين لا يُضبط بالوعي يتحوّل إلى ذاتٍ مستقلة تُغريها السلطة وتفتنها الشرعية الشعبية وتدفعها إلى توسيع نفسها وليس توسيع مستقبل شعبها. ولهذا حين ينجح الفصيل في إقامة سلطة، تستيقظ داخله رغبةٌ قديمة في البقاء، فيرتّب البيت كي يضمن استمراره هو كبديل لاستمرار الوطن. وهنا تتبدّل المعايير: لا تُقاس النجاحات بمدى التقدم نحو التحرر، بقدر ما تُقاس بمدى الحضور الإعلامي، وليس بمدى بناء المجتمع، إنما بمدى صمود التنظيم، وليس بمدى صناعة المستقبل، إنما بمدى صناعة الإجماع حول القائد.
وحين يبدأ التنظيم بتفضيل نفسه على قضيته، ينتهي دوره حتى لو لم ينتهِ حضوره. يموت وظيفياً قبل أن يموت جسدياً. ينقلب إلى كيان بلا روح، ماضٍ يسير على قدمين، يحرس ذكريات لا تحمل معنى إن لم تُترجم إلى بُنى جديدة. ولهذا أصبحت كثير من الفصائل اليوم سجلات تاريخية تحفظها الجدران أكثر مما تحفظها الشعوب. وحين يُسأل الناس عن دورها، يجيبون بكلماتٍ مغطاة بغبار الماضي: "كانت"، "ذات يوم"، "لها تاريخ"، "قدّمت"، لكن التاريخ لا يمنح الخلود إلا لمن يحوّل الدم إلى علم، والتضحيات إلى مستقبل، والذاكرة إلى مشروع.
إن ما يُنهي الفصيل ليس الهزيمة العسكرية بالضرورة، ينهيه غياب السؤال الذي كان يبرّر وجوده. فالذين قاتلوا في ستينيات القرن الماضي كانوا يقاتلون جيشاً يعسكر في البيوت، بينما الفلسطيني اليوم يقاتل جملةً من الأدوات الناعمة: اقتصاداً مختلاً، جغرافيا ممزقة، حوكمة خارجية، هندسة سلوكية، منظومات أمنية متداخلة، سرديات إعلامية عالمية تعيد تشكيل الوعي.
الفصائل التي كانت طريقاً إلى ما ينبغي أن يأتي، لم تكن تملك الحق التاريخي في البقاء إلا ما دام الطريق نفسه مفتوحاً، وما دامت الأداة صالحةً للعمل. وكل أداة لا تُحدَّث تصدأ، وكل سلاح ينسى عدوه يتحوّل إلى زخرفة فوق الجدار، وكل حركة تقفز من الوظيفة إلى القداسة تصبح سجناً للأمة التي أنشأتها
وحين يفشل الفصيل في توسيع أدواته لتواكب تحوّل العدوّ، يصبح أشبه بمحارب يحمل رمحاً في معركة تُدار بالأقمار الاصطناعية. قد يبدو شجاعاً، لكنه لا يكون مؤثراً، وقد يبدو وفياً للماضي، لكنه خائنٌ للمستقبل من حيث لا يدري.
هل انتفت الحاجة التاريخية للفصائل؟
والمسألة هنا ليست مسألة أخلاق أو ولاء، بل مسألة فهم: فهم أن الفصيل أداة في مسيرة الشعب، وليس الشعب أداة في مسيرة الفصيل. وأنّ التنظيم ليس غاية في ذاته، بقدر ما هو حاضنة لفكرة، وأنّ قداسة الدم لا تنقل القداسة إلى الهيكل التنظيمي. الدم الذي يسقط في سبيل الوطن يبارك الأرض لكنه لا يبارك اللافتة التي عُلّقت فوق المقر.
وفي التحليل العميق، يمكن القول إن الفصائل الفلسطينية مرّت بأربعة أطوار كبرى في علاقتها بوظيفتها:
أولاً: طور الأداة الصافية؛ حين كان الفصيل ردّ فعلٍ مباشراً على الاحتلال.
ثانياً: طور الهوية؛ حين أصبح الفصيل انتماءً معنوياً وروحياً.
ثالثاً: طور المؤسسة؛ حين صار سلطةً وإدارةً وموازنةً.
رابعاً: طور التكلّس؛ حين صار الفصيل يحمي ذاته أكثر مما يحمي قضيته.
كيف يمكن للفصيل أن يتحول إلى أداة من جديد؟ كيف يمكنه أن ينزل من مقام الهوية إلى مقام المتغيّر؟ كيف يعود إلى موقعه الطبيعي: جسراً وليس وطناً، طريقاً وليس نهاية، دثاراً وليس جسداً؟
والانتقال إلى الطور الرابع ليس قدراً، الانتقال صار نتيجة غياب الوعي بأن الفصيل أداة. ولو أدركت الفصائل ذلك لتخلّت عن جزءٍ من ذاتها كي تمنح الشعب مستقبلاً أوسع من بنيتها، لكنها، في الأغلب، لم تفعل، لأنها اعتبرت نفسها الوطن، وليست طريقاً للوصول إليه.
هنا يصبح الواجب إعادة صياغة تعريف الفصيل ليكون:
الفصيل حركة وظيفية تُنشئ معنى مرحلياً، وتموت بشرف حين تنتهي وظيفتها، أو تتحول إلى أداة جديدة حين يتغيّر شكل الصراع.
والفصيل الذي يفهم ذاته بهذا التعريف لا يخشى الخروج من المشهد، بل يخشى أن يبقى في المشهد دون معنى. لا يخشى أن يتحوّل الناس عنه، بل يخشى أن يتحوّل هو عنهم. لا يخشى فقدان المنصّة، بل يخشى فقدان الصلة بالواقع. إنه فصيلٌ يرحل حين يجب، ويولد من جديد حين يستدعيه السؤال. وحين تصبح الأجيال القادمة قادرة على كتابة فصلٍ جديد من دون استدعاء اسمه، فإنه يبتسم في الظلّ، مطمئنًا أن وظيفته قد اكتملت.
والسؤال الجوهري الآن: كيف يمكن للفصيل أن يتحول إلى أداة من جديد؟ كيف يمكنه أن ينزل من مقام الهوية إلى مقام المتغيّر؟ كيف يعود إلى موقعه الطبيعي: جسراً وليس وطناً، طريقاً وليس نهاية، دثاراً وليس جسداً؟
إن الإجابة تبدأ بالاعتراف: الاعتراف بأن التاريخ تحرّك، وأن الأجيال تبدّلت، وأن الخرائط المعاصرة لا تشبه خرائط المخيمات الأولى. تبدأ بالانتقال من مركزية التنظيم إلى مركزية المجتمع، ومن قداسة القيادة إلى قداسة الفكرة، ومن دينامية السلاح إلى دينامية البنية، ومن هوس المزايدات إلى نظام الثقة المتبادلة. تبدأ حين يعود الفصيل إلى سؤال وظيفته الأولى: لمن نعمل؟ ولماذا؟ وكيف سيقود فعلنا إلى التحرر دون أن يلتهمنا في الطريق؟
وقد يبدو الاعتراف قاسياً، لكنه الطريق الوحيد للعبور. فالفصائل ليست مؤسسات خالدة، بل محطات في طريق وطن طويل. وإن أصرّت أن تكون النهاية، ستتحوّل إلى آخر الطريق.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



