شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
أخاف الكتابة عن المستقبل

أخاف الكتابة عن المستقبل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!


هذا المقال جزء من ملفّ "على رصيف المستقبل"، بمناسبة عيد ميلاد رصيف22 العاشر.

قبل أعوام قليلة، لم أكن أخاف من التفكير في المستقبل. لكن، منذ أن أصبحت الأمومة جزءاً أساسياً من هويّتي الجديدة، أصبح المستقبل وحشاً، أو فيلاً في غرفتي لا أراه. وصرت أخاف من الكتابة عن المستقبل.

أصلاً لم أكتب عن المستقبل من قبل، مع أنه كان حاضراً كحلمٍ جميل، كأمنية أو حتى كمجهول عادي... كان حاضراً في أحلام فتاة من عكّا تريد أن تُفتَح أبواب مدينتها من جديد، ويعود ميناؤها "طبيعياً" تمرّ من خلاله المسافرات من بيروت إلى الإسكندرية؛ الحلم مربوط بالمستقبل، لكنه آتٍ من الماضي.

كان المستقبل أيضاً حاضراً في أمنية الفتاة نفسها، وهي على مشارف الثلاثين. كان أن يبقى والدها حياً، وأن ينتصر على "هداك المرض"، وأن يكون واحداً من مرضى سرطان البنكرياس الذين حظوا بالعيش أكثر من خمس سنوات بعد التشخيص. توسلت إلى المستقبل آنذاك أن يرحمني، أو يرحم أبي، أو يرحمنا من يقين الموت، اليقين المبني على الدراسات والأرقام ولا ينبئ بمستقبل زاهر أبداً.

كان التفكير في المستقبل حاضراً عندما قررت أن أكون كاتبةً وصحافيةً، وأن أسافر لألتقي بالناس وأكتب قصصهم؛ الناس في بلادي أو أولئك الذين خارج الحدود التي فرضتها إسرائيل على قلبي، وعلى سريري أيضاً

كان التفكير في المستقبل أيضاً حاضراً، عندما أحببت مصرياً، وأنا ما زلت أعيش بين عكّا وحيفا. كان يبدو على شكل حبّ ينجح فيه كل شيء، كما في الأفلام، حتى أنه ينتصر على إسرائيل ليصبح السفر أسهل، وبلا فيزا، وبلا شرطي مصري ينتظرني عند باب الفندق كي يسألني عن تحركاتي، لأن "معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية" تنص على واجبه في حمايتي، أنا الفلسطينية حاملة جواز السفر الإسرائيلي. لا يهم، كان المستقبل هناك أهبل.

كان تفكيري في المستقبل عملياً، عندما قررت أن أحمل حقيبةً واحدةً وأترك فلسطين. للدقة عندما قررت أن أهاجر في اتجاه برلين. كان تفكيري آنذاك مربوطاً بمشاهد من عالم موازٍ بُنيَ من كوارث، لكنه أعجبني. كان المستقبل في برلين متخيَّلاً من بكاء متواصل على الأطلال، من المحيط إلى الخليج؛ من المحيط غير العربي، لأن الأمازيغ والصحراويين/ ات هناك، إلى الخليج غير العربي أيضاً؛ إذ لا يمكننا مواصلة تجاهل ألم الفُرس.

كان التفكير في المستقبل حاضراً عندما قررت أن أكون كاتبةً وصحافيةً، وأن أسافر لألتقي بالناس وأكتب قصصهم؛ الناس في بلادي أو أولئك الذين خارج الحدود التي فرضتها إسرائيل على قلبي، وعلى سريري أيضاً.

كان المستقبل في برلين متخيَّلاً من بكاء متواصل على الأطلال، من المحيط إلى الخليج؛ من المحيط غير العربي، لأن الأمازيغ والصحراويين/ ات هناك، إلى الخليج غير العربي أيضاً؛ إذ لا يمكننا مواصلة تجاهل ألم الفُرس

كان المستقبل أيضاً هناك، في غرفة صغيرة في مركز جماهيري في عكّا القديمة، أو الحقيقيّة. كنا نجلس على شكل دائرة، خمس أو ست عكّاويات مع مرشدتنا، تحكي لنا ماذا تعني النسوية بـ"اللهجة العكّاوية". لا أتذكر شيئاً من حديثها، لكني أتذكر أني أردت أن أكون مثلها؛ امرأةً قويةً وجميلةً و"بنت بلد".

كان المستقبل أيضاً حاضراً عندما تعرّفت إلى من سيصبح زوجي في ما بعد. أو للدقة، كان حاضراً عندما تزامنت بداية قصة حبّنا مع بداية جائحة كورونا. صار المستقبل على شكل مدينة جديدة وحمل وولادة، تاركاً كل ما أعرفه عن حياةٍ خلفي.

كان المستقبل حاضراً في فحوصات الأولتراساوند، وفي صلواتي كي تتمكن أمي من أن تسافر من فلسطين إلى هولندا لأجل حضور الولادة في بداية ربيع 2021.

وبما أن عكّا ما زالت مُحتلةً، ووالدي لم ينجُ، ولم أنتصر على إسرائيل بالحبّ، ولم أبقَ في برلين، ولم أعرف كل الناس الذين سأحبّ أن أحكي قصصهم، فشغل التحرير يحرق أي رغبة في الكتابة، ولم أحكِ عن النسوية باللهجة العكّاوية لأني تركت "البلد" (أو لأني قريبة أكثر إلى لهجة أمي الفلاحة)، وبما أن أمستردام أصبحت مدينتي قبل أن أتعلم الهولندية، وبما أن أمي لم تصل قبل موعد الولادة لأن السفر كان محظوراً، أو ربما عاقبني الله على حبّ المجدلية أكثر من العذراء... قررت أن أتوقف عن التفكير في المستقبل.

سيأتي المستقبل في كل الأحوال، حُلماً أو أمنيةً أو نسمةً... أو أعاصير. ربما يكون وحشاً مرعباً كما تراه قلوب الأمهات. سأصلّي، وسأتشفّع بالمجدلية علناً هذه المرة، ليأتي عطوفاً ومطمئِناً

لكني اضطررت إلى أن أفكر فيه بالتزامن مع التحضير لهذا الملفّ، وفي مواضيع من المفترض أن تشغلني كأمٍّ في رصيف22 وأمٍّ خارجه، مواضيع تتعلق بالمستقبل. وفي أثناء التفكير العميق (والله!)، تواصلت معي المعلمة من الحضانة، لتُخبرني بأن إحدى ابنتيّ وقعت على خدّها الأيمن وهي تلعب في الحديقة، وقد وضعت المعلمة عليه القليل من الكريم، وهي الآن بخير وعادت لتلعب. ما أن أغلقت المعلمة السمّاعة بدأت بالبكاء. ربما بكيت أكثر من ابنتي، وعاودت الاتصال بالمعلمة طالبةً منها أن تُرسل إليّ صورةً كي أتأكد أن كل شيء على ما يُرام. وفعلَتْ.

بعدما وصلتني الصورة، ارتحت وتخلّيت عن التفكير في موضوع أكتبه عن المستقبل. فكلّ ما أردته من المستقبل في ذلك اليوم، هو أن تأتي الساعة الخامسة عصراً، وأذهب لإحضار ابنتيّ من الحضانة.

الآن، ومع أن المستقبل حاضر، إلا أني لا أريد التفكير فيه أكثر. لكن الحياة، لا تمشي هكذا، فالفيل الذي في الغرفة، أي المستقبل، يحدّق في عينيّ، ويمعن في تحديقه كلما أدرت وجهي عنه.

سيأتي المستقبل في كل الأحوال، حُلماً أو أمنيةً أو نسمةً... أو أعاصير. ربما يكون وحشاً مرعباً كما تراه قلوب الأمهات.

سأصلّي، وسأتشفّع بالمجدلية علناً هذه المرة، ليأتي عطوفاً ومطمئِناً، كصوت المعلمة عبر الهاتف، وإن بلغة أجهلها، صوت يخبركِ في أثناء إبلاغك عن ألم شعرت به ابنتكِ، بأن الأمور ستكون على ما يُرام.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard