مأكولات ريفية ومنتجات يدوية ومشي في الطبيعة... هكذا يصنع سوريون سياحتهم البيئية

الثلاثاء 26 يوليو 202202:55 م

في منطقة الدالية في ريف مدينة جبلة الساحلية السورية، حيث الطبيعة العذراء، تجمعت سيدات قادمات من العاصمة دمشق، وهن ممتلئات بالشغف للحصول على قطع الصابون الخاصة بهن، والمصنوعة من الغار الممزوج بالحرير.

قبل قدومهن بفترة، حرصت السيدات على طلب الصابون وإرسال شرانق الحرير اللازمة لصناعته، كي يكون جاهزاً حين وصولهن، والشرانق حصلن عليها من منطقة سورية أخرى، هي دير ماما في ريف حماه، ويمتهن غالبية أهلها صناعة الحرير، كما تضم متحفاً خاصاً بهذه المهنة. وكانت السيدات، وهن فريق خاص بالسياحة الريفية، قد تعرفن على المتحف وصناعة الحرير في جولة لهن سابقة.

فكرت ناديا حلمي في سياحة بيئية ريفية تنموية تقوم على فكرة دعم سكان المناطق الريفية.

قبل قرابة أربع سنوات، أسست المهندسة المعمارية المتقاعدة ناديا حلمي، فريق "السياحة الريفية"، إذ إنها تعشق الطبيعة والحياة الريفية وهي المقيمة منذ الولادة في المدينة، وتشعر دائماً برغبة في الحياة مع سكان الريف والإقامة في بيوتهم بين الطبيعة، وتناول طعامهم بعيداً عن أجواء المطاعم والفنادق، لذلك فكرت في سياحة بيئية ريفية تنموية تقوم على فكرة دعم سكان المناطق الريفية من خلال استئجار منازل هناك، وشراء طعام من صنع سيدات تلك المناطق، وأيضاً المنتجات الريفية التي يصنعنها كصابون الغار، ومنتجات الألبان، بالإضافة إلى المربيات الشهية.

تقول ناديا، لرصيف22، إن أول نشاط نفذته كان بصبحة ثلاث سيدات بينهن سيدة ألمانية مقيمة في دمشق وتحب الأرياف السورية. توجه الفريق الصغير إلى ريف البهلولية في محافظة اللاذقية الساحلية، وكانت الخطة التعرف على كيفية صناعة دبس الرمان، والمشاركة في هذه التجربة. "لم أكن أعرف كيف يُصنع هذا الدبس، لكن خلال رحلتنا تعرفت على كل مراحل هذه الصناعة، وشاركنا في عصر الرمان بأيدينا، ولم نستخدم أي آلة، كي نحصل في النهاية على طعم ساحر لم نذق مثله قبلاً، ومنذ ذلك الوقت لم أعد قادرةً على شراء أي منتج ريفي، إلا من مصدره الأساسي، وفي كل مرة نختار صنفاً معيناً نسافر لمتابعة تنفيذه ثم الحصول عليه".

بعد سنوات عدة من الجولات أصبح الفريق الذي ازداد عدده يملك معارف في غالبية المناطق السورية، وتربطه بها علاقات تشبه الأسرة الواحدة، وتتذكر ناديا بحنين أول زيارة نفذتها إلى منطقة الدالية حيث استقبلتهن مضيفاتهن بالترحاب الشديد وكأنهن يعرفنهن منذ زمن بعيد، ووفرن لهن إقامةً مريحةً في أحد بيوت المنطقة، واستمتعن بالطعام اللذيذ ولهذا كررن الزيارة مرات كثيرة.

من أنشطة فريق "السياحة الريفية"

مسارات بيئية وريفية

الصدفة وحب البيئة والريف جمعا ناديا حلمي، مع سحر حميشة، وهي رئيسة "الجمعية الوطنية لإنماء السياحة في سوريا"، فتشاركتا في العديد من النشاطات، ووفرت حميشة سبل الاتصال مع سكان الأرياف كي تتمكن السيدات في فريق "السياحة الريفية" من الحصول على بيوت للاستئجار، خاصةً في المناطق غير السياحية التي لم يعتَد سكانها تأجير بيوتهم للسياح.

تمتلك الجمعية التي أسستها سحر في اللاذقية عام 2012، اهتمامات بيئيةً ومجتمعيةً كثيرةً، وهي تفكر أيضاً في دمج السياحة مع البيئة المحلية ومساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة. تقول لرصيف22: "حين قررت تأسيس الجمعية، وكانت الحرب في بدايتها في سوريا، لم يقتنع أحد بالأمر، ومن اشترك معي فعل ذلك من باب الصداقة، وكانت أول مبادرة نفذناها إحياء التراث والصناعات التراثية، فدخلنا عالم الأنوال والحرير، وأسسنا أول ورشة نول تراثي تصنع بسطاً صوفيةً وقطنيةً، كما شجعنا على تربية دودة القز المنتجة للحرير، ونظمنا معارض فنيةً، وحملات تنظيف بيئيةً وحملات تشجير".

تم التشبيك مع الأهالي ليستقبلوا المجموعات السياحية في منازلهم كضيوف ليعيشوا أجواء الريف، كما يتم التسوق من المنتجات الريفية، وهذا بدوره يساعد الأهالي في تحسين وضعهم وتطوير أنفسهم ويفتح لهم آفاقاً جديدةً ويخلق جواً اجتماعياً يقرّب الناس من بعضهم

يتم التشبيك مع الأهالي ليستقبلوا المجموعات السياحية في منازلهم كضيوف ليعيشوا أجواء الريف، وفي المقابل تكون التكلفة أرخص على المشاركين من النزول في الفنادق، فضلاً عن غياب الفنادق في بعض المناطق، كما يتم التسوق من المنتجات الريفية، وهذا بدوره يساعد الأهالي في تحسين وضعهم وتطوير أنفسهم ويفتح لهم آفاقاً جديدةً ويخلق جواً اجتماعياً يقرّب الناس من بعضهم البعض

تهتم الجمعية بشكل خاص بالمسارات البيئية والريفية، وتتحدث سحر بشغف عن مسير في ريف طرطوس، بدايته من عمريت للتعرف على آثارها، ثم دريكيش وحصن سليمان، ومنه في اتجاه غابة النبي متى ومزرعة الخيول، ثم نزولاً في اتجاه مغارة بيت الوادي. وتضيف: "في كل مسار نستغل حدثاً معيّناً، ففي منطقة الدالية استثمرنا موسم زيت الغار، وعاش الفريق أجواء استخراج الزيت وصناعة الصابون وتسوقوا منه، وكان لنشاطنا أثر في ارتفاع المبيعات وازدياد اهتمام الجهات الرسمية بالمنطقة، وخلال موسم الكرز سلّطنا الضوء على مناطق المنيزلة وحلبكو في اللاذقية، وفي موسم المشمش اتجهنا إلى ربلة على الحدود السورية اللبنانية، وفي موسم النارنج نفّذنا رحلةً لصناعة مربى النارنج في منطقة البهلولية".

وعن كيفية اختيار المسارات، توضح أنها تتم من خلال جولات استكشافية فردية أو جماعية، فيقررون خط المسير وعادةً يشمل أكتر من محطة أو مشهد سياحي أو ثقافي متل القلاع وأودية الأنهار، ويتم التشبيك مع الأهالي ليستقبلوا المجموعات السياحية في منازلهم كضيوف ليعيشوا أجواء الريف، وفي المقابل تكون التكلفة أرخص على المشاركين من النزول في الفنادق، فضلاً عن غياب الفنادق في بعض المناطق، كما يتم التسوق من المنتجات الريفية، وهذا بدوره يساعد الأهالي في تحسين وضعهم وتطوير أنفسهم ويفتح لهم آفاقاً جديدةً ويخلق جواً اجتماعياً يقرّب الناس من بعضهم البعض، ومن نشاطاتهم لتعزيز هذا النوع من السياحة، تنفيذ نادٍ صيفي للأطفال في الريف ركزوا فيه على مفهوم السياحة البيئية.

وتختم المتحدثة باستذكار مسير وصفته بأنه من أجمل ما نفذته الجمعية لأنه مليء بالإثارة والجمال، وهو مسار الشيخ عيسى وقلعة صلاح الدين، إذ شمل مجرى نهر يضم تشكيلات صخريةً مذهلةً وطواحين قديمةً، وفي جزء منه يجب المشي ضمن الماء، والختام يكون بزيارة لقلعة صلاح الدين، وقيّمت صعوبته بتسع درجات من عشرة، فهو يحتاج إلى قدرة بدنية عالية، ولكنه ممتع حسب وصفها.

نشر الوعي البيئي

في طرطوس، تنشط مجموعة من المتطوعين لخلق سياحة ونشاطات بيئية، فقد أسسوا جمعية "سنديان"، عام 2020، بعد سنوات من العمل والنشاط في مجال الزراعة والبيئة، وتقول سهاد علي، رئيسة مجلس الإدارة في الجمعية، لرصيف22، إن واقع السياحة البيئية في البلد يُعدّ سيئاً، ولا يمكن القول إنها موجودة أصلاً في سوريا، وهي عبارة عن تجارب فردية لا تحقق شروطها الكاملة، وازاد الأمر مع تراجع الوضع الاقتصادي وعدم قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم اليومية حتى يفكروا في السفر.

وعن كيفية اختيار أماكن الفعاليات التي يمارسونها، توضح سهاد، أن الأمر يرتبط بنوع النشاط، ففي حملات التشجير مثلاً يركزون على موقع واحد، يقومون فيه بحملات عدة كموقع التفاحة التابع لدريكيش، ويكون ذلك بالاتفاق مع وزارة الزراعة بحيث يكون مُدرَجاً ضمن خطة التشجير، ويكون قريباً نوعاً ما وفيه مجمل الخدمات الأساسية، كي لا يحمل الفريق أعباء ماليةً كبيرة.

من أنشطة جمعية "سنديان"

وعن نشاط المسير، تقول سهاد: "نختار المنطقة ذات الأهمية، كأن تكون موقعاً حرجياً مميزاً بأنواع نباتية معيّنة أو غنياً بالتراث الحيوي، أو بالآثار أو الينابيع، وأحياناً في المكان الواحد نحدد مسارات عدة لتنفيذها، وقد يتغير المسار بحسب الفصل والطقس، كما تجهّز الجمعية مبيتاً في بعض الأحيان"، ومن أبرز المناطق التي اختارتها الجمعية المحميات ضمن طرطوس، والغابات.

وتملك الجمعية أهدافاً مثل نشر الوعي البيئي والمفاهيم البيئية السليمة والمساهمة في مكافحة التلوث والمحافظة على التنوع الحيوي والحياة البرية وحماية الأنواع النادرة والمهددة، كما تسعى إلى المساهمة في حماية الموارد الطبيعة وزيادة المساحات الخضراء وتجميلها، وغيرها من النشاطات، ويعمل أعضاؤها في سبيل ذلك على أربعة مجالات، تشمل الندوات وحملات النظافة وحملات التشجير ورحلات المشي في الطبيعة، وقد قرروا زراعة حديقة طرطوس بالنباتات المحلية كي يعززوا الاهتمام بالأنواع البيئية السورية في ظل التعديات التي تحدث، خاصةً الحرائق التي تدمر مساحات كبيرةً من الثروة الحرجية.

تملك الجمعية أهدافاً مثل نشر الوعي البيئي والمفاهيم البيئية السليمة والمساهمة في مكافحة التلوث والمحافظة على التنوع الحيوي والحياة البرية وحماية الأنواع النادرة والمهددة، كما تسعى إلى المساهمة في حماية الموارد الطبيعة وزيادة المساحات الخضراء وتجميلها

الدكتور علي جوهرة (31 سنةً)، وهو المختص بالهندسة الزراعية، من المشاركين الدائمين في أنشطة "سنديان"، وقد ازداد اهتمامه بهذا النوع من النشاط البيئي أكثر بعد تعرض الغابات في سوريا للحرائق. يقول لرصيف22: "لو زرع كل شخص شجرةً سيحدِث فرقاً لكن للأسف هذه الثقافة غير موجودة"، ويضيف أن الطبيعة هي المجال الوحيد بالنسبة له للهروب من ضغوط الحياة واكتساب طاقة إيجابية.

السياحة الخضراء

تختم سحر حميشة، حديثها بالقول: "مفهوم السياحة البيئية واسع جداً ودقيق، وللأسف لسنا قريبين في سوريا من معاييرها، إذ لم أسمع بمنشأة سورية تعتمد مبدأ السياحة الخضراء"، وتتابع قائلةً إن هناك حاجةً كبيرةً إلى توجه جاد من الدولة لدعم هذا النوع من السياحة التي ما زالت حتى اليوم مجرد نظريات وأعمال فردية، أو فرقاً متفرقةً تعتمد على أنشطة المشي بشكل خاص.

والسياحة الخضراء بحسب منظمة السياحة العالمية، هي كافة الأنشطة السياحية المرتبطة بالبيئة واستدامتها في سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، كما عرّفها اتحاد الفنادق الخضراء بأنها "منشآت صديقة للبيئة تطبق البرامج التي توفر المياه، والطاقة، وتقلل من إنتاج المخلفات الصلبة، وتالياً توفر المال لأصحابها وتساعد في حماية البيئة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard