"تمكين النساء لمواجهة التغيّرات المناخية"... مبادرة "عالم بالألوان" في مصر

السبت 3 سبتمبر 202203:06 م

"انطلقنا من فكرة تحقيق العدالة، في ظل التغيرات المناخية ضمن المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، وللفئات الأقل تمثيلاً"؛ بهذا الوصف ينطلق مجدي عبد الفتاح، المتحدث باسم مبادرة "عالم بالألوان"، في تعريفه عن عمل المبادرة المجتمعية وأهدافها، وهي فريدة من نوعها في مصر والعالم العربي.

دوماً ما تكون النساء الخاسر الأول من أي شيء ومن كل شيء، فهن في مقدمة الفئات التي يطالها أي ضرر مجتمعي، نتيجةً للحماية الهشة التي يُحَطن بها من قبل المجتمعات. ولهذا نرى اليوم أن أضرار تغيّر المناخ التي بتنا نشهدها، ستكون النساء في مقدمة الخاسرين منها.

لذلك أخذت هذه المبادرة المصرية على عاتقها التوعية بهذه المخاطر، وعلى رأسها تأثير التغيرات المناخية على النساء والفئات الأقل تمثيلاً في مصر، فبعد أشهر قليلة ستستضيف مصر "قمة المناخ 27" الدولية، والتي ستكون فرصةً لتسليط الضوء على كل ما يخص المناخ وسياسات الدول في التعامل معه.

انطلقنا من فكرة تحقيق العدالة، في ظل التغيرات المناخية ضمن المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، وللفئات الأقل تمثيلاً.

النساء الخاسر الأكبر

يتابع عبد الفتاح حديثه إلى رصيف22، وهو مدير مركز البيت العربي للبحوث والدراسات: "تهدف المبادرة التي انطلقت بمشاركة العديد من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في مصر، منها حزب ‘العيش والحرية’ و’الديموقراطي الاجتماعي’ وغيرهما، إلى تحفيز أصحاب المصلحة ومؤسسات الدولة ليتشاركوا في مجهود جماعي لحل أزمة التغيرات المناخية، ووضع سياسات وتشريعات تحدّ من التأثيرات المحتملة للفئات الأضعف والمهمشة، إلى جانب التوعية بأضرار التغيرات المناخية، وأن نكون مستعدين بإجراءات تحمينا جميعاً من المخاطر".

وتحذّر العديد من الدراسات والأبحاث من أن النساء سيكنّ الخاسر الأكبر جراء التغيرات المناخية، لأن الأعراف المجتمعية تحدّ من المساواة بين الجنسين، وارتفاع درجات الحرارة يلعب دوراً مهماً في تهديد حياة النساء، فمثلاً خلال موجة الحر التي تعرضت لها أوروبا عام 2003، كانت نسبة الوفيات بين النساء أعلى من الرجال، ومن المتوقع إذا ارتفعت درجات الحرارة درجتين عالمياً فسوف يزيد هذا الفرق إلى الضعف.

وفي دراسة أعدتها منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" في فيتنام، بعد الفيضان الذي تسبب في فقدان العديد من المحاصيل، كانت النساء أكثر تأثراً من الرجال، وتلقّين مساعدات وكميات طعام بنسبة أقل، أما في ما يتعلق بإنقاذ الأرواح من الفيضان، فكان يتم تفضيل الفتيان والرجال على النساء والفتيات نتيجةً للأعراف الاجتماعية التي تتوقع منهم أدواراً أفضل من النساء في المستقبل.

انطلاقاً من تلك الفرضية، ركزت مبادرة "عالم بالألوان" على تحقيق العدالة المناخية، خاصةً للنساء، وعن ذلك قال عبد الفتاح: "في الظروف العادية تكون النساء مهمشات أو منسيات، ويزيد هذا التهميش في الظروف الجماعية، فحينما تقع الأزمة يتوقع أن يسوء وضع النساء، كأن يُحرمن من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، مثلما حدث وقت أزمة كوفيد19، أو أن تكون هناك خطورة على حياتهن". لذلك يستوجب الأمر وفق حديثه تضمين الحديث عن النساء عند التحدث عن سياسات وتشريعات حمائية من التغيرات المناخية، وكذلك لمواجهة التغير الذي نشهده حالياً.

وعن العدالة المناخية، قال إنها كيفية تهيئة ظروف اجتماعية لتحقيق العدالة بين جميع السكان، فمثلاً سكان المناطق الأكثر غنى لن يتأثروا بارتفاع درجات الحرارة مثل سكان المناطق الفقيرة، وتقوم الفكرة على تقليل تأثير حدة تغير المناخ على الفئات الأكثر ضعفاً، فيصبح التأثير واحداً على الجميع.

في الظروف العادية تكون النساء مهمشات أو منسيات، ويزيد هذا التهميش في الظروف الجماعية، فحينما تقع الأزمة يتوقع أن يسوء وضع النساء، كأن يُحرمن من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية

المتأثرات في مصر

وعن التأثيرات المناخية على النساء في مصر، يتحدث بأن العاملات الزراعيات هن أوائل المتأثرات، فليس لديهن قانون ينظم عملهن، وكذلك العاملات في المنازل، والنساء في المناطق المعرضة للتصحر مثل الصعيد والمحافظات الحدودية، أو في المناطق التي يتعرضن فيها للغرق مثل الإسكندرية، والنساء الأقل تعليماً في كل مكان.

ولفت إلى أنه ينبغي أن يكون لدى الدولة خطط لمواجهة ذلك، كأن تكون هناك طرق للزراعة البديلة والإنتاج البديل الذي يعتمد على وسائل أكثر استدامةً، والتعامل مع الظروف لتكون وطأتها أقل. وأكد أن أغلب المناطق الجنوبية معرضة للفقر في عدد من المحاصيل الزراعية مثل الذرة، مما سيؤثر على العمالة المرتبطة بها وخاصةً النساء، لذلك نحتاج إلى رؤية تضمن حمايتهن وتعزيز قدراتهن ليستطعن الصمود أمام التغيرات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن من الأضرار المحتملة للتغيرات المناخية في مصر نقص المياه والذي بات خطراً يهدد صحة النساء، نتيجة ندرة وجود المياه في بعض المناطق، أو عدم وصول المياه العذبة الصالحة للشرب إلى مناطق أخرى نتيجة البنية التحتية التي لا تصلح لمعالجة المياه وتوصيلها إلى الجميع، مما يرتبط بصحة النساء في المقام الأول وصحة الأطفال والأجنّة المعرضة لما يترتب عن نقص الغذاء.

ويشير إلى أن الفاو أطلقت مشروعاً في مصر منذ سنوات لتسليط الضوء على نقص الغذاء الصحي وسوء التغذية وعلاقته بمرض التقزم لدى الأطفال، في وقت تعيل فيه النساء ثلث الأسر في مصر، وتالياً هن مسؤولات عن صحة أفراد الأسرة.

تهدف المبادرة إلى تحفيز أصحاب المصلحة ومؤسسات الدولة ليتشاركوا في مجهود جماعي لحل أزمة التغيرات المناخية.

قمة المناخ فرصة مرتقبة

بعد أشهر قليلة، وتحديداً في تشرين الثاني/ نوفمبر، تستضيف مصر قمة المناخ COP27، في مدينة شرم الشيخ، وهي فرصة من أجل التواصل بين المبادرات العاملة في مصر على موضوع العدالة المناخية، لذلك ستطلق مبادرة "عالم بالألوان" وثيقةً شعبيةً بمشاركة الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني المشاركة فيها، تتضمن مقترحات متعلقةً بالتشريعات وأشكال الدعم والتوعية المنشودة، وفق عبد الفتاح.

وينوّه عبد الفتاح باشتراك أحزاب عدة في المبادرة، يقوم على معظمها رجال أعمال من أصحاب المصانع، وهم من المحتمل أن يعرقلوا الهدف الأساسي منها عند الحديث عن سياسات بديلة تقلل من الانبعاثات الكربونية أو العوادم الناتجة عن مصانعهم، ويشير في الوقت ذاته إلى أن هذه هي معضلة عالمية لا تخص مصر وحدها، وفي مؤتمر المناخ الذي أقيم العام الفائت، تم حث الدول على التوقف عن استخدام الفحم، كما تعرّض المؤتمرون لضغوط من رجال الأعمال، وخرجوا بانتقادات حقوقية كبيرة.

"لذلك، ستحتوي الوثيقة التي نعمل على إطلاقها على عدد من التوصيات والمطالبات التي تسعى إلى تحقيق العدالة المناخية، وإلغاء التحيز بين النوعين، واحتواء تأثير تغير المناخ ومواجهته بخطط عمل خاصةً في بيئات العمل والصحة والسكن والعمل، وتقديم الدعم للأطراف الأضعف ليقدروا على مواجهة التغيرات المناخية والتكيف معها"، يضيف شارحاً.

علينا أن نتكاتف جميعاً

المعادلة الآن أصبحت أن يتكاتف الجميع معاً، كدولة ومؤسسات ومجتمع مدني وأفراد، وإلا سيطالنا جميعاً الضرر من التغير المناخي.

ربما لا تكون لدينا في مصر دراسات تشير إلى تضرر النساء جراء التغيرات المناخية، لكن الكويت مثلاً أصدرت دراسةً عام 2005، أكدت فيها زيادة نسبة تسمم الحمل وتشويه الأجنّة للنساء نتيجة ارتفاع درجة الحرارة وارتفاع الرطوبة، لذلك، وبحسب عبد الفتاح، تم وضع سياسات تحدد عدد ساعات تعرض الناس للحرارة وشكل السكن وشكل مناطق العمل.

هناك ضرورة لتدريب النساء على استخدام منتجات صحية صديقة للبيئة، أو منتجات يمكن صناعتها منزلياً، وأن يتم توفير تلك المنتجات في المدارس كجزء من المسؤولية المجتمعية وهي حلول لن تكلف الدولة شيئاً، وكل ذلك يصب في نهاية المطاف ضمن هدف تحقيق العدالة المناخية

وتكمن معضلة أخرى في التشريعات الخاصة بالبيئة، والتي يؤكد عبد الفتاح وجودها في مصر، لكن عددها قليل، ولا يتم تطبيقها بالشكل المطلوب، فمثلاً لا تراعى اشتراطات السلامة والصحة المهنية في كثير من الأحيان، وهناك تهرّب من توقيع عقوبات على رجال الأعمال المخالفين لها. كما أن هناك اشتراطات في القوانين لا بد من توافرها، ويجب أن يشملها قانون العمل لحفظ حقوق العاملين من التأثر بالمناخ، كذلك اشتراطات في البناء والبنية التحتية لتسمح مثلاً بالتهوئة الجيدة.

وبحسب عبد الفتاح، فإن مصر من أقل الدول التي شاركت في التلوث، لأنها ليست في الأساس دولةً صناعيةً، لكن وقع عليها ضرر كبير نتيجة تغيّر المناخ، لذلك لا يوجد سبيل سوى التفكير في الحفاظ على المناخ وتعويض الأشخاص الذين من الممكن أن يتعرضوا للتأثيرات المناخية، وإلا سيكون حجم الأضرار على الدولة والناس كبيراً جداً.

ويشير عبد الفتاح إلى إجراءات إضافية يمكن القيام بها، فعلى سبيل المثال تتَّهم النساء بالضلوع في تلويث البيئة عبر استخدامهن لوسائل غير صديقة للبيئة مثل الفوط الصحية وأدوات الدورة الشهرية المصنوعة بشكل أساسي من البلاستيك.

لذلك يرى المتحدث باسم "عالم بالألوان"، ضرورة تدريب النساء على استخدام منتجات صحية صديقة للبيئة، أو منتجات يمكن صناعتها منزلياً، وأن يتم توفير تلك المنتجات في المدارس كجزء من المسؤولية المجتمعية وهي حلول لن تكلف الدولة شيئاً، وكل ذلك يصب في نهاية المطاف ضمن هدف تحقيق العدالة المناخية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard