التفكير "خارج الصندوق"... مزارعو صعيد مصر يواجهون ارتفاع الحرارة بتجفيف الطماطم

الاثنين 21 نوفمبر 202202:32 م

في صعيد مصر، يرى بعض المزارعين أن ارتفاع درجات الحرارة الناجمة عن التغير المناخي، قد يتحول إلى فرصة، ونعمة على عدد من المحاصيل الزراعية، إذا استطاعوا التفكير بتجديدٍ وبعيداً عن المألوف.

وقد شهدت محافظات الصعيد تغيرات ملحوظةً في درجات الحرارة خلال السنوات الخمس الأخيرة، فكل عام ترتفع الحرارة أكثر من سابقه، والأمر يؤثر بشكل سلبي على العديد من القطاعات في البلاد، وعلى رأسها الزراعة، إذ تنخفض بسببه إنتاجية العديد من المحاصيل، وجودة محاصيل أخرى وتالياً قابليتها للتخزين والتداول.

إلا أن ما قام به أهالي الصعيد مؤخراً، من "استغلال" درجات الحرارة العالية التي تتمتع بها مناطقهم، لتجفيف محصول الطماطم، بات يعود عليهم بفوائد كبيرة زراعية واقتصادية واجتماعية، إذ يحميهم من تراكم الديون الناتجة عن تلف كميات كبيرة من الطماطم، كما يخلق فرص عمل جديدةً لمختلف الشرائح من شباب ونساء، ويتيح للسكان استثمار الإمكانات المتوافرة لخلق عوائد اقتصادية إضافية لهم.

يرى بعض المزارعين في صعيد مصر أن ارتفاع درجات الحرارة الناجمة عن التغير المناخي، قد يتحول إلى فرصة ونعمة.

عوائد اقتصادية

لم يعد غريباً لمن يزور محافظة الأقصر أو أسوان اليوم، وخاصةً خلال أشهر الشتاء، أن يرى مساحات شاسعةً تغطيها حبات الطماطم الحمراء، وهي مقطعة ومملّحة وموزعة بشكل منتظم وجميل، إما على مساحات مخصصة لها على الأرض، أو مناشر خشبية وحديدية مصممة خصيصاً لعملية التجفيف، حتى أن البعض بات يطلق على المحصول مصطلح "الذهب الأحمر".

يشير وحيد عطية، وهو مزارع في مركز أسنا في محافظة الأقصر، إلى أنه خلال العامين الأخيرين، تزايد عدد الشركات التي تعرض على مزارعي الصعيد التعاقد معهم، كي يزرعوا الطماطم ويوردوها إليها بغرض التجفيف. ويضيف شارحاً: "انتشار تجفيف الطماطم مؤخراً ساعدنا في الحفاظ على استقرار أسعارها بالنسبة لنا كمزارعين، وفي الوقت ذاته تحقيق عائد مادي جيد من زراعتها".

وأشار إلى أن إنتاجية الفدّان تُقدَّر بخمسة وثلاثين طنّاً من الطماطم، وتصل تكلفة إنتاج الفدان إلى 25 ألف جنيه (قرابة ألف دولار)، أي أن تكلفة زراعة طن الطماطم تبلغ قرابة 700 جنيه، وتدفع شركات التجفيف للمزارع بين 10،000 و12،000 جنيه عن الطن الواحد، كما أنها تتكفل بنقل الطماطم إلى أماكن التجفيف، وتالياً فإن العوائد الاقتصادية من الأمر مجزية.

وفي السياق نفسه، تُعدّ مشاريع تجفيف الطماطم في محافظات الصعيد قبلةً لآلاف الشباب والشابات الباحثين/ ات عن فرصة للعمل.

يوضح محيي يوسف، وهو شاب من الأقصر لرصيف22، أنه يعمل في مشاريع التجفيف مع خمسة من أصدقائه، مشيراً إلى أن العائد المادي كبير بالمقارنة بفرص العمل الأخرى داخل المحافظة.

لم يعد غريباً لمن يزور محافظة الأقصر أو أسوان اليوم، وخاصةً خلال أشهر الشتاء، أن يرى مساحات شاسعةً تغطيها حبات الطماطم الحمراء، وهي مقطعة ومملّحة وموزعة بشكل منتظم وجميل، إما على مساحات مخصصة لها على الأرض، أو مناشر خشبية وحديدية مصممة لعملية التجفيف

تتراوح يومية يوسف بين 300 و350 جنيهاً (12-14 دولاراً)، ويعمل منذ الثامنة صباحاً وحتى الرابعة مساء، وهي أكثر من العائد المادي الذي قد يحصل عليه من العمل في الزراعة، فيومية العامل في زراعة محاصيل البطاطس والطماطم وقصب السكر لا تتجاوز مئتي جنيه، وهو عمل غير دائم وإنما فقط في موسمي الحصاد والزراعة فقط، كما أشار إلى أن العمل في المصانع الموجودة في المنطقة تأثر بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خاصةً بعد انتشار فيروس كورونا، فتم الاستغناء عن نصف العمال تقريباً، وأن قيمة الراتب الشهري فيها لا تتجاوز الـ2،000 جنيه، وتالياً يبقى العمل في مشاريع تجفيف الطماطم مجزياً أكثر.

