هل يصحّ الحديث عن السياحة في زمن الحرب؟... سوريا مثالاً

الخميس 28 نوفمبر 201902:53 م

"سياحة في سوريا؟". يجيب العديد من أصحاب المكاتب السياحية بدمشق والذين أخصّص يوماً لزيارتهم والحديث معهم عن حال عملهم خلال سنوات الحرب السورية، عن تساؤلي، بسؤال آخر. البعض يستنكر، البعض يضحك، ومنهم من يغضب ويرفض الإجابة، معتقداً بأنني أسخر منه: "شايفة السيّاح ما أكترهم! مليانة البلد سيّاح!"

قد يتناقض هذا الاستغراب وتلك السخرية مع أرقام رسمية صادرة هذا العام عن وزارة السياحة السورية، ومنها ما نشره موقع الوزارة منذ حوالي أسبوعين حول "زيادة حركة القادمين العرب والأجانب إلى سورية بنسبة 47% منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية شهر تشرين الأول 2019 مقارنة بنفس الفترة الزمنية من عام 2018، ومعظمهم من لبنان والأردن والعراق"، وما صرّح به وزير السياحة السوري لواحدة من الصحف المحلية منتصف هذا العام عن "وصول عدد القادمين إلى سوريا في النصف الأول من العام إلى أكثر من مليون زائر مقارنة بحوالي 650 ألف زائر خلال الفترة نفسها من العام الماضي".

لا يمكن بكل الأحوال مقارنة هذه الأرقام بتلك الخاصة بالعام 2010، حيث استقبلت سوريا في النصف الأول من عام ما قبل الحرب ما يقارب أربعة ملايين سائح قادمين بشكل أساسي من البلدان العربية، وعلى رأسها دول الخليج، ومن دول الشرق الأوسط، وأهمّها تركيا وإيران، إضافة إلى الدول الأوروبية والأمريكية، والسوريين المغتربين في شتّى أنحاء العالم. وبلغ عدد السياح نهاية ذلك العام أكثر من ثمانية ملايين ونصف، وشكّلت السياحة حينها حوالي 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا.

السياحة التي عرفناها قبل الحرب شبه متوقفة

إذاً، هو مشهد سياحي مختلف كلياً اليوم عما اعتدنا عليه قبل سنوات الحرب، حين كنا نرى سياحاً شباباً وكباراً في السنّ من مختلف أنحاء العالم، وخاصة من الدول الأوروبية والأمريكية وهم يمسكون في أيديهم كتباً صغيرة بلغات مختلفة تتحدث عن أهمّ المعالم في سوريا ويتجوّلون في شوارع وأزقة مدننا، وحين كانت الحافلات الكبيرة التي تنقل الراغبين بزيارة الأماكن السياحية أو الدينية تجوب البلاد من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وحتى حين كانت السيارات ذات اللوحات التي تشير إلى بلدان عربية مختلفة تملأ شوارعَنا، خاصة خلال فصل الصيف.

يشتكي أصحاب محالّ بيع الهدايا والتذكارات والتحف الشرقية من شبه انعدامٍ لحركة البيع والتسوّق، والتي كانت تعتمد فيما مضى بمعظمها على السياح، "فمَن مِن أبناء البلد سيشتري تحفة ثمينة لمنزلِه وقد انخفضت قيمة العملة السورية لأكثر من خسمة عشر ضعفاً؟"

اليوم، بالكادّ نسمع أي لغة غير العربية حين نسير في الشارع، وقد نصادف أعداداً قليلة جداً من سيّاح عرب قادمين من الأردن أو دول الخليج بعد افتتاح معبر نصيب-جابر البريّ بين سوريا والأردن العام الماضي.

يشتكي أصحاب محالّ بيع الهدايا والتذكارات والتحف الشرقية من شبه انعدامٍ لحركة البيع والتسوّق، والتي كانت تعتمد فيما مضى بمعظمها على السياح، "فمَن مِن أبناء البلد سيشتري تحفة ثمينة لمنزلِه وقد انخفضت قيمة العملة السورية لأكثر من خسمة عشر ضعفاً دون زيادة مقابلة في الدخل الشهري؟"، يطرح كثرٌ من أولئك الباعة تساؤلاتٍ محقّة، قائلين بأن قطاع السياحة هو من أوائل القطاعات التي تضرّرت بالحرب، وقد يكون الأخير بالتعافي من آثارها.

من جانب آخر يتحدث بعض من كانوا يعملون كأدلّاء سياحيين عن اضطرارهم لتغيير مهنتهم بشكلٍ كليّ بعد الشلل الذي أصاب السياحة في سوريا. "عملتُ لمدة خمسة عشر عاماً كسائقٍ ودليل سياحيّ مع العديد من مكاتب السياحة في مختلف أنحاء سوريا"، يقول أبو محمد، وهو رجل ستينيّ.

"لم أترك مكاناً في سوريا لم أزره. وكنا نستقبل السيّاح من مختلف دول العالم، وأفضلهم الأوروبيون سواء في التعامل أو الالتزام بالمواعيد"؛ يضحك الرجل الذي يضيف بأنه انتقل اليوم، كما المئات مثله، إلى العمل كسائق على خطّ دمشق-بيروت، وهو من خطوط النقل القليلة التي لم تتوقّف أثناء الحرب في سوريا. "هي واحدة من المهن التي لا زالت تدرّ أرباحاً معقولة. وبانتظار أن تعود السياحة كما كانت، قد أنتقلُ إلى سنّ التقاعد".

أما أصحاب المكاتب السياحية، فهم من أكثر المتضرّرين أيضاً من توقف حركة السياحة بشكل شبه كليّ. تقول صاحبة مكتب "الشرق السريع" في منطقة الفردوس وسط دمشق بأن عام 2011 شهد إلغاء خمسين مجموعة سياحية كانت تزمع المجيء إلى سوريا، وعنى ذلك خسارتها لحوالي ألف سائح. أما الأعوام التالية فقد كانت مقتلَ عمل المكتب الذي بات فارغاً من الزوّار، إلا فيما ندر.

"رغم ذلك لم نغلق أبوابنا يوماً. اعتمدنا على بيع بطاقات السفر للسوريين رغم المعاناة الكبيرة أيضاً في الحصول على تأشيرات الدخول لمعظم البلدان، ونأمل بحالٍ أفضل في السنوات المقبلة"؛ تقول السيدة الخمسينية التي فضّلت الحديث لرصيف22 باسم المكتب، وليس باسمها الشخصي.

ازدهار لأنماط معينة من السياحة

في مقابل التناقص الكبير في أعداد الراغبين بزيارة الأماكن السياحية في سوريا، والتي لم ينجُ بعضها مثل مدينة تدمر وسط البلاد، ومسرح بصرى جنوبَها، من دمار طال أجزاءً منها أو صعوبة في الوصول إليها نتيجة المعارك الدائرة، استمرّ ازدهار قطاعات سياحية أخرى نتيجة عوامل مختلفة، وعلى رأسها السياحة الطبية والتجميلية، وأيضاً السياحة الدينية.

منتصف العام الحالي، تحدث نقيب أطباء سوريا لإحدى الصحف المحلية عن "ازدهار السياحة الطبية في سوريا مع قدوم الكثير من المرضى للعلاج، حيث تتميّز البلاد بخبرةٍ في مجال الطبّ وكُلفٍ تنخفض بشكل كبير مقارنة بالدول الأخرى".

إضافة إلى ذلك، يشكّل الزبائن العرب، ومعظمهم من البلدان المجاورة أي لبنان والعراق والأردن وأيضاً من بعض دول الخليج، ما لا يقلّ عن عشرين في المئة من مجموع زبائن كثير من مراكز التجميل في مختلف المدن السورية، وذلك وفق تقديرات عددٍ من العاملين في تلك المراكز، حيث يُرجعون ذلك لانخفاض تكاليف هذه العمليات في سوريا لأقلّ من النصف مقارنة بأيّ دولة أخرى، إضافة إلى تمرّس الأطباء السوريين بها، خاصة بعد الخبرة التي اكتسبوها خلال سنوات الحرب بمجال عمليات التجميل اللازمة بعد الإصابات المختلفة.

"رحلات للساحل السوري"؛ "رحلات شهر عسل إلى اللاذقية"؛ "أفضل الرحلات إلى منتجعات الساحل"؛ يقول المشرف على أحد المكاتب السياحية بأن إصرارهم على الاستمرار بالعمل قد دفعهم للتوجّه نحو السياحة الداخلية

أما السياحة الدينية، فقد شكّلت قبل العام 2011 ما تتراوح نسبته بين 15 و30 بالمئة من الأعداد الكلية للسيّاح وفق الأرقام الحكومية السورية. ويبدو بأن هذه النسبة استمرّت تقريباً على حالها بعد الحرب، حيث تستمرّ سوريا باستقبال عشرات آلاف السيّاح الراغبين بزيارة الأماكن الدينية على اختلافها، وخاصّة تلك الواقعة في دمشق. معظم هؤلاء السياح يأتون من دول الجوار، ونسبة قليلة للغاية منهم قد تأتي من بلدان أخرى أوروبية أو غربية.

مفهوم جديد للسياحة الداخلية

ومع الانخفاض الكبير في أعداد السياح القادمين إلى سوريا، اتجهتْ مكاتب سياحية للاعتماد على السياحة الداخلية وتشجيعها، وهي بدورها لم تبقَ بمنأىً عن آثار الحرب السورية، فشهدت كساداً في حينٍ وازدهاراً في أحيانٍ أخرى.

"رحلات للساحل السوري"؛ "رحلات شهر عسل إلى اللاذقية"؛ "أفضل الرحلات إلى منتجعات الساحل"؛ إعلانات يمكن ملاحظتها بسهولة على واجهات العديد من المكاتب السياحية وسط دمشق، ويقول المشرف على أحد هذه المكاتب بأن إصرارهم على الاستمرار بالعمل قد دفعهم للتوجّه نحو السياحة الداخلية، رغم محدودية نطاقِها كذلك.

منتجعات الخمس أو الأربع أو الثلاث نجوم لم تعد بمتناول يدِ من لا يتجاوز دخله الشهري مئة أو مئتي دولار أمريكي، وهُم الشريحة الأكبر اليوم في سوريا

"خلال السنوات الأولى للحرب توقّفت كلُّ مظاهر السياحة في سوريا، سواء بالنسبة للوفود القادمة من الخارج، أو للسوريين أنفسهم والراغبين بالسفر بين المحافظات، والسبب الأوّل هو الأعمال العسكرية العنيفة التي اجتاحت كاملَ جغرافيا البلاد، وقطعت أوصالها، وجعلت التنقّل في أرجائها أشبهَ بالمغامرة غير محمودة العواقب"، يشرح الرجل الخمسيني لرصيف22، وقد فضّل ذكرَ اسمه الأول فقط: علاء.

أما في الأعوام الثلاثة الأخيرة فقد انتعشت السياحة الداخلية من جديد كما يشير المتحدّث، مع تغير خارطة المعارك، وتوجه شريحة من السوريين نحو تلك السياحة نتيجة صعوبة الحصول على تأشيرات الدخول لمعظم بلدان العالم، وارتفاع تكاليف السياحة الخارجية مع انخفاض قيمة العملة السورية، وبالتالي تعذّر السفر الخارجيّ سوى نحو عددٍ محدود من الأماكن. "بذلك، ازدهرت منتجعات في مدن الساحل السوري أو المحافظات الواقعة وسط البلاد، وباتت مقصداً خاصة للطبقة الوسطى أو الأكثر ثراء".

هذا الازدهار لم يصب سوى شريحة محدودة من السوريين، مع بقاء خيارات معظمهم للسياحة الداخلية محدودةً للغاية، وتقلّصها يوماً بعد آخر. منتجعات الخمس أو الأربع أو الثلاث نجوم لم تعد بمتناول يدِ من لا يتجاوز دخله الشهري مئة أو مئتي دولار أمريكي، وهم الشريحة الأكبر اليوم في سوريا، ويبقى أمامهم عدد قليل من الشواطئ المجانية والفنادق التي يمكن أن يتحملوا تكلفتها في حال قرّروا قضاء إجازة ما داخل بلدهم، مع استحالة السفر خارجَه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard