ثورات بيضاء وسوداء وخضراء... الألوان وتدينها في الصراع السياسي الإسلامي

الاثنين 4 يوليو 202211:00 ص

"الألوان البلاغية صبغات لفظية تُزين الرسائل الكلامية، حتى تُنقَل بشكل مؤثر"، يقول خطيب روما الشهير ماركوس شيشرون في مقالته "بحث في الإبداع البلاغي"، مشبهاً الكلمات بالألوان، وليس العكس، ما يدل على قوة تأثير الألوان على إنسان ذاك الزمان.

فتأثير الألوان في القرون الوسطى كان من القوة لدرجة أن البعض اعتبرها وسيلة للشيطان لإغواء الناس، وبعضهم قدَّسها باعتبارها نتاج الضوء الإلهي الذي ينير الأرض، حسبما يوضح هيرمان بلاي في دراسته "ألوان شيطانية ومقدسة".

وهذه الثنائية المتضادة (القداسة VS الشيطنة) وجدناها حاضرة بقوة في تعامل المسلمين المتصارعين على الحكم مع الألوان في قرونهم الأولى؛ فالصراع السياسي تتجلى فيه بقوة عقائد المجتمعات ومخزونها الثقافي عموماً، وهو ما نرصده في العصرين الأموي والعباسي، كما سنبين فيما يلي.

الأبيض الأموي: لون العقيدة الإسلامية

حين دخل النبي محمد مكة كان لواء جيشه أبيض، حسبما نقلنا عن النويري في نهاية الأرب (1423هـ)، وفي الدولة الأموية كان الأبيض هو اللون الرسمي للدولة، ولُقب الأمويون بـ"المبيضة".

توفر للأمويين في الأبيض شرطين أساسيين، وهما: القبول النفسي لدى الناس بفعل الاعتياد العربي عليه وحبه، وكانت الدولة الأموية ذات هوية عربية واضحة، والثاني: هو القداسة الدينية.

والعرب يصفون كل طيبٍ بالأبيض، ويقولون "يد بيضاء"، و"قلب أبيض"، وهو لون الكرم، بل هو لون نقاء العِرض، وهو لون النهار، ولون الشمس الساطعة، حتى الليالي التي يظهر فيها القمر من أولها لآخرها سموها الليالي البيضاء، وكذلك هو لون ملابس الحجيج إلى الكعبة، حسبما يوضح الدكتور أحمد مختار عمر في كتابه اللغة واللون (2007).

حين دخل النبي محمد مكة كان لواء جيشه أبيض، والأبيض أكثر الألوان ذكراً في القرآن، والأبيض كان لون البراق الذي حمل الرسول، هو لون الحوض الذي يسقي منه النبي المؤمنين يوم القيامة، والأبيض لون العقيدة الإسلامية نفسها: "تركتكم على المحجة البيضاء"

من ناحية القداسة الدينية، فالأبيض أكثر الألوان ذكراً في القرآن بعدد 12 مرة، حسبما رصدت الدكتورة حنان عبد الفتاح مطاوع في دراستها "الألوان ودلالتها في الحضارة الإسلامية"؛ وهو لون وجوه أهل الجنة كما تقول آية آل عمران: "وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله"، وهو لون شراب أهل الجنة: "بيضاء لذة للشاربين"، كما تقول آية "الصافات".

وبتتبع مجموعة أحاديث للنبي نلحظ مدى قداسة اللون: فقد شاع أنه كان لون البراق الذي حمل الرسول خلال رحلة المعراج إلى السماء: "أتيت بالبراق وهو دابة أبيض.."، وهو لون الحوض الذي يسقي منه النبي المؤمنين يوم القيامة: "إن حوضي لهو أشد بياضاً من الثلج"، و"نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن"، وهو لون لباس الملاك جبريل: "رجل شديد بياض الثوب"، والملائكة عموماً: "أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء".

وأمر النبي به بشكل صريح: "البسوا من ثيابكم البيض، فإنها خير ثيابكم". وهو لون العقيدة الإسلامية نفسها: "تركتكم على المحجة البيضاء"، وهنا مرحلة تقديس عالية للون، فهو ليس مقدساً لأنه يشبه العقيدة الإسلامية، ولكن العقيدة الإسلامية هي التي شُبِّهت به، نقية مثله.

العباسيون وثورتهم السوداء

الأسود عند العرب يعبر عن كل ما دكن لونه ومال للظلام، وهو نقيض الأبيض في كل خصائصه، حسبما يوضح إبراهيم محمد علي في اللون في الشعر العربي قبل الإسلام (1996)، وارتبط بصفات القبح والشدة، مثل "سخام، دحمسان، دخشم" وغيرها من ألفاظ ارتبطت بألوان أشياء غير مستحبة عند العرب.

كذلك ارتبط الأسود بالأفعال والأحاسيس الخبيثة، وشاعت لدى العرب عبارات: "الحقد الأسود، السحر الأسود، مكيدة سوداء"، كما ارتبط بالتعاسة والحزن: "أيام سوداء، ليال سوداء"...

أوصى الزعيم العباسي إبراهيم الإمام، الشقيق الأكبر للسفاح والمنصور فقال: "والسواد لباسنا ولباس أنصارنا وفيه عزنا... كانت راية رسول الله سوداء، وراية علي بن أبي طالب سوداء"

وعززت ذلك النصوص الدينية الإسلامية التي تجعله لون وجوه الكفار، مثل آية آل عمران "فأمّا الذين اسودت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم؟"، وآية الزُمر: "وترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة".

وحذر النبي من الأسود في أكثر من حديث، منها رواية مسلم: "... واجتنبوا السواد"، وقوله: "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة".

ورغم ما سبق، اتخذه العباسيون لوناً لهم، وأضفوا عليه قداسة، حتى أن أبا مسلم الخراساني، القائد العباسي الأشهر، أمر بقتل شخص اعتبره مستهزئاً بالأسود، حين سأله: "ما هذا السواد الذي أرى عليك؟"، حسبما ذكر ابن الأثير في الكامل (1987).

وفي سبيل هذه القداسة شاعت نصوص دينية عكس الآيات والنصوص التي أوردناها أعلاه، ومن ذلك ما ذكره الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، أنه سمع من أبيه عن جده عبد الله ابن عباس، أن النبي قال: إذا سكن بنوك السواد، ولبسوا السواد، وكان شيعتهم من خراسان، فلم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم"، حسبما جاء في تاريخ الخلفاء (2004) للسيوطي.

المنصور هو المؤسس الفعلي للدولة العباسية، وهو الخليفة الثاني بعد أخيه أبي العباس (السفاح)، ففي عهده دانت الأمور للعباسيين بشكل كامل، وكان حريصاً على شرعنة ملكه من كل النواحي، ومن ذلك حكى أنه رأى في منامه أنه وأخيه السفاح في الحرم والرسول بجوار الكعبة، وأن الرسول أعطى أخاه لواء "أسود"، وكذلك عمّمه وقال له (للمنصور): "خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة"، كما ذكر السيوطي.

وفي نهايات العصر الأموي كانت قد ظهرت شائعات وأقاويل بين الناس عن منامات تتنبأ بظهور الأعلام السوداء من المشرق، وأنها ستنتصر على الرايات الأموية البيضاء؛ ومن ذلك ما رواه الطبري في تاريخه، أن أبا جعفر عيسى (المحدث المعروف)، قال لنصر بن سيار -الوالي الأموي على خراسان:

"أيها الأمير حسبك من هذه الأمور والولاية، فإنه قد أطلّ أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعو إلى دولة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون".

كل من تحدى سلطة الدولة العباسية كان يرفع الأبيض، وكان العباسيون إذا دخلوا بلداً ووجدوا أهله يرفعون السواد فهموا أن هذا البلد مؤيد لهم

وفي هذا التوقيت، ومن بعده، استخدم العباسيون، وخاصة المنصور، الدعاية والشائعات واستعانوا بكل خوارقي، وفي ذلك يقول اليعقوبي في تاريخه: "ولما قتل زيد بن علي تحركت الشيعة بخراسان، وظهر الدعاة، ورويت منامات وتدورست كتب الملاحم".

متى أظهر العباسيون السواد؟

في كتاب أخبار الدولة العباسية، وفيه أخبار العباس وولده (1971)، مجهول المؤلف، قيل إن الزعيم العباسي إبراهيم الإمام، الشقيق الأكبر للسفاح والمنصور، أوصى به حيث قال: والسواد لباسنا ولباس أنصارنا وفيه عزنا... كانت راية رسول الله سوداء، وراية علي بن أبي طالب سوداء".

لكن الواقع يؤكد أن العباسيين أظهروا الأسود بعد مقتل إبراهيم حداداً عليه، فقد جاء في الأخبار الطوال(1960) للدينوري، أن أبو مسلم الخراساني جمع كل أنصاره وخرجوا للأمويين، وقد "سودوا ملابسهم" حداداً على إمامهم الذي قُتِل بأمر الخليفة الأموي مروان بن محمد.

وفي تاريخه يتجاهل ابن خلدون أي رابط ديني بالسواد، ويقول عن رايات العباسيين: "كانت سوداً حزناً على شهدائهم من بني هاشم، ونعياً على بني أمية في قتلهم، ولذلك سموا المسودة".

كان الأخضر مكروهاً من قبل العباسيين، باعتباره لون عيون الأمويين في الأندلس، الذي نتج عن زواجهم من الأوروبيات، ورغم هذه الكراهية قرر الخليفة المأمون عام 202هـ اتخاذه شعاراً للدولة بدلاً من الأسود، في صدمة للمجتمع العباسي كله

فكرة "النعي" الاستباقي لبني أمية بلبس ورفع الأسود كانت حاضرة حتى من قبل نشاط العباسيين في خراسان، فقد كان لوناً لراية الخوارج؛ فراية بهلول الخارجي عام 119هـ كانت سوداء، وكذلك راية أبي حمزة الخارجي سنة 128هـ، حسبما يذكر الطبري وابن الأثير في تاريخيهما.

وقِدَم استخدام الثوار للأسود، يرجح الإتيان به كعلامة على العداء للأمويين والثأر منهم، وليس لأمر اختص به العباسيون، وأن نبوءات دينية حيكت فيما بعد لإضفاء القداسة على سوادهم.

المعارضة البيضاء للعباسيين

بعد استتباب الأمر للعباسيين، سخِر معارضوهم من أسودهم، حتى أن الحركة الخرمية الثائرة عليهم، أطلقت عليهم أصحاب "الدين الأسود"، وسموا دينهم بـ"الدين الأبيض"، حسبما يذكر الطبري.

كذلك كان أهل الشام -الموالون للأمويين- يكرهون الأسود، ورفعت بعض مدن الشام الأعلام البيضاء نكاية في العباسيين، ومنها دمشق وقنسرين عام 132هـ، وأعلنت خلع أبوالعباس (السفاح)، حسبما يذكر ابن الأثير في تاريخه.

العلويون المنتمون لبني هاشم كما العباسيين، رفعوا الأبيض معارضة للعباسيين، ورفع عبد الجبار الأزدي والي خراسان الأعلام البيضاء، معلناً انقلابه على أبي جعفر المنصور، ونصرته للعلويين، حسبما يذكر الطبري.

وفي شبه الجزيرة العربية والبصرة رُفع الأبيض نصرة لمحمد بن النفس الزكية وتمرداً على العباسيين عام 145هـ، ويخبرنا الطبري أن نفس الأمر حدث في ثورة أبي السرايا العلوية في بداية عهد المأمون.

ويتحدث المسعودي في مروج الذهب عن ثورة الزنج ضد العباسيين كواحدة من الثورات البيضاء، حيث يقول عن قائدها "ذُكِرَ صاحب الزنج في أخبار المبيضة وكتبهم".

انقسم العالم الإسلامي إلى 3 ألوان تتقاتل، وهي: "الأسود" راية العباسيين الذين خلعوا المأمون، و"الأخضر" راية المأمون، و"الأبيض" راية العلويين الثائرين ضد الطرفين

المسعودي كذلك يستخدم وصفي "المبيضة" و"المسودة" في وصف الصراع بين أنصار الحسن الأطروش العلويين في طبرستان، وبين العباسيين، في 287هـ.

نفس الأبيض رفعه القرامطة والفاطميون اللذان كوّنا دولتيهما حسماً من أراضي الدولة العباسية، حسبما يذكر ابن خلدون.

ورغم العداء الشديد بين الفاطميين والأمويين (أول من تبنى الأبيض)، إلا أن عداء الفاطميين الأشد كان مع العباسيين أصحاب السلطة الأقوى في زمن صعودهم.

الخلاصة أن كل من تحدى سلطة الدولة العباسية كان يرفع الأبيض، وكان العباسيون إذا دخلوا بلداً ووجدوا أهله يرفعون السواد فهموا أن هذا البلد مؤيد لهم، والعكس، حسبما تتفق المصادر.

الأخضر... لون كرهه العباسيون وكاد يقضي عليهم

الأخضر هو لون حدائق الجنة ولباس أهلها، كما تقول آية "الإنسان": "عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق"، وآية "الكهف": "يلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق"، وهو كذلك لون مقاعد الجلوس في الجنة "متكئين على رفرف خضر"، كما تقول آية "الرحمن".

وبما إنه لون الجنة فهو لون الخلود، ولعل ذلك هو سبب تفضيل الصوفية له، واختيار الكثير منهم لبسه، وكساء أضرحة أوليائهم به، حسبما يرجح أحمد مختار عمر.

لكن الأخضر كان مكروهاً من قبل العباسيين، باعتباره لون عيون الأمويين في الأندلس، الذي نتج عن زواجهم من الأوروبيات، ورغم هذه الكراهية قرر الخليفة المأمون عام 202هـ اتخاذه شعاراً للدولة بدلاً من الأسود، في صدمة للمجتمع العباسي كله.

كانت إزالة السواد ورفع الخضار ضمن إجراءات ثورية اتخذها المأمون، أخطرها قراره بمبايعة زعيم العلويين، الإمام علي الرضا، ولياً لعهده، وصك العملة باسمه، معتبراً أنه أفضل الهاشميين، حسبما نقلنا عن المسعودي.

الأمر أدى إلى اجتماع العباسيين وقرارهم بخلع المأمون ومبايعتهم إبراهيم بن المهدي خليفة لهم.

خرج المأمون لقتال بن المهدي، وفي هذه الأثناء مات الرضا، وقيل مسموماً، وحزن المأمون عليه، رغم اتهام بعض الشيعة له أنه استخدم الرضا لإخماد العلويين الثائرين عليه، حسبما ذكر اليعقوبي.

وهنا نلاحظ أن العالم الإسلامي انقسم إلى 3 ألوان تتقاتل، وهي: "الأسود" راية العباسيين الذين خلعوا المأمون، و"الأخضر" راية المأمون، و"الأبيض" راية العلويين الثائرين ضد الطرفين.

وانتهى الأمر باقتناع المأمون بدعوة العباسيين له بترك الخضار ورفع السواد، وعودة الأمور لما كانت عليه.

لماذا أصر العباسيون على الأسود؟

لاحظنا كيف اختار العباسيون الأسود رغم أن النصوص المقدسة التي تدعم الأبيض والأخضر كانت أقوى؛ ما يشير إلى أن فلسفة اختيارهم لهذا اللون كانت إرهاب الخصوم.

فاختيار الأسود كلون للحداد، وللثورة على الأمويين، له مبرر؛ فقد كان بمثابة "لا" في وجه "نعم"، كان النهاية في مقابل البداية التي يمثلها الأبيض للأمويين، إذا ما وظفنا تعبير الدكتور مختار عمر لوصف استخدام اللونين في حالة الصراع العباسي الأموي.

 ولكن استمراره بعد استقرار حكمهم وإضفاء شرعية عليه قد ترجّح أن أحد أهداف ذلك استمرار ترهيب أعدائهم؛ فقد عاش العباسيون مهددين بثورات العلويين والقرامطة والزنج والفاطميين، وغيرهم.

ولم يكن السفاح أو المنصور كمعاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية؛ فالأخير قال حين سُئل: أي الناس أحب إليك؟ فقال: "أشدهم تحبيباً لي إلى الناس"، بحسب ابن الأثير؛ فالرجل كان يحرص ألا يقطع الشعرة الموصولة بينه وبين الناس، ويجوز أن ذلك من أسرار اختياره للراية البيضاء بكل مدلولاتها التي ذكرناها.

أما السفاح فقد "أسس دولته بالعنف والقوة، فقد كان حازماً قويّاً"، بحسب وصف محمد سعد طلس في =عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (1960)، وكان يوصي ولاته أن يكونوا "فُتَّاكاً أشداءً"، وكذلك كانوا، وخصوصاً أبو مسلم الخرساني، وعمه عبد الله بن علي الذي فتك بأهل الشام لدرجة نبشه قبور بني أمية، وقد يوحي ذلك بدلالة على سر استمرار الأسود.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard