شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"نجني منها محاصيل وفيرة"... الزراعة العمودية تحيي المساحات المهدورة في لبنان

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الأحد 19 مارس 202301:46 م
Read in English:

Vertical farming: A sustainable solution for Lebanon's unstable food market

في كل مرّة يعيش لبنان أزمة على مستوى ارتفاع أسعار المزروعات، كان آخرها ارتفاع سعر البصل الذي وصل إلى أرقام خيالية، تعود الأصوات والدعوات التي تتحدث عن ضرورة العودة للزراعة وتأمين الاكتفاء الذاتي إلى الواجهة من جديد. لكن كيف يزرع سكان المدن والقرى في ظل تراجع المساحات الزراعية؟

بحسب وزارة الزراعة، فإن نسبة الأراضي الزراعية في لبنان تبلغ قرابة 65% من مساحته الإجمالية، إلا أن 22% من هذه المساحة تم استغلالها وزراعتها. وتكمن المشكلة في الحيازات الزراعية، إذ يمتلك 1% من أصحاب الأراضي ما نسبته ربع المساحة الزراعية، فباتوا في السنوات الأخيرة يلجأون إلى هجرة أراضيهم أو بيعها للمستثمرين بسبب صعوبات العمل فيها، ما أدى لتقلص المساحات المزروعة.

في مواجهة هذه المعضلة، وجد أحد المهندسين اللبنانيين، وهو زياد أبي شاكر، أن الحل يكمن في الزراعات العمودية، وهي تقنية تسمح بزراعة أكبر كمية ممكنة من المزروعات بمساحة صغيرة، ما يسمح باستغلال أمثل للمساحات، ويعطي الفرصة للأفراد لأن يزرعوا ويسعوا نحو الاكتفاء الذاتي وكذلك الربح والفائدة الاقتصادية.

كيف يزرع سكان المدن والقرى في لبنان في ظل تراجع المساحات الزراعية؟

الزراعة العمودية مقابل التقليدية

منذ العام 2017، طوّر أبي شاكر اختراعه الذي حوّل فيه أكياس النايلون إلى ألواح بلاستيكية، ثم ابتكر من هذه الألواح مستوعبات توضع على أسطح المباني أو ضمن الأراضي الزراعية الضيّقة، وداخل هذه المستوعبات تزرع الخضر بطريقة منظمّة، وتنتج محاصيل وفيرة.

يشرح أبي شاكر لرصيف22 عن تقنية تحويل أكياس النايلون إلى ألواح بلاستيكية كبيرة تشبه الألواح الخشبية، والتي حاز لها براءة اختراع، وهي مقاومة للمياه وتتحمّل العوامل الطبيعة كافّة، ومن الممكن توظيفها في أمور متعددة، ويضيف: "بما أن الأمن الغذائي من اهتماماتي، وأنا أعمل على تحويل النفايات إلى سماد للاستفادة منه في الزراعات، بدأت أفكر بالزراعة في المدن والمساحات الضيقة، وهنا جاءت فكرة الاستفادة من هذه الألواح في الزراعة، فابتكرنا مستوعبات بلاستيكية وضعناها على أسطح المباني في عدة مناطق، وبدأنا نجني محاصيل بكميات كبيرة".

توضع المستوعبات البلاستيكية في الأماكن التي يرغب الشخص بتخصيصها للزراعة، ويضيف أبي شاكر متخدثاً عن آلية الزراعة: "تُملأ هذه المستوعبات بالسماد العضوي الذي نجمعه من تحلل النفايات العضوية في مراكز المعالجة، بعدها نزرع الشتول ضمن الفتحات الموجودة في المستوعب، ونروي بنظام التقطير أو التنقيط (الري بالنقطة) الشتول، وخلال 45 يوماً ننتج في كل مستوعب 180 خسّة أو أي نوع آخر من الخضر أو الفواكه".

الزراعة العمودية سهلة ولا تتطلب مجهوداً بدنيّاً كبيراً. أزرع في مساحة صغيرة بالقرب من منزلي، بعد أن وضعت عدة مستوعبات فيها، وهذا المشروع الصغير ليس للاكتفاء الذاتي بل للتجارة، فأنا صنعت منه فرصة عمل تمدني بمردود اقتصادي جيد، يمكن أن يسندني خلال الأزمة الاقتصادية

بمقارنة بسيطة ندرك أهمية الزراعة العمودية وكيف تتيح لنا الاستفادة القصوى من المساحات الضيقة أو أسطح المباني، ففي الزراعات التقليدية يمكننا أن نزرع 20 شتلة خس على سبيل المثال في المتر المربع الواحد، بينما في الزراعة العمودية نستطيع أن نزرع 187 شتلة في المستوعب الواحد الذي لا يأخذ أكثر من متر مربع. مع العلم بأن سعر المستوعب الواحد 300 دولار أمريكي.

كما أن هذه الزراعة تستهلك مياهاً أقل، كون المستوعب يحافظ على المياه لأطول فترة ممكنة إذ إنه يمنع تبخّر المياه، بعكس الزراعة في التربة التي تشرب المياه وتبخرها بسرعة كبيرة. إلى جانب ذلك، لا تستعمل المبيدات الكيميائية في الزراعة العمودية، فالمزارعون يستعملون مبيدات طبيعية تقليدية كالمياه والصابون والفلفل لإبعاد الحشرات عن المزروعات، والهدف من هذه الزراعة أن تكون طبيعية وصحيّة 100%.

زراعة العلف الأخضر للحيوانات

يزرع أبي شاكر وكل من دخل في تجربة الزراعات العمودية أو زراعة الأسطح، العديد من الأنواع كالخس والفراولة والصعتر والقرنبيط والبروكلي والحبق والملفوف، ويلفت المهندس إلى أن هناك توجّهاً لزراعة مختلف أصناف العلف الأخضر للحيوانات، إذ يعاني لبنان من ارتفاع حاد في أسعار اللحوم ومشتقات الحليب، كون اللحوم وأعلاف الحيوانات مستوردة من الخارج بالدولار الأميريكي، ما أدى إلى عجز الكثير من المزارعين عن الاستمرار في إنتاجهم، الأمر الذي دفعهم إلى بيع دواجنهم وحيواناتهم.

ويرى أبي شاكر أن حجّة انعدام المراعي للحيوانات يمكن تجاوزها بزراعة الأعلاف بطريقة عمودية، ويضيف: "عندما نزرع الأعلاف للحيوانات نكون قد دخلنا في مرحلة إنتاج اللحوم في لبنان عوضاً عن استيرادها بأسعار خيالية، وبالتالي ينخفض سعر اللحوم محليّاً، لأننا نكون قد وفّرنا على المواطن كلفة الاستيراد".

حتى الآن نفّذ أبي شاكر عدّة مشاريع زراعية، ويعمل على مشاريع جديدة في الكورة وبرج البراجنة وعجلتون والبترون، وجميعها مشاريع تجارية لإنتاج الخضر على أسطح المباني، وتحقيق عائدات مادية وفيرة للمزارعين، كذلك يزرع بعض المزارعين للاستهلاك اليومي كالمشروع الذي ينفذه أحد المواطنين في الحازمية.

بهذه الطريقة نعالج أكثر من مشكلة بيئية وصحية ونساهم في تحقيق الأمن الغذائي.

زراعة سهلة ومتاحة

أقدمت جيسيكا حكيّم، ابنة البترون شمال لبنان، على خطوة الزراعة العمودية قبل أربع سنوات، حين استحصلت على المستوعبات من المهندس أبي شاكر مع السماد العضوي، ووضعتها في مساحة صغيرة في أرضها، وبدأت تنتج محاصيل وفيرة من أنواع متعددة.

تؤكّد جيسيكا لرصيف22 أن هدفها باعتماد الزراعة العمودية هو إيصال فكرة مفادها أن الزراعة أصبحت متطورة وأكثر سهولة، ولتشجّع الشباب على العودة إلى فكرة استثمار الأراضي في القرى بطرق حديثة، حتى لو لم تتوفر المساحة.

وتقول: "الزراعة العمودية سهلة وجميلة، ولا تتطلب مجهوداً بدنيّاً كبيراً. أزرع في مساحة صغيرة بالقرب من منزلي، بعد أن وضعت عدة مستوعبات فيها وليس على سطح المنزل، وهذا المشروع الصغير ليس للاكتفاء الذاتي بل للتجارة، فأنا صنعت منه فرصة عمل لي يمدني بمردود اقتصادي جيد، يمكن أن يسندني خلال الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان".

وتلفت إلى ردة الفعل الجميلة من قبل أهالي بلدتها تجاه مشروعها، كيف لا والمستوعبات مصنوعة من مواد معاد تدويرها، وبلدتها كانت قد تحوّلت إلى الفرز من المصدر وإعادة تدوير النفايات، وبالتالي المشروع يصب في مصلحة البيئة والطبيعة والإنسان في آن واحد.

المشكلة الوحيدة بحسب جيسيكا هي أن هذه الطريقة لا تسمح بزراعة كل الأنواع من المزروعات والخضر، فهي محصورة بعدة أنواع فقط، لكن تأمل تطوير التقنية كي تنتج أصنافاً أكثر في المستقبل.

وتختم: "لا حاجة لأن تكون مزارعاً أباً عن جد، ولكن أنت بحاجة لأن تكون مهتماً بفكرة الزراعة العمودية، فأنا طالبة إدارة أعمال تحوّلت لمزارعة، ولم أواجه أي مشكلة في ذلك".

بيئة وصحة وأمن غذائي

بهذه الطريقة نعالج، اليوم، أكثر من مشكلة بيئية، أولاً بإعادة تدوير النفايات والمحافظة على البيئة بتحويل أكياس النايلون لألواح بلاستيكية، وثانياً بزيادة المحصول الزراعي، وثالثاً بإنتاج السماد الزراعي من النفايات العضوية، والأهم استثمار أسطح المباني في المدن بالزراعة والإنتاج.

في الزراعات التقليدية يمكننا أن نزرع 20 شتلة خس على سبيل المثال في المتر المربع الواحد، بينما في الزراعة العمودية نستطيع أن نزرع 187 شتلة في المستوعب الواحد الذي لا يأخذ أكثر من متر مربع

وينوّه أبي شاكر بأن أي إنسان يمكن أن يحصل على هذه المستوعبات إذا كانت لديه الرغبة بأن يصبح مزارعاً، وكل مستوعب يعطي 180 شتلة، فهو مشروع تجاري بامتياز، مؤكّداً أن فريقه يؤمّن هذه المستوعبات مع السماد العضوي ويقدّم للمزارعين المشورة والخبرات، ويرشدهم إلى المكان الأوفر لشراء الشتول، كل هذا بأسعار تشجيعية. فالهدف من المشروع هو البيئة والصحة والأمن الغذائي.

بحساب بسيط، إذا أردنا أن نزرع الخس في مساحة أربعة أمتار مربعة، يمكننا أن نضع أربعة مستوعبات زراعية، وبما أن كل مستوعب يتسع لمئة وثمانين خسّة، فالمستوعبات الأربعة تعطي 720 خسة، وسعر الخسة الوسطي اليوم 50.000 ليرة لبنانية، أي 36 مليون ليرة لبنانية كل شهر ونصف الشهر، وهذه الدورة تعاد كل 45 يوماً، وهو مبلغ جيّد في ظل الأزمة الخانقة التي يعيشها المواطن اللبناني، ويمكن استعادة التكاليف خلال الدورة الأولى، وفي الدورة الثانية وما يليها يكون الربح صافياً.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard