شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"أشجار الزينة تهدر المياه"... مصريون يزرعون الزيتون والرمّان في الشوارع

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الأحد 16 أكتوبر 202212:47 م

قبل قرابة عام، راود حاتم سعيد، وهو مهندس أربعيني يعيش في قرية الغار في محافظة الشرقية شمال مصر، حلم تحويل قريته بأكملها إلى حديقة تمتلئ بأشجار الزيتون والرمان، بدلاً من أشجار الزينة المنتشرة في الطرقات وأمام المقرات الحكومية، وترافق ذلك مع رغبته في القضاء على أزمة القمامة التي تنتشر في مداخل القرية وخارجها وشوارعها الرئيسية.

"وجدت الحل بزرع الأشجار في مناطق تجميع القمامة، لأن الناس لن يرموا الأوساخ وسطها، ومع قناعتي بأن أشجار الزينة من دون فائدة، قررت تغيير هذه الثقافة وزراعة الأشجار المثمرة كبديل منها"، يقول لرصيف22.

بدايةً، لم يكن سعيد الذي يعمل محاسباً في شركة كهرباء الشرقية، يعلم كيف يمكن له تنفيذ فكرته، فلجأ إلى القيادات المحلية في القرية والمحافظة لمساندته، وتمكّن مع بعض شباب القرية من زراعة 2،600 شجرة زيتون عند مداخل القرية ومخارجها، وخلال الأيام القادمة ستضاف إليها 1،000 شجرة رمان في الشوارع الرئيسية، وهناك خطة لوضع شجرة أمام كل منزل وداخل المدارس.

مع قناعتي بأن أشجار الزينة من دون فائدة، قررت تغيير هذه الثقافة وزراعة الأشجار المثمرة كبديل منها.

الاكتفاء الذاتي من بعض الثمار

حاتم، الذي درس الزراعة أيضاً، يملك جنينةً خاصةً في منزله، فيها أشجار مثمرة وفواكه، وتعلّم كيفية الاعتناء بها، ويشرح أكثر عن مشروعه قائلاً: "عندما جاءتني الفكرة، كانت هناك ثلاثة أهداف أسعى إلى تحقيقها، وهي القضاء على القمامة، والاستثمار في الثمار التي تنتجها الأشجار وبيعها، وتطبيق المبادرة الحكومية حول زراعة الأشجار المثمرة، والتي تسعى إلى تعظيم الاستفادة من المياه المستخدمة في ريّ الزرع، وتقليل الانبعاثات الضارّة وتحسين جودة المناخ".

ويضيف: "خططت مع بداية زراعة الأشجار للاستفادة من ثمارها، وقررت تشكيل لجنة من الشباب الذين ساندوني في زراعتها، لجمع ثمارها عندما تبدأ بالطرح، وبيعها والاستفادة من أموال تسويقها في تطوير الخدمات الموجودة في القرية. أما الأشجار التي تُزرع أمام المنازل، فسيحصل صاحب المنزل على منتجاتها مقابل اعتنائه بها، وبذلك نحقق الاكتفاء الذاتي من ثمار الزيتون والرمان".

وخلال الأشهر الفائتة، أطلقت الحكومة المصرية مبادرات لزراعة 100 مليون شجرة مثمرة، وبدأت المحافظات بتنفيذ المبادرة بالتعاون بين وزارات البيئة والزراعة والتنمية المحلية، كما انطلقت مبادرات فردية قادها شباب في مناطق سكنهم لزراعة الأشجار المثمرة.

وأكدت وزيرة البيئة ياسمين فؤاد، في تصريحات صحافية قبل أشهر، أن المبادرة ستساهم في امتصاص الملوثات والأدخنة، وتحسين نوعية الهواء وخفض غازات الاحتباس الحراري، بما يساعد في تحسين الصحة العامة للمواطنين، بالإضافة إلى البعد الاقتصادي الذي يتمثل في زراعة أنواع من الأشجار لها عائد اقتصادي، سواء كانت مثمرةً مثل الزيتون، أو خشبيةً، أو أصنافاً أخرى مطلوبةً في صناعات عديدة.

"الزينة" تهدر المياه

يرى شريف بهاء الدين، وهو استشاري بيئي ورئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، أن أشجار الزينة المنتشرة في مصر وخاصةً الفيكس والكونوكاربس، ليست لها أي فائدة بيئية، فهي تهدر المياه، ولا تحافظ على التنوع البيولوجي، ويوضح في حديثه إلى رصيف22، أن شجرة الفيكس المنتشرة في مصر تحتاج إلى مياه ري عشرة أضعاف أكثر من شجر الزيتون الذي يتحمل الجفاف لفترات طويلة، ونحصل منه في النهاية على ثمار يمكن استخدامها.

ويضيف: "كمية مياه الري التي تحتاج إليها الأشجار المثمرة تختلف حسب نوع الشجرة وعمرها ونوع التربة وطبيعة المناخ وما إذا كان حاراً أو بارداً، لكن في النهاية هناك ناتج من استهلاكها للمياه. أما أشجار الزينة، فبالرغم من أن وظيفتها فقط هي توفير الظل، فهي تفقد هذه المميزات في مصر بسبب تقليمها بصفة دورية وخاصةً أشجار الفيكس، فلا تصد الرياح ولا توفر الظل، وهي شرهة للمياه، أما شجرة الكونوكاربس فبالرغم من ضخامتها ونموها السريع إلا أن جودة أخشابها منخفضة إذ ليست لها أي قيمة اقتصادية".

أشجار الزينة المنتشرة في مصر وخاصةً الفيكس والكونوكاربس، ليست لها أي فائدة بيئية، فهي تهدر المياه، ولا تحافظ على التنوع البيولوجي، فشجرة الفيكس تحتاج إلى مياه ري عشرة أضعاف أكثر من شجر الزيتون الذي يتحمل الجفاف لفترات طويلة

وأشجار الفيكس هي الأكثر انتشاراً بين أنواع أشجار الزينة في مصر، إذ أُحصيت أكثر من 60 مليون شجرة عام 2017، وربع عددها يقع في منشآت النواحي والجامعات ومراكز الشباب، وهي تستهلك نحو 1.3 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، حسب بيان النائب أحمد القناوي، عضو مجلس الشيوخ عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، في أيار/ مايو الفائت. وأضاف النائب حينها أن هذه الأشجار تؤثر على مخزون المياه الجوفية، والتربة وأساسات المباني والبنية التحتية ومجاري الصرف الصحي، خاصةً أن لها جذوراً ممتدةً وقويةً.

ويدعو بهاء الدين، للاهتمام بزراعة الأشجار المصرية كبديل من أشجار الزينة غير المجدية، لأنها تحافظ على التنوع البيولوجي إذ تعيش فيها الكثير من أنواع الطيور المحلية وتتغذى منها، كما أنها مقاومة للجفاف والملوحة فيمكنها أن تتعايش مع التغيرات المناخية.

ومن أنواع هذه الأشجار، شجرة السنط وهي منتجة للأخشاب وتنتج أفضل أنواع العسل وتتحمل الجفاف، وشجرة الرمان والزيتون، وكلها تناسب التغير المناخي الذي تتعرض له مصر من حيث قلة المياه التي تحتاجها، كما توفر ثماراً وأخشاباً لها جدوى اقتصادية عالية ويمكن الاستفادة منها أو تصديرها إلى الخارج.

المياه الرمادية لريّ الأشجار

تحت عنوان "إثمار لزراعة الأشجار المثمرة"، يقود أحمد الغريب، وهو أستاذ في كلية الزراعة في جامعة الأزهر، مبادرةً فرديةً بمشاركة عشرين شاباً متطوعاً، ويقول في حديثه إلى رصيف22: "بدأنا هذا النشاط الشبابي بأنفسنا، إذ شجّعنا تكثيف المبادرات الحكومية ذات الصلة، فاشترينا شتلات الأشجار المثمرة وزرعناها بدايةً في حي النزهة الجديدة التابع لمدينة مصر الجديدة، واجهة العاصمة القاهرة من الجهة الشرقية، وخلال سنوات قليلة ستنمو هذه الشتلات لتكون بديلاً لأشجار الزينة التي لا تسمن ولا تغني من جوع".

واستطرد الغريب قائلاً: "شراء الفاكهة بالنسبة إلى بعض الأسر أصبح رفاهيةً في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، ووهبنا زراعة هذه الأشجار لتكون فرصةً أمام هؤلاء مستقبلاً للحصول على الفاكهة من دون مقابل مادي. زرعنا حتى الآن 300 شتلة في حي النزهة الجديدة وحي مدينة نصر، بالتعاون مع بعض مؤسسات المجتمع المدني، ونهدف إلى نشر هذه الثقافة في مصر كلها".

وعن حاجة الأشجار المثمرة إلى المياه، يشير إلى اعتماد المبادرة على المياه الرمادية، ويوضح: "المقصود بهذه المياه تلك الخارجة من المغاسل وأحواض الاستحمام والغسالات والمصارف الأرضية. تأخذ المياه الرمادية اسمها من اللون الرمادي الذي تؤول إليه، وتتميز بأنها لا تحتوي على مواد عضوية ويمكن استخدامها مباشرةً في الري".

نستطيع توفير عائد مادي كبير من زراعة الأشجار، سواء المثمرة أو الخشبية، في الشوارع، كبديل للأشجار غير المجدية الحالية، ونحتاج لتحقيق ذلك إلى توفير أيدٍ عاملة مدرّبة

"شجرها" مبادرة فردية أخرى للتشجير، دعا إليها المهندس عمر الديب، وبدأت عام 2016 عندما رأى شخصاً يتناول التوت من الشجرة التي زرعها أمام منزله، فأعجبته الفكرة وقرر زراعة أشجار مثلها، كصدقة جارية، وبدأها في الشارع الذي يسكن فيه في منطقة العبور التابعة لمحافظة القاهرة.

اليوم وصل عدد أفراد المبادرة إلى 20 عضواً بين شباب وكبار وذوي إعاقة، استطاعوا حتى الآن زراعة 100 ألف شجرة مثمرة، وتوسعت لتشمل أسطح المدارس وبعض أسطح الوزارات كوزارة البيئة.

والهدف الأساسي من مبادرة "شجرها"، كما يقول الديب، هو نشر ثقافة زراعة الأشجار المثمرة بدل أشجار الزينة، وتعليم المواطنين زراعة الأسطح والبلكونات بالنباتات الطبية والعطرية، لتحقيق التنمية المستدامة وحماية البيئة من التغيرات المناخية.

القيمة الاقتصادية للأشجار المثمرة

عاصم عبد المنعم أحمد، وهو أستاذ مساعد وباحث في المعمل المركزي للمناخ الزراعي في مركز البحوث الزراعية المصرية، يقول إن اتجاه الدولة نحو زراعة الأشجار المثمرة كبديل لأشجار الزينة لتحقيق منافع اقتصادية، يحتاج إلى دراسة جدوى وتوكيل الأمر إلى أصحاب الخبرة لدراسة كافة المجالات المتعلقة بالأمر، سواء كانت اقتصاديةً أو اجتماعيةً أو بيئيةً.

ويوضح في حديثه إلى رصيف22: "نستطيع توفير عائد مادي كبير من زراعة الأشجار، سواء المثمرة أو الخشبية، في الشوارع، كبديل للأشجار غير المجدية الحالية، ونحتاج لتحقيق ذلك إلى توفير أيدٍ عاملة مدرّبة، وهي موجودة بالفعل من خلال موظفي التشجير الذين يعانون أساساً من مشكلات كثيرة بسبب عدم تعيينهم، لعدم قدرة الحكومة المصرية على إيجاد وظائف لهم، ويمكن أن تصبح مسؤوليتهم متابعة نمو هذه الأشجار وريّها وتقليمها وحصاد المحصول الناتج منها".

ويضيف: "لتحقيق الجدوى الاقتصادية لا بد أيضاً من تحديد أنواع الأشجار التي ستُزرع، سواء الخشبية أو المثمرة، وأفضل البيئات الملائمة لها، لأن المناخ يختلف جذرياً من محافظة إلى أخرى، حسب موقعها، سواء كانت قريبةً من البحار أو في وادي النيل أو المناطق الصحراوية، ولا بد من زراعة الأشجار ذات الجذور الممتدة بعيداً عن المناطق السكنية أو المرافق حتى لا تضرّ جذورها بالمباني والطرق، كما يجب تحديد الهدف من هذه الأشجار، وهل هو زيادة المساحة المزروعة ببعض الثمار، سواء الزيتون أو الموالح، أم زراعة أشجار خشبية لتقليل استيرادنا للأخشاب".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard