"العلاج كلّفني راتبي الشهري"... "اليرقان" مرض يلازم مدينة طرابلس اللبنانية

الاثنين 29 أغسطس 202201:50 م

أن تسمع بمرض اليرقان في دول العالم الثالث، فقد يكون ذلك أمراً طبيعياً. لكن أن يتكرر هذا الأمر أكثر من مرة خلال أشهر قليلة في بلد كلبنان، وفي عاصمة الشمال طرابلس، فهذا يعني أننا على أبواب كارثة صحية وبيئية.

ففي الأشهر الفائتة، سُجلت عشرات حالات اليرقان بين أهالي طرابلس، وتناقلت كثير من وسائل الإعلام هذا الحدث على أنه خبر عادي، ومرّ مرور الكرام، لكنه ليس كذلك أبداً، خصوصاً في ظل عجز المواطنين والمؤسسات الضامنة عن تغطية نفقات الاستشفاء، وعدم وضع حل جذري لتفشي المرض بين الناس، وهو ناتج عن تلوث المياه في المقام الأول.

ضحايا اليرقان

نسرين مرعب، ابنة مدينة طرابلس، تحدثت إلى رصيف22، عن معاناتها مع اليرقان، ولفتت إلى أن العوارض بدأت تظهر عليها منذ بداية تموز/ يوليو الفائت، فشعرت بالتعب والإرهاق والسخونة، ولم يخطر ببالها أن يكون السبب هو اليرقان، خصوصاً أنها لا تستعمل مياه الصنبور للشرب.

في الأشهر الفائتة، سُجلت عشرات حالات اليرقان بين أهالي طرابلس.

تقول السيدة: "بعد خمسة أيام بدأت تتطور الحالة، فانهارت قواي ولم تعد لدي طاقة، ولم أستطع أن أكمل عملي، وصرت أغطّ لوقت طويل في حالة من النوم العميق، وبدأت تظهر لدي حساسيّة وأوجاع شديدة، ولم ينفع معي أي دواء مضاد للحساسيّة".

توجّهت نسرين إلى طبيب في المدينة، أكّد لها أنها أصيبت باليرقان وانتهت منه، وأنها ليست بحاجة إلى علاج استثنائي، وتضيف: "عانيت من عدم كفاءة الأطباء الأمر الذي فاقم الموضوع، الطبيب الأول قال لي إني أصبت باليرقان وانتهيت منه، لأكتشف عند طبيبٍ آخر أني بدأت للتو باليرقان، بالإضافة إلى أن الطبيب الأول أعطاني مضادات التهاب وهو ما انعكس سلباً عليَّ وزاد الأمور سوءاً، لأن هذه الأدوية تؤثر على الكبد ولا تناسب مرضى اليرقان".

لم يصف الطبيب الثاني دواءً لنسرين، واكتفى بأن ينصحها بالإكثار من شرب المياه، وهنا كانت صحّتها تتدهور أكثر فأكثر، ووصلت الأمور إلى أنها لم تنم لليالٍ طوال، وعلقوا لها مصلاً لساعات عدة، لكن ذلك لم يعد ينفع. "بعد ذلك احتجت إلى دخول مستشفى لأعلق المصل طوال اليوم، وبقيت أربعة أيام حتى خضعت للعلاج اللازم وبدأت أستعيد عافيتي تدريجيّاً"، تضيف.

يُذكر أن تكاليف العلاج مرتفعة جدّاً بسبب انهيار العملة اللبنانية، وفي هذا السياق أكّدت مرعب أن علاجها كلّفها راتبها الشهري البالغ سبعة ملايين ليرة لبنانية (قرابة مئتين وثلاثين دولاراً)، ما بين معاينات الأطباء وثمن الأدوية اللازمة للعلاج، فأقل دواء سعره خمسمئة ألف ليرة لبنانية، في المقابل تبلغ التعرفة الطبية أقله 500 ألف ليرة وتصل أحياناً إلى المليون ليرة عند بعض الأطباء في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وذلك في حين لا يتجاوز متوسط الرواتب اليوم في لبنان مليونين ونصف المليون ليرة.

طرابلس تضم أكبر مكبٍّ للنفايات على الشاطئ، ما يعني أن مياه البحر ملوّثة حتماً، والأخطر من ذلك هو اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، وهذا يساهم بشكل كبير في انتشار اليرقان، أضف إلى ذلك أن العائلات الفقيرة لا تمتلك ثمن أدوية تنظيف لتطهّر المياه والمنازل

حكاية نسرين مع اليرقان يعاني منها العشرات يوميّاً، وفي أثناء إعداد التقرير صادفتنا حالة م. م.، ابنة العشر سنوات، وقد أكد والدها في حديثه إلى رصيف22، مكوث ابنته لساعات في سيارته لتعذر وجود غرف عزل في المستشفيات الحكومية والخاصة في طرابلس، وقال: "ليست لدي مشكلة في كلفة العلاج، المهم أن أجد غرفةً منعزلةً لابنتي لأن صحّتها تتدهور".

أسباب المرض وعوارضه

الطبيبة المتخصصة في الأمراض الجرثومية رولا عطوي، أكدت في حديث إلى رصيف22، أن اليرقان مرض مرتبط بالكبد ويحدث لأسباب فيروسية، وفي حالة لبنان اليوم فإن اليرقان ناتج عن فيروس هيباتيتيس A، وهو يأتي بشكل أساسي من المياه الملوثة، إذ إن شرب هذه المياه أو غسل الخضروات أو الفاكهة بها سيؤدّيان إلى الإصابة.

أما عن عوارض المرض فتشرح الطبيبة عطوي: "في البداية هناك فترة حضانة للمرض من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، يأتي بعدها الشعور بالوهن وارتفاع الحرارة، تليها آلام في المعدة وغثيان، وأحياناً يترافق ذلك مع حكّة جلديّة"، وتضيف أن نسبةً ضئيلةً جدّاً من هذا النوع تؤدي إلى الوفاة، في حال تطوّر الحالة لدى المصاب من دون تلقّي العلاج المناسب.

تواصل رصيف22، مع أحد الأطباء المعالجين في مستشفيات طرابلس، وقد فضّل عدم ذكر اسمه، وأكّد وجود الكثير من حالات اليرقان في المدينة، ويتم تأمينها في المستشفيات الحكومية وفق قدرتها الاستيعابية.

ويشير الطبيب إلى ضرورة اتخاذ إجراءات احترازية من قبل الناس، ويقول في هذا الصدد: "من خلال معاينتي للمرضى في المستشفيات، شاهدت مريض اليرقان محاطاً بأفراد عائلته في غرفته، بالرغم من التحذيرات والإرشادات التي يعطيها الطاقمان الطبي والتمريضي للمرضى وعائلاتهم. على الناس ألا يستهتروا بصحتهم وصحة من يحيطون بهم، فمريض اليرقان يجب أن يُعزل، وهذا أحد أسباب تزايد أعداد المرضى تدريجياً".

شرب المياه الملوثة أو غسل الخضروات أو الفاكهة بها سيؤدّيان إلى الإصابة.

تلوّث كارثي

أستاذ القانون البيئي الدكتور عامر طرّاف، وفي حديثه إلى رصيف22، قال إن مرض اليرقان يذكّرنا بالحربين العالميتين الأولى والثانية عندما تلوّث الهواء والماء والغذاء، وتفشّت هذه الظاهرة في العديد من الدول، وكانت تُعرف باسم مرض الصفيرة، واليوم عاد هذا المرض ليظهر من جديد في العديد من المناطق اللبنانية وأوّلها طرابلس.

ويلفت طرّاف إلى أن طرابلس تضم أكبر مكبٍّ للنفايات على الشاطئ، ما يعني أن مياه البحر ملوّثة حتماً، والأخطر من ذلك هو اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، وهذا يساهم بشكل كبير في انتشار اليرقان، أضف إلى ذلك أن العائلات الفقيرة لا تمتلك ثمن أدوية تنظيف لتطهّر المياه والمنازل من الجراثيم، وتشير تقديرات إلى أن 30% من سكان طرابلس يعانون من الفقر المدقع، وأكثر من 60% من السكان يعيشون عند خط الفقر.

وأكّد طرّاف أن الآبار الجوفية ملوّثة والناس تشرب منها، كما أن المزروعات تُروى من مياه الصرف الصحي أو المياه الملوثة، ونهر أبو علي الذي يعبر طرابلس يعاني من نسبة تلوث كبيرة تبلغ 300%، وكل هذا التلوث يأتي من رمي الأوساخ والنفايات والمواد الكيميائية غير المعالجة في الأماكن الحيوية، وهذا يؤدي إلى ظهور اليرقان.

أكّدت مرعب أن علاجها كلّفها راتبها الشهري البالغ سبعة ملايين ليرة لبنانية، ما بين معاينات الأطباء وثمن الأدوية اللازمة للعلاج، فأقل دواء سعره خمسمئة ألف ليرة، في المقابل تبلغ التعرفة الطبية أقله 500 ألف ليرة وتصل أحياناً إلى المليون ليرة في ظل غياب الرقابة والمحاسبة

تواصل رصيف22، مع عضوة المجلس البلدي لمدينة طرابلس رشا سنكري، وأكّدت أن البلدية أجرت لقاءات عدة مع وزارة الصحة والمنظمات الدولية، منها اليونيسف ومفوضية اللاجئين، ومؤسسة مياه لبنان الشمالي وبلدية الميناء ووحدة الحد من الكوارث في محافظة الشمال لحصر انتشار اليرقان، إذ يجري التنسيق لمراقبة سلامة المياه والعمل على توعية المواطنين، وتوزيع مواد مساعدة للحد من انتشاره.

المعالجات

لا بد من أن تلعب الحكومة دورها في الحد من انتشار المرض ومعالجة أسبابه، فغض الطرف عن هذه الكارثة البيئية والصحيّة يُعدّ جريمةً مستمرةً، وفي هذا السياق يؤكّد طرّاف ضرورة أن تقوم وزارتا البيئة والصحة بواجباتهما، إذ يجب إعلان حالة طوارئ صحيّة لمعالجة هذه الكارثة، عبر إزالة التلوث من المياه والتربة، وتأمين غرف العزل اللازمة والأدوية الضرورية لمعالجة المرضى، معوّلاً على دور الجمعيات الخيرية والناشطين في مؤازرة أهالي طرابلس في هذه الأزمة الصحيّة الصعبة.

ويقول: "نحن بحاجة إلى معالجة جذرية، نتمنى أن تأخذ الحكومة حماية الناس من التلوث على قدرٍ عالٍ من المسؤولية، فهذا الأمر له تداعيات خطيرة على صحّة الناس".

نتمنى أن تأخذ الحكومة حماية الناس من التلوث على قدرٍ عالٍ من المسؤولية.

وحذّر طرّاف من خطورة الوضع خصوصاً أن إمكانيات الدولة اليوم ضعيفة جدّاً والبلد مشلول، فالمطلوب معالجة أسباب التلوث من جذورها، عبر معالجة مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة، وإصلاح شبكات المياه وشبكات الصرف الصحي لتجنب تسرب الملوثات إلى المياه المستخدمة، والحدّ من المكبّات والمطامر القريبة من مصادر المياه والمناطق السكنية، فأكبر مكب في لبنان اليوم هو في منطقة البحصاص في طرابلس، ويعاني الأهالي ليلاً ونهاراً من الروائح الكريهة المنبعثة منه.

كما دعا إلى تعميم الوعي بين المواطنين للمحافظة على مصادر المياه وعدم تعريضها للتلوث حتى لا ترتد عليهم بالسوء، بدءاً من محاولة الابتعاد عن السكن قرب منابع المياه، ومنع رمي النفايات والمخلفات البشرية ومياه الصرف الصحي في الأنهار ومعالجتها بالطرق العلميّة، ومنع حفر الآبار العشوائية، فالخطورة ليست فقط في طرابلس بل كل المناطق اللبنانية معرّضة لتفشي المرض.

ويُظهر مرض اليرقان مدى ردّة الفعل السريعة للطبيعة تجاه العبث بها، فعشرات الأمراض أثبتت الدراسات أنها مرتبطة بشكل مباشر بالتصرفات البشريّة والتي غالباً ما تكون سلبيّةً تجاه الطبيعة والبيئة ومكوّناتها. والخطوة الأولى في مشوار انحسار الأمراض والأوبئة تبدأ من إعادة التوازن البيئي وحماية المصادر الطبيعية من أي ملوثات، وإلا سنبقى نعيش في دوّامة الأوبئة والأمراض التي لن تنتهي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard