الصهيوإمبريالية العالمية تلدغ الأعضاء الذكرية للمغفلين

الصهيوإمبريالية العالمية تلدغ الأعضاء الذكرية للمغفلين

رأي نحن والحرية

الخميس 15 يناير 20268 دقائق للقراءة

خرجت ابنتي من غرفتها خائفة وركضت نحوي وهي تصرخ: "بابا بابا في صرصور في غرفتي". كنت كعادتي "ملقّح" على الكنبة في صالون البيت أشاهد نشرة الأخبار، وأدوّن بعض الملاحظات على خطاب أحد القادة السياسيين، لأستخدمها في مقالي القادم.

وفي الحقيقة، أنا لا أسجّل هذه الملاحظات لأنها مهمة، ولا لأن رأيي فيها مهم، ولكن لأن المطلوب للمقال لكي يكون مقالاً هو أن يقترب من ألف كلمة. ولأنني أحب الاختصار في كل شيء فمن الصعب عليّ قول رأيي باستخدام ألف كلمة، خصوصاً حين أكون قادراً على قوله في جملة واحدة. لهذا السبب فإنني أبذل جهداً في سماع القادة السياسيين أكثر من الجهد الذي أبذله في الرد عليهم، لكن لا بد من هذا الجهد لكي أستخدم حديثهم في إطالة مقالي، ما دام حديثي لا يكفي وحده للقيام بهذه المهمة.

قد نتفهَّم محاولات تفادي الفضيحة، لكن هل فعلاً يمكن لأحد أن يكون هدفه الوقوع فيها؟ يحصل ذلك حين يحاول الهروب من الواقع واستحقاقاته نحو فضيحة مؤجَّلة لن يحاسبه عليها أحد… عن قدرة الفلسطينيين على ابتداع تسميات هدفها الهروب من فضيحة ما يكتب عامر بدران

المهم، قطعت ابنتي عليّ تسجيل الملاحظات بصراخها أن صرصوراً في غرفتها، فنهضت وتوجّهت إلى الغرفة وكلي ثقة أن الموضوع يتعلّق بحشرة صغيرة، أو ببعوضة، أو حتى بنقطة سوداء على الحائط، لكن ابنتي أصرّت أن صرصوراً في الغرفة وليس شيئاً آخر.

"شايف!"، قالت وهي تشير إلى نوع من أنواع الخنفساء، التي تمتلك ذيلاً مزدوجاً على شكل "كمّاشة" تشبه ذراعيّ السلطعون الأماميتين. فتسرّعتُ وأجبت: هذا ليس صرصوراً، بل...، ولم أعرف كيف أكمل الجملة، وفي لحظة عاد بي الزمن أربعين عاماً إلى الوراء، أي إلى ثمانينيات القرن الماضي.

في تلك الأيام، كان اسم هذه الخنفساء، في قريتنا، "قرّاسة الزبارة"، وأظن أن الاسم لا يزال دارجاً عند أبناء جيلي ومن هم أكبر مني سناً. من أين أتى هذا الاسم؟ لا أعرف، أما دلالته فهي واضحة فاضحة، رغم الغرابة التي يمكن أن تتولّد لدى المرء حين تخطر له فكرة أن هذه الحشرة متخصّصة بلدغ الذكور دون الإناث.

عشت في قريتي عشرين عاماً، وما زلت أذهب لزيارتها كل شهر أو شهرين، ولم يحدث طوال حياتي، أن صادفت شخصاً تعرّض للدغ من هذه الحشرة، لا في عضوه الذكري ولا في أي عضو آخر. ومع ذلك فإن الاسم لا يكتفي بصيغة المرّة الواحدة على شكل "قارسة" بل يستخدم صيغة المبالغة "قرّاسة"، كما ويستخدم العضو الذكري بصيغة الجمع لا المفرد، ما يوحي بأن كل ذكور قريتنا قد لدغوا في أعضائهم من هذه الحشرة الملعونة.

لماذا، إذاً، يخفون ذلك ولا يعترفون به؟ ربما هو الخجل أو الخوف من الفضيحة، مع أن الفضيحة تفقد قيمتها ومعناها حين تصير عامة وتطال الجميع دون استثناء. لكنني أعتقد أنني أظلمهم بهذا التعميم، وأن لا لدغ في الأمر ولا من يحزنون. وباعتقادي أن الذي أطلق هذه التسمية هو المُلام أولاً وأخيراً، وأن ذلك حصل على النحو التالي، أو على الأقل هكذا أتخيل:

في ليلة صيفية مقمرة ودافئة، قرّر يوسف أن ينام على البلكونة لينعم بالهواء الطلق، الذي يسميه الشعراء "النسيم العليل". نام يوسف لكن النسيم لم يأت، وظل جسده متعرّقاً من حرارة الجو ورطوبته، ما جعله يتخلّص، من دون أن يشعر، من الغطاء الخفيف الذي كان يلف به نفسه اتقاءً من البعوض. في هذه اللحظة تسلّلت الحشرة تحت البيجامة، فلم يشعر بها إلا حين وصلت المنطقة "الحساسة"، كما يسمونها، فأحسّ بتنميل ومدّ يده ليحكّه. هنا بالضبط تضايقت الحشرة ولدغته.

أفاق يوسف على وخز حاد في عضوه الذكري، فصرخ من الألم ثم خلع بيجامته ليرى ما الذي حدث، فوجد حشرة لا يعرف لها اسماً. لكنه وجد أيضاً أن كل أفراد العائلة الذين أفاقوا على صرخته، قد أحاطوا به وهم يتساءلون مثله، مما جعله يستنتج أنه بصدد فضيحة وعليها شهود. ولأن وقع هذه الفضيحة، وأي فضيحة عموماً، يمكن تقليله إن تم تعميمها، فقد أمسك يوسف بالحشرة ورفعها ثم قال وهو يعصر نفسه: أها، إنها قرّاسة الزبارة.

هي، إذاً، ليست خاصة به وحده، وإنما ما جرى معه تلك الليلة هو جزء من تقليد يعرفه الذكور عموماً، حتى لو لم يسمع أهل بيته بهذا التقليد ولا باسم هذه الحشرة من قبل. فليذهب ابنه الآن ويقول لأصدقائه: أبي لدغته قرّاسة الزبارة… لا يهم. فالمستمع لهذه الجملة سيبدأ بالتفكير بالقرّاسة، وليس بعضو يوسف، وذلك لأن الجهل بالأشياء يشغل الدماغ أكثر من الرغبة بالنميمة، أو على الأقل لأن النكتة، لكي تصبح نكتة قابلة للترويج، لا بد من تعريف عناصرها كاملة، فلا ضحك يمكن أن يحدث على جملة نصفها غامض.

يوسف هو المُلام على هذه التسمية، وابنتي تنتظر مني أن أكمل الإجابة وأقول لها ما اسم هذا الشيء إن لم يكن صرصوراً، وأنا مستغرق في رسم صورة متخيَّلة لهذه التسمية أو تلك، ولقدرتنا - نحن الفلسطينيين - على ابتداع تسميات هدفها الهروب من فضيحة ما، أو الوقوع فيها.

قد نتفهَّم محاولات تفادي الفضيحة، لكن هل فعلاً يمكن لأحد أن يكون هدفه الوقوع فيها؟ بالتأكيد. ويحصل ذلك حين يحاول الهروب من الواقع واستحقاقاته نحو فضيحة مؤجَّلة لن يحاسبه عليها أحد، كأن يُطلق على فَصيلِهِ وصف "الشعبي" مثلاً، وهو يعرف أنه لا يمثل نسبة ميكروسكوبية من الشعب.

فالوصف أو التسمية هنا هي وعد أخلاقي وليست التزاماً سياسياً، وهي تخلق في ذهنية المستمع توقّعاً دون أن تشير إلى أدوات تحقيق هذا التوقّع.
التحرير، والديمقراطية، والجبهة كلها مصطلحات وتسميات لا تصف الواقع، بل تهرب منه بشراء الوقت إلى حين لحظة المحاسبة التي لا تأتي/ لحظة الفضيحة المؤجَّلة. وهنا لا تتم المراهنة إلا على تغيّر الزمن وجهل الجمهور.

صحيح أن هذه المسميات تمت صياغتها في لحظة نضالية مشبَّعة بالرومانسية والتوقّعات الكبيرة، وصحيح أن النوايا كانت صادقة، لكن الصحيح أيضاً هو أن مطلق التسمية كان يعرف أن كلمة جبهة تعني تحالفاً بين فصائل أو تشكيلات، لا فصيلاً واحداً معرّضاً للانشقاقات المتتالية، وهو يعرف أن كلمة شعبية تعني تمثيلها للجمهور، لا التحالف مع من يخطف هذا التمثيل، ويعرف أن التحرير مهمة كبيرة يُعاد تقييمها عند كل مفصل فيه مكاسب أو خسارات، وليست مجرد كلمة تستخدم كدرع أخلاقية تمنع النقد وتشرعن تخوين المعترضين، ويعرف أن الديمقراطية سلوك داخلي يجب أن يمارس يومياً، وليست مجرد دعاية أو إعلان قائم على الفذلكة اللغوية لجذب المستهلك.

فجأة حدث ما يشبه "التوبة الأيديولوجية"، الشيوعيون هؤلاء ارتادوا المساجد وظلوا شيوعيين، صاموا رمضان وظلوا شيوعيين، هتفوا للإسلام السياسي وظلوا شيوعيين…

ربما يشكل الحزب الشيوعي حالة خاصة بين فوضى الرموز والتسميات هذه، فهو أعلن نفسه منذ البداية باسم حزب لا حركة ولا جبهة، رغم أن مصطلح حزب يصلح في حالة تحقق الدولة والعمل داخل أطرها كمعارضة، لكن هذا تفصيل غير مهم في الحالة الفلسطينية وفي الزمن الذي نشأ فيه الحزب. لا أحد ينكر أيضاً أن الشيوعيين الأوائل كانوا أوفياء لمعتقدهم ولطرق تحقيقه.

لكن فجأة حدث ما يشبه "التوبة الأيديولوجية" غير المبررة، أو هي مبررة بمرافعات غير مقنعة للحظتها التاريخية، بقدر ما تقود إلى وعدين متناقضين مقدمين للذات لا للجمهور؛ واحد يقول: نحن نعد أنفسنا أن نصبح قوة جماهيرية، نحن حزب الشعب، وعلى الشعب أن ينتبه لهذه النقطة، والثاني يقول: نحن شيوعيون، وعلينا أن نحافظ على تاريخنا وهويتنا.
لكن الشيوعيين هؤلاء ارتادوا المساجد وظلوا شيوعيين، صاموا رمضان وظلوا شيوعيين، هتفوا للإسلام السياسي وظلوا شيوعيين.
في المحصّلة، هم خلقوا نسختهم الخاصة من ماركس؛ النسخة التي تريد تحقيق العدالة الاجتماعية بأدوات يتداخل فيها الغيبي مع الفيزياء الكمية، ويتجاور فيها ابن تيمية مع إنجلز.

لكن، كما قلنا، الفضيحة حين تكون عامة يخف تأثيرها، فلا أحد ينشغل بخطأ دارج، خصوصاً حين يكون هو جزءاً من هذا الخطأ، أو حين تكون حياته كلها مقذوفة في سياقه، فما بالك حين يكون هذا الخطأ قد تم تصميمه من أجلك أنت. هل لك عين ساعتها لتستطيع الاعتراض؟ أنا أعرف وأنت تعرف وأهل بيتك يعرفون أن لك عضواً ذكرياً قابلاً للدغ، وأن اللغة القائمة على صيغة المبالغة ليست وظيفتها حمايتك، بل تأجيل فضيحتك لا أكثر.

انتهى القائد السياسي من حديثه الشيّق على شاشة التلفاز الشيّقة، ولم أسجّل بقية ملاحظاتي على حديثه، وحين كرّرت ابنتي سؤالها عن اسم هذه الحشرة أجبت: "هذا ليس صرصوراً، بل الصهيوإمبريالية العالمية، وهي دخيل مؤقت على المنزل، فلا تقلقي".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard
Popup Image