شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
عن خلاف أختي مع زوجة أخي، عن صدّام حسين وعن البسكويت الأمريكي

عن خلاف أختي مع زوجة أخي، عن صدّام حسين وعن البسكويت الأمريكي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الاثنين 8 يوليو 202410:39 ص

للجميع و ليس لأحد معيّن، أقول أنا من الجيل الذي عاش فترة الحصار، وقد فُرض على العراق بعد غزو الكويت، ولم يعشها بالوقت نفسه. أعني إني خبرتُ الجوع وأصبت بفقر الدم وكان من المحتمل أن أموت لو لم يكن لدى الرب رأي آخر.

ولكني لم أكن واعياً ولا أمتلك أية ذكريات سوى تلك التي حدثني عنها أهلي، فخُيّل لي أني عشتها.

في سن التاسعة، أو العاشرة، أو أكثر بقليل، بدأ يتشكّل عندي وعي طفولي، بدأت أفهم أن هناك قضايا أكبر من البيت والنهر الصغير والغرفة، وأن هناك صراعات أشد دموية وحساسية من نزاع أختي وزوجة أخي، وأن ثمة جدران سميكة تُشعر البشر بالإحباط والهوان أكثر من جدران مدرستي، وأن ثمة أعداء شرسين يمكن للمرء أن يتصوّر العالم دونهم آمناً أبشع من أقراني الذين يتنمّرون على شامة عيني وأنفي وأذني.

بدأت الأخبار عن الحرب تأخذ حيزاً في حياتنا أكثر مما سُمح لأشياء أخرى. في وجبتي العشاء والغداء، كان ثمة حديث بجدية متواضعة عن الحرب بين أبي وإخوتي. كانت الآراء متفاوتة بين وعد أمريكا الصارم وبين قوة النظام، وبما أن تلفزيون النظام يعرض لنا الجنود والأسلحة والأهازيج، ويظهر لنا صدام مبتسماً على الدوام، فإننا كنا نرجّح أن العراق سيكون مقبرة الأمريكان الجديدة.

بشكل أو بآخر، حضرت فيتنام ملوّحة بخسارة الأمريكان الحرب، ومهددة بخراب العراق، وعلى أية حال، لا يريد أي جيل أن يكون قدوة للأجيال الأخرى إذا تطلب الأمر التضحية بحياته.

عند غزو العراق، بشكل أو بآخر، حضرت فيتنام ملوّحة بخسارة الأمريكان الحرب، ومهدّدة بخراب العراق، وعلى أية حال، لا يريد أي جيل أن يكون قدوة للأجيال الأخرى إذا تطلب الأمر التضحية بحياته

قصيدة "فليسقط التمثال" المفقودة

مع اقتراب الحرب، فضلتْ بعض العوائل مغادرة المدن نحو الريف، أما في الريف فقد اكتفينا بحفر مواضع في البستان. خلال يوم واحد تمكن أبي من حفر مواضع وفرشناها بالسجاد المحلي، كنا ننام فيها نهاراً، أما في الليل فكنا نعود إلى غرفنا، وهي إشارة إلى أن الموت سيبدو أقل وحشية حين ننام.

اشتعلت الحرب بشكل مباشر، ولم نكن نصدق أن شبح صدام حسين سيتلاشى خلال أيام، وأن الحياة ستبدو أقل سوداوية، وأن البعثيين سيخرجون ملثمين هذه المرّة ويثيرون الشفقة حتى من قبل ذوي ضحاياهم.

في هذه الفترة بالضبط، كنتُ قد بدأتُ محاولاتي الشعرية، لكن لسذاجتها لم أكن أستطيع الاحتفاظ بها أكثر من أيام سبع فحسب، وجاءت لحظة سقوط تمثال الطاغية وطرحه أرضاً وهو مقطوع الرأس، لتكون اللحظة المشجعة لأن أكتب قصيدة فصيحة، أتذكر أنها كانت لامية، ولا بد أن أحد أبياتها سينتهي بعبارة: "فليسقط التمثالُ...".

ظلت القصيدة في الجرار لأيام، عدّلت فيها مراراً إلى أن بدت لي تستحق أن تشتهر في التلفزيون، فخبأتها منتظراً اللحظة التي تسمح لي بإذاعتها، كنت آنذاك لا أتجاوز الثانية عشر، لكن الأمد بدا طويلاً والقصيدة أهملت، ثم أودعتها النار ضمن عدد كبير من قصائدي بعد دخولي مرحلة جديدة من الكتابة، يسعدني اليوم أن أستعيد كتابتها، لكن هل ذلك عمل ناجح؟ أعني أن يستعيد الشاعر قصيدة بطريقة أخرى بعد مرور عقدين على نضوج لحظتها؟ إني أفكر جدياً بكتابتها، فهاتوا لي بشعب يُسقط تمثالاً من أجل المصداقية العصرية.

أتذكر أن الأمريكان زارونا في المدرسة، وأهدونا حقائب مدرسية وأقلاماً وعلب بسكويت، في البيت قالت أمي عن بسكويتهم إن طعمه لا يطاق، فلم نحبه جميعنا

بسكويت الأمريكان بشع و حقائبهم جيدة

أيام طفولتي لم أعش الحياة التي ينبغي  للأطفال عيشها، لم أعرف الشيبس ولا الحلويات الفاخرة، ولم يأخذني أبي للمتنزّهات ولم أذق الموز، وإن كنت أراه في التلفزيون موهماً نفسي بأنه سيكون ذات يوم فاكهة عادية. تلك ليست مبالغة، لقد كان رهاناً قاسياً أن تولد في العام 1990، حيث يبدأ الحصار بعد الحرب وتبدأ الحرب بعد الحصار، حيث تضع قدمك في أرض دون طاغية لكنها أرض بمستعمرين، و أياً كان مدى لطف الأمريكان في البداية إلا أنهم كانوا مخيفين لأننا لا نفهم لغتهم. أتذكر أنهم زارونا في المدرسة وأهدونا حقائب مدرسية وأقلاماً وعلب بسكويت، في البيت قالت أمي عن بسكويتهم إن طعمه لا يطاق، فلم نحبه جميعنا.

لقد كان بسكويت الأمريكان أبشع بسكويت ذقته بحياتي، مع أنه قد يكون من أجود أنواع البسكويت في العالم، أما الحقائب فبدت جيدة ومفيدة، وعبر ذلك الموقف الفطري يمكن لأحدنا أن يستفيد من الأمريكان وأن يشمئزّ منهم في الوقت نفسه.

فيما بعد علمتُ أنهم قدّموا للعالم أشياء ممتعة غير الجنود والبنادق والقوة العنيفة، عرفتُ ويتمان وأحببته. ويتمان كان الشاعر الذي جعلني أستعيد القدرة على حب هذه الأمة، ويتمان لا جورج بوش هو ما ينبغي الحديث عنه مطولاً لتكون الشعوب على وئام، وبالمقابل فإن ناظم الغزالي لا صدام هو ما ينبغي الابتهاج بصوته وبدلته وشاربه، وإن كان شارب ناظم الغزالي رفيعاً فهذا أكثر اعتدالاً، لأن العالم تم تخريبه بفعل شارب سميك مثل شارب صدام، أو نصف شارب مثل الذي على فم هتلر.

أعطانا الأمريكان الحقائب وعلب البسكويت ومجلس الحكم. الآن حين نخلط الهبات الأمريكية مع بعضها لن نستطيع أن تنتج قطعة بسكويت، أو حقيبة، أو يوماً ديمقراطياً واحداً دون قطرة دم

أختي و زوجة أخي لم تعودا مختلفتين

مع مضي الزمن قدماً تضخّمت الكوارث الأمريكية، بدا لمعظمنا أن البسكويت كان بشعاً للغاية و إن علينا التخلص من طعمه، وكانت هناك ثلاث فئات: الأولى هم الذين رفضوا تناوله، والثانية هم الذين وجدوا طعمه مثالياً، أما القسم الأخير فهم نحن الذين تناولناه ولم نجده طيباً، إلا أننا لم نكن نرى أن من واجبنا الأخلاقي أن نبرأ من ألسنتنا أو أننا مسؤولون عن تنظيف ألسنة الجميع من طعمه.

اشتعلت الحرب الأهلية، السيارات المفخّخة ونقاط التفتيش الوهمية من كل صوب، الجميع بدأ يهدّد الجميع، والجميع متساوون باعتبارهم خونة عملاء، وأن البلد بسببهم يتجه نحو الهاوية.

كان اسم الشخص كافياً لأن ينهي حياته أو اسم قبيلته، وحين لم يكن اسمه أو اسم قبيلته واضح الدلالة على مدى قناعته بالبسكويت، فقد كان يتعرض للأسئلة الفقهية ضمن مذهب معين، وحدث أن أوقفت سيطرة شيعية شخصاً سنياً، فسألوه عن الفقه الجعفري وعن الأئمة، وما كان منه سوى أن يخبرهم بأنه لا يعرف شيئاً عن التاريخ، لكنه يحب الأئمة أكثر من الله ليخلوا سبيله. هناك قصة أخرى تروي نفس اللقاء لكن الطوائف والأجوبة معكوسة. فثمة قصص أخرى مأساوية وطريفة تتوزّع بين المذهبين بشكل عادل وعجيب.

في البيت كانت أختي ما تزال مختلفة مع زوجة أخي، والغريب أنهما اتفقتا على طعم البسكويت الأمريكي لأول وهلة.

قالت زوجة أخي: "طعمه طيب". وافقتها أختي: "لاسيما مع الشاي". أضافت الأخرى: "أو مع الحليب"، وبدأتا تختلفان مرة أخرى. كان الصيف العراقي متوحشاً والخلاف على الدم لم يكن أكثر أهمية من الخلاف على البسكويت.

لقد عبرت تلك الفترة بخسارات أشق من أن ينساها أهلها، ولعلّ كل عشرة عراقيين فقد تسعة منهم أخاً أو رفيقاً أو ابناً أو أباً أو أحداً من الأقرباء. تلك ليست إحصائية دقيقة، لكن هل توجد إحصائيات دقيقة تماماً؟

أعطانا الأمريكان الحقائب وعلب البسكويت ومجلس الحكم. الآن حين نخلط الهبات الأمريكية مع بعضها لن نستطيع أن تنتج قطعة بسكويت أو حقيبة أو يوماً ديمقراطياً واحداً دون قطرة دم.

أختي تزوجت وزوجة أخي لم تعد تجد من تختلف معه، أما البسكويت الأمريكي فلم يعد أمريكياً، فقد صرنا مشمئزين من أي بسكويت يغلّف لنا بعلب.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard