شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"أكلة الغلابة" في خطر... البطاطس في مصر تواجه التغيّر المناخي وارتفاع تكاليف الزراعة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

بيئة ومناخ نحن والبيئة

الثلاثاء 23 أغسطس 202201:28 م

هل تخيّلتم يوماً أن تحصلوا على وجبتكم الجاهزة من الدجاج أو سندويش البرغر من دون البطاطس المقلية اللذيذة؟ أو هل راودتكم خواطر بأن سعر كيلو البطاطس سيرتفع بصورة خطيرة بسبب قلة المعروض في الأسواق؟

أفكار كثيرة ومزعجة ربما تحدث في القريب العاجل، بسبب التغير المناخي الذي أثّر ولا يزال يؤثر بقوة على الحياة في كافة أنحاء العالم، فالعديد من المحاصيل الغذائية الرئيسية التي تُعدّ الوجبة الأولى والرئيسية لكثير من شعوب العالم أصبحت مهددةً بالفناء أو بندرة الكميات وتالياً ارتفاع الأسعار.

يُعدّ نبات البطاطس أشهر تلك المحاصيل المهددة وفقاً لتصريحات صحافية لرئيس قسم الأرصاد في مركز المناخ في وزارة الزراعة المصرية، شاكر أبو المعاطي، وقد أشار، مطلع الشهر الحالي، إلى أن المزارعين في مدن وبلدات وسط الصعيد مثل المنيا وبني سويف والفيوم، الذين كانوا يجهزون أراضيهم لزراعة البطاطس في مثل هذا الوقت من كل عام، سيضطرون إلى الانتظار حتى بداية أو منتصف أيلول/ سبتمبر المقبل، في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وإلى اتخاذ إجراءات صارمة للحفاظ على محاصيلهم.

هل تخيّلتم يوماً أن تحصلوا على وجبتكم الجاهزة من الدجاج أو البرغر من دون البطاطس المقلية اللذيذة؟

وعلى صعيد آخر، حذرت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، من أن تغيّرات المناخ تهدد قدرة العالم على تحقيق الأمن الغذائي العالمي، والقضاء على الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة. ووفق تقرير لها صدر عام 2018، فإن للتغير المناخي آثاراً مباشرةً وغير مباشرة على الإنتاجية الزراعية، ستهدد الدول التي تعاني غالبية سكانها بالفعل من الفقر وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

محصول مهم في مصر

وللبطاطس أهمية كبيرة جداً بالنسبة إلى المصريين، فلا يخلو بيت منها، وتُعدّ وجبةً رئيسيةً على موائد الكثير من العائلات، خاصةً الأقل دخلاً، ويطلق عليها البعض اسم "أكلة الغلابة".

تحكي سماح محمد، وهي ربة منزل من محافظة الشرقية، لرصيف22، قائلةً إن زوجها موظف، وراتبه لا يتعدى 3،000 جنيه (قرابة 160 دولاراً)، ومع وجود ثلاثة أطفال في العائلة، فإن البطاطس تُعدّ وجبةً أساسيةً شبه يومية لهم، فتقوم بتحميرها أو سلقها وهرسها لهم، خاصةً لطفلها الصغير، إلى جانب الرضاعة.

وأوضحت أن زوجها يشتري من 3 إلى 5 كيلو بطاطس أسبوعياً، وفقاً لسعرها، الذي يتراوح بين 5 و10 جنيهات للكيلوغرام الواحد، وتتخوف من مزيد من الارتفاع في الأسعار، ما يعني اضطرارهم في المستقبل إلى تقليل الكمية أيضاً.

إلى جانب ذلك، فإن هناك توجهاً حكومياً لاستخدام البطاطس كرديف للقمح في صنع رغيف الخبز. وضمن هذا السياق، أشار الدكتور سيد الناقة، أستاذ علم الأراضي في كلية الزراعة في جامعة الزقازيق، في تصريح لرصيف22، إلى أن "الإنتاج الكلي من البطاطس في مصر هذا العام يعادل قرابة 70% من إنتاج القمح، وتالياً من الممكن تخفيف الضغط على استيراد القمح في ظل ما يشهده العالم من ارتفاع جنوني في أسعار القمح والحبوب".

والجدير ذكره أن محصول البطاطس يُعدّ سلعةً رئيسيةً من السلع التي تصدّرها مصر إلى الخارج، إذ يتخطى الإنتاج السنوي 5 ملايين طن، وتحتل البلاد المرتبة رقم 14 عالمياً في إنتاجه.

مع وجود ثلاثة أطفال في عائلة سماح، فإن البطاطس تُعدّ وجبةً أساسيةً شبه يومية لهم، فتقوم بتحميرها أو سلقها وهرسها لهم، خاصةً لطفلها الصغير، إلى جانب الرضاعة، وتشتري العائلة من 3 إلى 5 كيلو بطاطس أسبوعياً، وفقاً لسعرها، الذي يتراوح بين 5 و10 جنيهات للكيلوغرام الواحد

براعم البطاطس مهددة بالعفن

على جانب آخر، يؤكد الناقة أن التغير المناخي يؤثر بشكل كبير وخطير على زراعة البطاطس في مصر، بدءاً من اختيار الصنف الذي ستتم زراعته، وصولاً إلى كمية الإنتاج، بالإضافة إلى انتشار الأمراض والحشرات في التربة، مما يعيق نمو النبات بصورة طبيعية. ويشير إلى أن ارتفاع نسبة الرطوبة في الجو يؤدي إلى حدوث خلل في آلية عمل النبات، وتالياً عدم القيام بوظائفه.

ويضيف: "أصبحت زراعة البطاطس في هذا التوقيت في مدن الصعيد صعبةً، بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة التي تجاوزت 40 درجةً مئويةً، فهي لن تقوم بتحضير براعمها في ظل هذه الحرارة المرتفعة، مما يجعل بعض الدرائن عرضةً للتعفن". ويعني ذلك في نهاية المطاف خسائر كبيرةً سواء للمزارعين، أو المستهلكين، أو حتى للدولة المصرية عموماً.

وتُعدّ "العروة النيلية" التي تُزرع في منتصف شهر آب/ أغسطس، العروة الرئيسية لإنتاج البطاطس في مصر، نظراً إلى أن المساحة المزروعة بها تمثّل نحو 55% من مساحة الأراضي التي تنتج هذا المحصول طوال العام، كما أنها تُعدّ المصدر الرئيسي لتغذية السوق المحلي، وتعفّن الدرائن قد يؤدي إلى خسارة نصف المحصول تقريباً.

من جهة أخرى، فإن محصول البطاطس هو مصدر رزق العديد من قرى محافظة المنيا، وعلى رأسها قرية البرجاية، التي تصدّر محصولها كل عام إلى العديد من الدول الأوروبية. ويشير محمد عبد العظيم، أحد ملّاك الأراضي في البرجاية خلال حديثه إلى رصيف22، إلى أن المزارعين يحرصون على زراعة البطاطس سنوياً، بالرغم من المشكلات التي تواجههم والصعوبات المتزايدة عاماً بعد آخر، وأضاف أن زراعة البطاطس في القرية تخلق فرص عمل كثيرةً للشباب.

البطاطس نبات حساس بصورة كبيرة تجاه الجفاف المائي ودرجات الحرارة المرتفعة فلا بد من الاهتمام به.

يقول عبد العظيم: "يعمل مئات الشبان باليومية في زراعة البطاطس وقلعها، وتبلغ يومية العامل 200 جنيه (11 دولاراً)، وهم مصدر الدخل الأساسي لعائلاتهم. ولكن خلال الشهور الماضية، اضطررنا إلى تسريح قرابة ربع العمال، فبعد أن كنّا نجلب 200 عامل لزراعة البطاطس وقلعها، أصبحنا نجلب 150 عاملاً فقط، بسبب ارتفاع التكاليف، وتالياً خسر خمسون في المئة منهم فرصة العمل هذه".

ولا تقتصر المشكلات التي تواجه المزارعين في زراعة البطاطس، على قرى صعيد مصر، بل تمتد أيضاً إلى محافظات الدلتا. وهناك يؤكد محمود عبد الودود المسيدي، وهو فلاح في قرية سماكين الغرب في محافظة الشرقية، لرصيف22، أن تكلفة زراعة الفدان تصل إلى نحو 25 ألف جنيه (قرابة 1،300 دولار أمريكي)، وهذا المبلغ من المتوقع ارتفاعه بسبب الزيادة الأخيرة في أسعار الأسمدة، إلى جانب ارتفاع كلفة العمالة بشكل كبير، وكل ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع أسعار البطاطس في الأسواق.

وأشار المسيدي، إلى أنه في موسم حصاد البطاطس، تُعدّ الأخيرة الوجبة الرئيسية في كافة بيوت القرية، ويتناولها معظم السكان على الفطور والغداء والعشاء.

نصائح لحماية المحصول

يشير الدكتور هشام صلاح العسكري، وهو أستاذ أمراض النبات في كلية الزراعة في جامعة المنوفية، خلال حديثه إلى رصيف22، إلى أن أهم مرحلة في زراعة البطاطس هي تجهيز "التقاوي" (أي البذور للزراعة)، بالتزامن مع تجهيز الأرض (أي قبل عملية الزراعة بأسبوعين على الأقل). "لا بد من شراء التقاوي من مصدر موثوق، ويُفضّل أن تكون معتمَدةً ومفحوصةً من وزارة الزراعة، وأن يتم تخزينها في الثلاجة، سواء كانت مستوردةً أو مشتراة".

بعد ذلك، يشير المتحدث إلى آلية تجهيزها: "توضع في صفوف بينها مسافات، وتُترك في مكان مظلل تصله أشعة الشمس بطريقة غير مباشرة، وبتهوية جيدة، ويمكن أن تضاء بواسطة النيونات التي تُشغَّل ليلاً، حتى يتم تنشيط البراعم في كل الدرنات، وعندما يصل طول ‘النبوت’ (أي الفرع الناشئ عن الدرنة)، إلى نصف سنتيمتر، تبدأ الزراعة، مع الحرص على ألا يزيد الطول عن ذلك حتى لا ينكسر في أثناء عملية النقل والتداول والزراعة".

التغير المناخي يؤثر بشكل كبير وخطير على زراعة البطاطس في مصر، بدءاً من اختيار الصنف الذي ستتم زراعته، وصولاً إلى كمية الإنتاج، بالإضافة إلى انتشار الأمراض والحشرات في التربة، مما يعيق نمو النبات بصورة طبيعية

وينبّه الخبير إلى إمكانية استخدام مطهّر فطري، كما شدد على عدم رش منشطات نموّ، للإسراع في عملية التنبيت الأخضر بصورة غير طبيعية، ما يؤدي إلى تنبيت ضعيف ورفيع وتكوين سيقان أطول وأرفع من الطبيعي، وتالياً أكثر ضعفاً، ما يؤثر بشكل سيئ على الإنتاج.

وفي سياق متصل، يتحدث المهندس الزراعي هشام السياغي، إلى رصيف22، عن أهمية المياه كأحد العوامل المحددة لإنتاج البطاطس في المناطق القاحلة وشبه القاحلة.

ويشرح: "في زراعة البطاطس، عادةً ما يتم الري على شكل رشاش أو بالتنقيط أو التسرب في الفراغات المتكونة بين صفوف الزراعة، أو باستخدام أشرطة بلاستيكية على الحافات، ويعتمد اختيار نظام الري على الظروف المناخية لكل منطقة، والرياح السائدة وسرعتها وخصائص الحقل والتربة وكذلك مرافق المزارع وقدراته"،

لكن النقطة المهمة في هذا الصدد، كما يقول، هي أن نظام الري يجب أن يوفر كمية المياه التي يحتاجها النبات في مراحل النمو المختلفة ومن دون أن يواجه الإجهاد والنقص، ويختم بالقول: "البطاطس نبات حساس بصورة كبيرة تجاه الجفاف المائي ودرجات الحرارة المرتفعة الناتجة عن التغير المناخي، فلا بد من الاهتمام به بشكل كبير".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard