"نسيت طعم المياه الحلوة في منزلي"... مياه البحر "تُغرِق" بيوت البيروتيين

الثلاثاء 17 مايو 202201:51 م

"تعلّمنا في المدارس أن لبنان بلد الماء، غنيّ بثروته المائية الموجودة تحت الأرض، لكننا لم نتنعّم بهذه النعمة الربّانية، لأن الدولة والشعب، لا يستحقان أي نعمة"، يقول حسن حيدر، أحد ساكني منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيراً إلى أن مشكلة الماء في منزله تنقسم إلى قسمين، الأول ملوحتها، والثاني اضطراره إلى شراء المياه النظيفة من أصحاب الصهاريج.

لا يتذكر حسن الذي يبلغ من العمر 34 عاماً، ويعمل في المجال الصحافي، "طعم" المياه الحلوة في منزله، فالبئر التي يستفيد منها مالحة كل الوقت، وهو ما يتسبب بأضرار جسدية كالحساسية في الجلد، ومادية متمثلة في المصروف الكبير لشراء مياه الشرب واستعمالها في غسيل الفواكه والخضار. ومن مساوىء المياه بحسب حسن، تسببها بمشكلات في التنظيف، إذ تترك أثراً على البلاط، ويضطر إلى تغيير الصنابير والأنابيب كل سنة أو سنة ونصف، بالإضافة إلى الحاجة الدورية إلى تنظيف سخان المياه بسبب الترسبات التي تتركها المياه.

مشكلة الماء تنقسم إلى قسمين، الأول ملوحتها، والثاني الاضطرار إلى شراء المياه النظيفة من أصحاب الصهاريج.

في منطقة بيروت قد يكون الوضع أفضل بقليل عندما تكون مياه "الدولة" حاضرةً، إلا أن الملح يكون الطعم الغالب في معظم الأحيان، وبحسب محمود حمود الذي يسكن في منطقة تلة الخياط، فإن اللبنانيين في هذه المناطق اعتادوا على هذا الأمر. يقول: "بعد الاستحمام نشعر وكأننا على البحر، فالملح يظلّ ظاهراً على أجسادنا، وكأننا لم نستحم".

مصادر المياه "الحلوة" لبيروت وضواحيها

تتغذى بيروت وضواحيها من مياه مؤسسة "مياه بيروت وجبل لبنان"، التي تعتمد بشكل أساسي على محطة الديشونية في بعبدا التي تتغذى من نبع الديشونية في المتن، بالإضافة إلى مصادر ثانوية من بعض الآبار في الديشونية، وآبار في مناطق أخرى مثل البئر في منطقة غاليري سمعان.

وبسبب النقص في هذه المياه، تبحث مؤسسة المياه عن مصادر جديدة قد يكون أبرزها مشروع جرّ مياه نهر "الأولي" من الجنوب إلى بيروت، وهو أمر تعرقل جرّاء الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان، ومشروع السدود مثل سد جنة، وسد بسري الذي تمت عرقلته أيضاً بسبب الاعتراضات عليه.

كل هذه المشكلات دفعت المواطنين لتغطية النقص في المياه من خلال حفر الآبار لاستغلال المياه الجوفية، وهو ما أدى إلى نقص في المياه الحلوة، وظهور المياه المالحة في الآبار.

من أين يأتي الماء المالح؟

يؤكد المدير العام لمؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان المهندس جان جبران، أن الموسم المطري هذا العام كان ممتازاً، وهو ما أدى إلى توافر المياه في مصادرها، كما تفجّرت ينابيع كثيرة، ما يعني أن المياه التي يُمكن توزيعها على المناطق التي تتغذى من مياه المؤسسة كثيرة، إنما المشكلة في القدرة على النقل، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً.

لا يتذكر حسن "طعم" المياه الحلوة في منزله، فالبئر التي يستفيد منها مالحة كل الوقت، وهو ما يتسبب بأضرار جسدية كالحساسية في الجلد، ومادية متمثلة في المصروف الكبير لشراء مياه الشرب واستعمالها في غسيل الفواكه والخضار

بالعودة إلى ملوحة مياه الآبار الجوفية، يشرح جبران لرصيف22، قائلاً إن الأمر يضرب كل الآبار المنتشرة على الساحل اللبناني، والقريبة منه، وبالأخص في مدينة بيروت وضواحيها حيث الكثافة السكانية كبيرة ومصروف المياه يزداد عاماً بعد عام، والسبب ببساطة هو انخفاض منسوب المياه العذبة في الآبار عن مستوى مياه البحر.

ويضيف: "كلما كثُر السَحب من الآبار الجوفية، كلما دخلت مياه البحر إليها أكثر، وهذا الأمر يحصل عادةً في فصل الصيف بعد أن تكون الآبار قد امتلأت بالقليل من الماء خلال فصل الشتاء، وبسبب زيادة المصروف أيضاً خلال أيام الحر".

في الأعوام الأخيرة، لم يكن يحتاج المواطن البيروتي إلى انتظار فصل الصيف لتذوق المياه المالحة، خاصةً أن مصروف الآبار الجوفية ارتفع بشكل كبير مع شحّ المياه التي توزعها مؤسسة المياه بسبب عدم قدرتها على نقل الماء وتوزيعه بشكل دائم لعدم توفر الكهرباء ومادة المازوت لتشغيل المولدات.

ويلفت جبران النظر إلى أن مشكلة المياه اليوم لا تكمن بتوفرها بل بقدرة المؤسسات على نقلها، لكن برأيه ليس هذا السبب الوحيد للاستهلاك الكبير للمياه الجوفية، مشدداً على أن أصل المشكلة هي العشوائية في حفر الآبار، وعدم مراعاة القوانين والأصول في استخدام هذه الثروة المائية.

أضرار المياه المالحة

عندما وصل سعر "نقلة" المياه الصغيرة في بيروت (خمسة براميل أي ما يُعادل 1،000 ليتر من الماء)، إلى 150 ألف ليرة أو ما يُعادل اليوم أربعة دولارات، لم يعد مازن، وهو شاب في نهاية العقد الثالث من عمره ويسكن في منطقة الشياح، يستطيع شراءها، علماً أن عائلته المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى "نقلة" كل ثلاثة أيام، وتالياً تحتاج إلى مليون ونصف مليون ليرة شهرياً، أي ما يُعادل ضعفي الحد الأدنى للأجور في لبنان البالغ 657 ألف ليرة شهرياً، لذا وصل به الأمر أحياناً إلى استخدام المياه المالحة في الطبخ، فهل تؤثر المياه المالحة على صحة الإنسان؟

لا يؤثر الملح على الصحة في حال لم تُشرب المياه، يقول طبيب الأمراض الجرثومية جاك مخباط، مشيراً إلى أن الخطر يكمن في أن المياه المالحة المتسربة إلى المياه الجوفية هي مياه ملوثة.

صور من منزل حسن حيدر - خاص رصيف22

ويضيف شارحاً لرصيف22: "عندما يصل الملح إلى المياه العذبة الجوفية، فهذا يعني أن مياه البحر قد دخلت إليها، ومن المعروف أن مياه البحر في لبنان ملوثة وتحوي الكثير من المواد المعدنية الثقيلة كالزئبق والرصاص، وهذا ما قد يؤثر على صحة الإنسان على المدى البعيد إذا دخلت المياه الى الجسم، مسببةً أمراضاً تتعلق بالعظام والكلى".

يُشير مخباط إلى أن التربة التي تفصل مياه البحر عن المياه الجوفية تساهم في تنقية المياه الملوثة بالجراثيم الموجودة في المجارير، وتالياً في حال لم يحصل التواصل المباشر بين مياه البحر والمياه الجوفية، فإن الجراثيم، كالحمى والتفوئيد، لا تنتقل كما الفيروسات التي تسبب إسهالات حادةً، أما في حال تسربت المياه الآسنة إلى المياه الجوفية فهنا تصبح الكارثة كبيرةً جداً.

الآبار الجوفية... السياسية

لا يجب أن نستغرب عندما تتحول مياه الآبار الجوفية في بيروت وضواحيها إلى حُفر مياه مالحة تصلح لتربية الأسماك لا للاستعمال الشخصي، وربما لا تعيش فيها الأسماك بسبب تلوثها، فعندما تُحفر الآبار بطريقة عشوائية، لا شرعية ولا قانونية، لا يمكن أن تكون النتيجة مختلفةً.

البئر التي تدخل إليها المياه المالحة يجب إقفالها إلى حين إعادة تغذيتها بالمياه العذبة.

بحسب مستشار سابق في وزارة الطاقة والمياه، التي يُفترض أنها المسؤولة عن إعطاء التراخيص لحفر الآبار، فإن هذا الملف كان لسنوات طويلة قبل اتفاق الطائف وبعده، ملفاً للفساد والرشاوى والتنفيعات، كاشفاً أن أكثر من 28 ألف بئر حُفرت في لبنان في الفترة ما بعد الحرب الأهلية وحتى العام 2010 من دون ترخيص، ومقابل مبالغ مالية وصلت في بيروت إلى 10 آلاف دولار أحياناً مقابل البئر، ونسبة لا بأس بها من هذه الآبار الموجودة في بيروت وضواحيها حُفرت في السنوات العشرين الأخيرة، مع ازدياد حجم العمران، وهو ما استنفد المياه الجوفية بشكل سريع.

هناك دراسات عديدة حول أعداد الآبار الجوفية في لبنان، خاصةً تلك التي لم تستحصل على ترخيص لحفرها، وبحسب دراسة عام 2013 للدكتور كليب كليب، عن الأمن المائي، يوجد في بيروت وضواحيها 10 آلاف بئر. ووفق دراسات أخرى هناك ما يزيد عن 60 ألف بئر غير شرعية في لبنان.

اليوم، وبحسب المستشار السابق والذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن قانون المياه الذي صدر عام 2018، والذي يسعى إلى ترشيد الموارد المائيّة واستغلالها وحمايتها من الاستنزاف والتلوث، وعدّ المياه في جميع أشكالها ثروةً وطنيّةً تجب المحافظة على جودتها، لا يزال في انتظار إصدار المراسيم التطبيقية لتنفيذه، وتالياً كل هذا التأخير يهدف إلى إبقاء الملف من دون رقابة وهو ما يؤدي إلى خسارة لبنان ثروته المائية، التي يُفترض أن تصبح أهم من النفط في الأعوام المقبلة.

يشرح المستشار أن عمليّة منح التراخيص لحفر الآبار صدرت قبل 12 عاماً، وشهدت تشدّداً أكثر في عمليّة الترخيص، إنما المشكلة تكمن دائماً في تدخّل جهات لا علاقة لها بإصدار التراخيص، ومنحها لمن لا يستحقها لأهداف مالية وسياسية.

عندما يصل الملح إلى المياه العذبة الجوفية، فهذا يعني أن مياه البحر قد دخلت إليها، ومن المعروف أن مياه البحر في لبنان ملوثة وتحوي الكثير من المواد المعدنية الثقيلة كالزئبق والرصاص، وهذا ما قد يؤثر على صحة الإنسان على المدى البعيد

إغلاق البئر وانتظار الشتاء

يؤكد جان جبران، أن البئر التي تدخل إليها المياه المالحة يجب إقفالها إلى حين إعادة تغذيتها بالمياه العذبة، مشدداً على أن لا حلّ للبئر بعد أن تدخل إليها المياه المالحة سوى انتظار الشتاء لإعادة رفع منسوب المياه العذبة داخلها، ليتمكن صاحبها من إعادة استعمال المياه الحلوة فيها، وهذا أمر قد لا يتمّ بين عام وآخر بسبب طبيعة الأرض في هذه المنطقة، حيث الطبقات الصخرية تُعدّ مانعةً للتخزين، إنما يمكن استعمال البئر لستة أشهر وإقفالها لستة أشهر كل عام لحماية مخزونها.

هناك دول عديدة تعتمد على محطات تحلية المياه المالحة، إنما بالنسبة إلى جبران فإن الحل يكمن بدايةً في فرض قواعد صارمة على استعمال المياه الجوفية وتطبيقها، وآلية حفر الآبار والتراخيص اللازمة، والشروط المفروضة، لأن محطات التحلية إنشاؤها وتشغيلها مكلفان، من دون أن يعني هذا عدم إنشاء محطات تحلية صغيرة في المناطق، على غرار تلك التي أُنشئت في بلدة الحدت في بيروت، وتم تشغيلها في صيف 2018، من أجل البحث عن مصادر جديدة للمياه، وهو ما كان يُفترض أن يحصل قبل الأزمة الاقتصادية أيضاً في برج البراجنة في بيروت، لتحلية مياه الآبار الجوفية قبل توزيعها على السكان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard