شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"بات العمل صعباً جدّاً"... نساء المغرب يدفعن الحصة الأكبر من فاتورة التغيّر المناخي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الأربعاء 8 مارس 202301:09 م

اضطرت نجمة لبيع جزء من أغنامها بسبب تداعيات الجفاف، وهو ما أثر على مدخولها المادي.

نجمة فتاة مغربية تغيرت تفاصيل حياتها اليومية بسبب تداعيات الجفاف الذي يشهده المغرب طوال سنوات متتالية.

وتعتبر تربية أنواع مختلفة من الحيوانات، بما فيها الأغنام والدجاج والأرانب، مصدر دخل رئيسي لنجمة وعائلتها، وهي تتحمل أعباء كبيرة في هذا الجانب باعتبارها أكبر أخواتها.

بسبب الجفاف تعاني نجمة كل يوم من أجل توفير الكلأ لأغنامها، حتى أنها تخلت عن عدد كبير منها وباعتها.

كانت نجمة ترعى أغنامها كل يوم صباحاً بالقرب من منزل أسرتها في منطقة قروية ضواحي مدينة تارودانت جنوب المغرب، وتجلب الحشائش التي ستطعمها لهذه الحيوانات أثناء مكوثها في الحظيرة، وكان ذلك يستغرق نحو أربع ساعات صباحاً، ثم تلتحق بعد المغرب بإحدى الجمعيات لاستكمال تعليمها، بعدما انقطعت عن الدراسة في سن صغيرة.

اليوم، وبسبب الجفاف الذي ضرب المنطقة، تعاني نجمة كل يوم من أجل توفير الكلأ لأغنامها، حتى أنها تخلت عن عدد كبير منها وباعتها، رغم أنها كانت تشكل مصدر دخل رئيسياً لها ولأسرتها. تقول لرصيف22: "أستيقظ كل يوم في السادسة صباحاً، لأنني بت مضطرة لرعي أغنامي في مناطق بعيدة، وأحياناً خارج القرية، حيث يتوفر بعض العشب".

وتضيف بصوت متعب: "يتطلب هذا الأمر جهداً إضافياً، فأضطر للمشي مسافة طويلة خلف أغنامي، وأطوف بها داخل القرية وفي ضواحيها دون جدوى، وفي النهاية نضطر لشراء الأعلاف من السوق من أجل إشباع جوعها".

وترى نجمة أن الجفاف وموجة الحر التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة أثرا على حياة نساء القرية التي تنتمي إليها بشكل كبير، كما أن هطول المطر ضعيف هذه السنة، باستثناء الموجة الماطرة التي شهدتها المنطقة مؤخراً، والتي تأمل في أن تساهم بتحسين وضعها ووضع النساء اللواتي يعتمدن على الفلاحة وتربية الماشية من أجل توفير قوتهن اليومي.

"أفكر بتغيير عملي"

لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لصفية، التي دأبت على جمع النباتات العطرية والأعشاب من الغابات المجاورة لمنزل أسرتها بجبال سوس، وإعطائها لأبيها من أجل بيعها في السوق الأسبوعي، بيد أن توالي سنوات الجفاف أدى إلى تراجع مداخيلها في ظل ندرة الأعشاب التي تعتمد عليها هذه التجارة.

في هذا السياق تقول: "ورثت العمل عن والدي، إذ كنت أرافقه إلى الغابات منذ الصغر بحثاً عن الأعشاب، وهو ما ساعدني في التعرف على مختلف أصناف النباتات العطرية والطبية، مثل الزعتر والزعيترة والشيح واليازير (إكليل الجبل). بعد أن تقدمت السن بوالدي تولّيت مهمة البحث عن الأعشاب وقطفها وتنظيفها من الغبار، ويبيعها هو في السوق. هذا العمل در علينا مداخيل كانت تكفي، رغم محدوديتها، لسد حاجاتنا اليومية".

لكن في المقابل، بات الحصول على هذه الأعشاب أمراً صعباً في نظر صفية، نتيجة عوامل عدة، من بينها الجفاف وندرة هطول المطر، فضلاً عن الاستنزاف البشري وانتشار الرعي الجائر في المنطقة. فتراجعت مداخيل العائلة شيئاً فشيئاً، حسب ما أكدته المتحدثة لرصيف22، وهو ما جعلها تفكر في مزاولة نشاط آخر تكسب منه دخلاً ثابتاً لها ولأسرتها.

المغرب والتغير المناخي

يعتمد المغرب، كما العديد من بلدان العالم، على الموارد الطبيعية بشكل كبير، وهو ما يجعله معرضاً بشدة لتأثير التغيرات المناخية. ويشير تقرير للبنك الدولي صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 2022 إلى أن تراجع مستوى توافر المياه وانخفاض ناتج المحاصيل بسبب تغير المناخ قد يؤديان إلى خفض إجمالي الناتج المحلي بنسـبة تصل إلى %5.6، إضافة إلى أن تبعات تغير المناخ قد تؤدي إلى هجرة ما يصل إلى 9.1 مليون مغربي إلى المناطق الحضرية عام 2050، أي قرابة 4.5 من إجمالي السكان. ويحذر التقرير من أن المغرب يقترب بسرعة من الحد المطلق لندرة المياه البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً.

اليوم تساعدني أختاي في تحمل هذه الأعباء بعدما تقدم السن بوالدتي، وهي تعاني من أوجاع في الظهر والركبة بسبب الأثقال التي كانت تحملها. نحاول توفير مواردنا المالية اعتماداً على تربية الماشية وبعض الأنشطة الفلاحية رغم قساوة الظروف المناخية

ويشير تقرير آخر صادر عن المعهد المغربي للسياسات إلى أن المملكة عرفت خلال العقود الماضية مشاكل تتعلق بندرة المياه وانعدام الأمن الغذائي والتصحر والتعرية البحرية، وهذا ما أدى إلى عواقب بعيدة المدى كتوسع الهجرة المناخية وانتقال الناس إلى المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، وبالتالي استنفاد الموارد.

وحسب ما توصل إليه الباحثان المشرفان على التقرير، هاجر الإدريسي ومحمد مصباح، فإن طموح المغرب لمواجهة تحديات التغير المناخي يصطدم بعراقيل عدة، منها غياب الوعي العام بقضايا المناخ وضعف التعاون بين المبادرات العمومية والخاصة، ومحدودية التجارب الناجحة. ويؤكدان أن مواجهة التحديات التي يفرضها تغير المناخ تجعل المغرب في حاجة ماسة إلى إستراتيجيات للتكيف والتخفيف من آثار التغير المناخي، ورفع الوعي من خلال برامج تعليمية تتناول أزمة المناخ، وضمان الحصول على المعلومة وتعزيز المشاركة والانخراط.

لكن، ماذا عن النساء؟

مهام مضاعفة وأكثر صعوبة

يرى أيوب كرير، الباحث في التنمية المستدامة ورئيس جمعية "أوكسجين" للبيئة والصحة، أن "النساء في القرى المغربية يزاولن أعمالاً أكثر من الرجل، فتراوح مهامهن عادة بين جلب الماء من موارده الطبيعية، وتوفير حطب الطبخ وتربية الماشية، فضلاً عن اشتغالهن في الحقول والمزارع من أجل توفير الغذاء لأسرهن عبر العمل في حقول العائلة، أو من أجل توفير مدخول اقتصادي من خلال الاشتغال لدى الغير مقابل أجر مادي".

ويقول كرير لرصيف22: "هؤلاء النساء أكثر عرضة للآثار الناجمة عن تغير المناخ، فيدفعهن الجفاف وشح المياه إلى قطع مسافات طويلة من أجل جلب الماء، في ظروف مناخية صعبة تتسم بالحرارة الشديدة خلال فصل الصيف والبرد القارس خلال فصل الشتاء".

هذا الوضع يجعل مهام النساء والفتيات في القرى والأرياف مضاعفة حسب الباحث كرير، "فهن يشتغلن طيلة اليوم ولا يحظين بما يكفي من الراحة مقابل توفير الحاجيات اليومية لأسرهن، كما أنهن يتعرضهن لتهديدات شتى، منها التحرش والعنف الجنسي، فضلاً عن التسرب المدرسي الذي تلجأ إليه الفتيات من أجل مساعدة أمهاتهن في ظل الظروف المناخية الصعبة".

ووفقاً للمتحدث نفسه، فإن "التغير المناخي يؤثر أيضاً على صحة النساء، إذ يعدّ العمل تحت الشمس الحارقة ساعات طويلة سبباً رئيسياً في إصابتهن بأمراض جلدية شتى، كما أنهن لا يحظين بالرعاية الكافية أثناء المرض، ويجابهن الويلات خلال فترات الولادة والحمل بفعل عدم توفر بعض القرى على المراكز الصحية والمستوصفات".

وعن هذه التحديات، تقول نجمة: "فعلاً اضطررت لترك دراستي من أجل مساعدة والدتي عندما كانت حاملاً بأختي الصغرى. كنت أذهب لتوريد الماء وجلب حطب التدفئة عندما اقترب موعد ولادتها، ثم بعد ذلك تحملت أعباء أخرى داخل البيت وخارجه، لأنني كنت أكبر إخوتي وأخواتي".

وتضيف: "اليوم تساعدني أختاي في تحمل هذه الأعباء بعدما تقدم السن بوالدتي، وهي تعاني من أوجاع في الظهر والركبة بسبب الأثقال التي كانت تحملها"، ثم أردفت: "نحاول توفير مواردنا المالية اعتماداً على تربية الماشية وبعض الأنشطة الفلاحية رغم قساوة الظروف المناخية".

التغير المناخي يؤثر على صحة النساء، إذ يعدّ العمل تحت الشمس الحارقة ساعات طويلة سبباً رئيسياً في إصابتهن بأمراض جلدية شتى، كما أنهن لا يحظين بالرعاية الكافية أثناء المرض، ويجابهن الويلات خلال فترات الولادة والحمل بفعل عدم توفر بعض القرى على المراكز الصحية والمستوصفات

أهمية إشراك النساء في مكافحة التغير المناخي

يرى أيوب كرير أن "التخفيف من تداعيات التغير المناخي بالقرى رهين بإشراك الفئات الأكثر تضرراً، وفي مقدمتها النساء، في جميع المخططات التنموية الكفيلة بتحسين ظروف عيشهن، والاستماع لحاجياتهن ومقترحاتهن والحلول التي سيطرحنها في هذا الصدد".

ويشدد على ضرورة تمكين النساء في القرى والأرياف بالمغرب من الوصول إلى مراكز القرار، وذلك من خلال إلزام الجماعات القروية بالرفع من تمثيلهن في مجالس وأجهزة التسيير.

وترى صفية التي درست حتى المرحلة الإعدادية، وهو مستوى تعليمي نادراً ما تصل إليه الفتيات في جبال سوس، أنه لا بد من الاستماع لحاجيات النساء المتاثرات بتغير المناخ في المنطقة التي تنتمي إليها، مشيرة إلى أن وعيها بهذه الظاهرة يجعلها قادرة على طرح المشاكل التي تعاني منها النساء في القرية مع المسؤولين بغية استشراف الحلول الممكنة.

من جهة أخرى، اعتبر أيوب كرير أن "الحكومة المغربية مطالبة بالرفع من الدعم المخصص للمشاريع النسائية بالقرى، بما فيها تلك التي تعتمد على صناعة المنتجات المحلية مثل الأعشاب الطبيعية، وذلك من أجل توفير دخل مقبول للنساء وحمايتهن من التقلبات المناخية بمناطق عيشهن".

وتصب المقترحات التي تقدم بها الباحث كرير في سياق التوصيات التي أعقبت اللقاء الذي نظمه المغرب والاتحاد الإفريقي في أديس أبابا في شباط/ فبراير الفائت، حول التحديات المتقاطعة للتغيرات المناخية وأجندة المرأة والسلام والتنمية في إفريقيا، وفيه أكد وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة أنه "لا يمكن تحقيق التكيف الفعال مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره إذا لم يتم الأخذ بعين الاعتبار انعكاساته على النساء".

واعتبر وزير الخارجية أنه "لا يمكن الوصول إلى الصمود في وجه التغيرات المناخية دون تحقيق المساواة بين الجنسين وإتاحة الفرصة للنساء من أجل التمتع بشكل كامل بحقوقهن في سياق التغيرات المأسوية للمناخ". كما دعا إلى تشجيع مشاركتهن في صنع القرار المرتبط بالتكيف مع المناخ من أجل تحسين أوضاع عيشهن داخل القارة المتأثرة بالتغير المناخي، أكثر من أي منطقة أخرى.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما أحوجنا اليوم إلى الثقافة البيئية

نفخر بكوننا من المؤسّسات العربية القليلة الرائدة في ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺇﺫﻛﺎﺀ ﺍﻟﻮﻋﻲ البيئيّ. وبالرغم من البلادة التي قد تُشعرنا فيها القضايا المناخيّة، لكنّنا في رصيف22 مصرّون على التحدث عنها. فنحن ببساطةٍ نطمح إلى غدٍ أفضل. فلا مستقبل لنا ولمنطقتنا العربية إذا اجتاحها كابوس الأرض اليباب، وصارت جدباء لا ماء فيها ولا خضرة.

Website by WhiteBeard