"بريق أمل"

يشير الدكتور السيد الناقة، وهو أستاذ في كلية الزراعة في جامعة الزقازيق، لرصيف22، إلى أن عملية تجفيف الطماطم المنتشرة في الصعيد، وخاصةً محافظتي الأقصر وأسوان، لها فوائد عديدة.

ويشرح: "في ظل انخفاض أسعار محصول الطماطم في موسم الحصاد، وبيعه بأسعار لا تتناسب مع التكاليف التي تنفق عليه في مراحل الزراعة، أثر ذلك بشدة على مزارعي الطماطم خلال العامين الماضيين، ففكر كثيرون منهم في الامتناع عن زراعة الطماطم، نظراً إلى الخسائر الكبيرة التي لحقت بهم، والديون التي تراكمت عليهم".

وتشمل تكاليف الإنتاج وفق حديثه، الحصول على الشتلات والمبيدات والأسمدة، وكذلك إيجار الأراضي، إلى جانب تكاليف جمع المحصول ونقله، والوقود والطاقة اللازمين لتشغيل آلات الري. "في نهاية المطاف لا تتبقّى للمزارع سوى مبالغ ضئيلة، فيصبح مديناً بقيمة الأسمدة وإيجار الأرض".

وينوّه إلى نقطة إضافية تتعلق بفساد أكثر من ربع المحصول في أثناء نقله، بسبب الحرارة الشديدة وبُعد محافظات الصعيد عن الأسواق الرئيسية المستهلكة. ويضيف: "لجوء محافظات الصعيد إلى تجفيف الطماطم قلل من تلف المحصول ومن خسائر الفلاحين، فثمرة الطماطم تحتوي على نسبة كبيرة من المياه، وعند تعرضها لدرجات الحرارة الشديدة التي تتجاوز أربعين درجةً مئويةً، ونتيجة نقلها مكدسةً في الأقفاص إلى أقرب مصنع، ويبعد عن أماكن الزراعة مسافةً تتجاوز الساعتين، يصبح من السهل أن تتلف".

وينبّه إلى أن فكرة التجفيف تساهم في تنشيط فكرة الزراعة التعاقدية بين الفلاح والجهات المسوقة، وتالياً تحقيق التوازن والاستقرار في أسعار الطماطم. ووفق المتحدث، فقد تعاقدت شركات التصدير خلال موسم 2022-2023، على تصدير 12 ألف طن من الطماطم المجففة، وهي نسبة كبيرة من الإنتاج المحلي.

وتُعدّ الأقصر محطة الإنتاج الرئيسية لصادرات الطماطم المجففة من مصر، إذ يخرج منها قرابة 80% من هذه الصادرات، والبقية تأتي من محافظات أسوان وقنا والفيوم، وتتجه بشكل أساسي نحو دول أوروبية، مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، وكذلك الإمارات والبرازيل ودول أخرى.

لجوء محافظات الصعيد إلى تجفيف الطماطم قلل من تلف المحصول ومن خسائر الفلاحين، فثمرة الطماطم تحتوي على نسبة كبيرة من المياه، وعند تعرضها لدرجات الحرارة الشديدةونتيجة نقلها مكدسةً في الأقفاص إلى أقرب مصنع، يصبح من السهل أن تتلف

ضرورة تفادي المشكلات

ينبّه المهندس الزراعي أنس الشمري خلال حديثه لرصيف22، إلى أن عملية تجفيف الطماطم تواجه مشكلات عدة لا بد من الحذر عند التعامل معها لضمان جودة أفضل للعملية بمجملها.

من هذه المشكلات وجود اسوداد في بعض قطع الطماطم، ويرجع السبب في ذلك إلى سوء التهوية، ومن الممكن ظهور عفن أو رائحة كريهة في الطماطم المجففة، وسبب ذلك يكمن في عدم تقليبها جيداً، واحتباس الرطوبة. أما أبرز المشكلات التي تواجه عملية التجفيف وفق حديثه، فهي ظهور الديدان، وذلك عند استخدام ثمار مصابة، مع عدم نظافة البيئة المحيطة وهبوط الذباب عليها، وتالياً يجب اختيار الثمار المخصصة للتجفيف بعناية.

وبالرغم من أن الصين تُعدّ المنتج الأول للطماطم عالمياً، في حين تحتل مصر المرتبة الخامسة، يشير الشمري إلى أن زراعة الطماطم في مصر تستمر على مدار العام، بينما تُزرع مرةً واحدةً في الصين، ما يُعدّ ميزةً كبيرةً لمصر ومشاريع تجفيف الطماطم فيها، ويمكن أن تصبح في السنوات المقبلة مصدراً مهماً جداً للعوائد الاقتصادية للدولة والسكان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard