احتلّوا مدناً وأحرجوا خلفاء... شعراء قادوا ثورات وحركات سياسية في العصر العباسي

الأربعاء 28 أبريل 202111:32 ص

كثرت حركات الخروج على الخلافة العباسية، وتنوّعت طبائعها الدينية والسياسية والاجتماعية، لكن الملاحظ أن عدداً من هذه الحركات قادها شعراء نظموا قصائد للتعبير عن أفكارهم ومراحل ثوراتهم.

محمد بن البعيث... الثورة في أذربيجان

أحد هؤلاء الشعراء هو محمد بن البعيث، من فتيان قبيلة بني أسد. نزلت عشيرته في أذربيجان، واشتهر أبوه بأنه كان من الفُتاك الصعاليك. واستطاع محمد أن يمتلك في تلك الديار قلعتين، الأولى تُسمّى "شاهي" والثانية "بكدر".

ويذكر شوقي ضيف في كتابه "تاريخ الأدب العربي... العصر العباسي الثاني"، أن ابن البعيث كان ينظم أشعاره بالعربية والفارسية.

واشتهر أمره في عصر الخليفة أبو إسحق المعتصم وحروب بابك (نسبة إلى بابك الخرمي الذي قاد الحركة الخرمية ضد الخلافة العباسية في أذربيجان). كان يحاول أن يكون محايداً بين الطرفين المتخاصمين، لكن ذلك دفع إسحق بن إبراهيم المصعبي، أحد قادة جيش المعتصم، إلى القبض عليه والإلقاء به في غياهب السجون.

وبعد توسط بعص القادة له، أُفرج عنه على ألا يبرح سامراء، حتى إذا كانت سنة 234هـ، في عهد المتوكل، حين هرب إلى دياره وحصونه، واختار حصن مرند، فجمع فيه أسلحته وأنصاره.

ويروي ضيف أن المتوكل وجّه لـ"ابن البعيث" بعض الجيوش، فلم تستطع أن تصل إليه، ثم وجّه إليه القائد العسكري بُغا الشرابي، فزحف إلى الحصن وحاصره ونصب حوله المجانيق، وعندما يئس ابن البعيث من طول الحصار، فرّ على وجهه وهو ينشد:

كم قضيت أموراً كان أهملها/ غيري وقد أخذ الإبلاسُ بالكظم

لا تعذليني في ما ليس ينفعني/ إليكِ عني جرى المقدار بالقلم

سأتلف المال في عُسر وفي يسر/ إن الجواد الذي يعطي على العدم

ويذكر ضيف أن نفراً من الجيش العباسي تبعوا ابن البعيث وألقوا القبض عليه وأخذوه إلى المتوكل، فأمر بضرب عنقه، فطُرح على نطع وجاء السيافون ولوّحوا له بسيوفهم، وقال له المتوكل حانقاً غاضباً: ما دعا يا محمد إلى ما صنعت؟ فأجابه: الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإنّ لي فيك لظنين، أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو، ثم اندفع ينشده:

أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي/ إمام الهدى والصفح بالحر أجمل

وهل أنا إلا جُبلة من خطيئة/ وعفوك من نور النبوة يُجبل

فعفا المتوكل عنه، وخفف عنه الحكم من الإعدام إلى الحبس، وظل في بيته حتى مات.

علي بن محمد بن عبد الرحيم... قائد ثورة الزّنج

يُعَدّ علي بن محمد بن عبد الرحيم أبرز الشعراء الثائرين، بعدما ظهر في فرات البصرة، وقاد الزّنج في حركة ضد العباسيين دامت أكثر من 14 عاماً (255 – 270هـ).

ويذكر محمد سهيل قطوش، في كتابه "تاريخ الزّنج والقرامطة والحشاشين"، أن "صاحب الزنج" كان ينظم الشعر ويتّخذه وسيلة للكسب المادي، وأنه مدح الخليفة المنتصر بالله وكتّابه، واحترف كذلك تعليم الصبيان في سامراء كوسيلة أخرى للتعيش، فكان يعلّمهم الخط والنحو وعلم النجوم والسحر.

وفي مرحلة لاحقة، اتّخذ علي بن محمد من أوضاع العبيد الاجتماعية السيئة في سواد الكوفة قضية للخروج على الخلافة، وتكوين كيان سياسي مستقل، وتمثل عماد حركته في البداية ببعض العرب المغامرين من قبيلتي المهالبة والهمدانيين وغيرهما، كما شاركت فيها فئات أخرى مثل الزّنج، والعرب الضعفاء، وعشائر عربية ثائرة على السلطة.

واتصف علي بن محمد بالطموح، ورافقته فكرة المهدي المنتظر، فاستغلها بذكاء، ضارباً بذلك على وتر حساس في نفوس جماعة العلويين، فسمّى نفسه "المهدي علي بن محمد".

كثرت حركات الخروج على الخلافة العباسية، وتنوّعت طبائعها الدينية والسياسية والاجتماعية، لكن الملاحظ أن عدداً من هذه الحركات قادها شعراء نظموا قصائد للتعبير عن أفكارهم ومراحل ثوراتهم

ويختلف المؤرخون حول نسبه ويردّه البعض إلى زيد بن علي بن الحسين، وكان قد جهر في إحدى مراحل حياته بمذهب الخوارج الذي يلائم مبادئ حركته، بحسب قطوش.

في إحدى قصائده، ساق كلامه للعباسيين، بوصفه ابن عمهم، أو حفيد علي بن أبي طالب، واتهمهم بإيقاد نار الفتنة ضده، بينما كان ينبغي أن يستسلموا له، فهم جميعاً أنامل يد هاشمية واحدة، ويلومهم على أنهم سلّموا قيادة الدولة للأتراك، مشدداً على أنه سيجاهدهم جهاداً مريراً:

بني عمنا لا توقدوا نار فتنة/ بطئ على مر الليالي خمودها

بني عمنا إنا وأنتم أنامل/ تضمنها من راحتيها عقودها

وفي قصائده أيضاً، سجل على العباسيين انصرافهم عن العبادة إلى حياة اللهو والمجون، ونسب نفسه إلى فاطمة الزهراء، حتى يستهوي القلوب، وأعلن أنه سيجاهد العباسيين ويستمر في جهاده حتى تسقط بغداد.

لستُ بابن الفواطم الزُهر/ إن لم أُقحم الخيل بين تلك العراص

وفي سبيل تحقيق أهدافه، اصطدم "صاحب الزّنج" بالسلطة، وتفوق على قوات الخليفة، فدخل البصرة سنة 254هـ وقتل سكانها وأحرقها، وسيطر خلال عشرة أعوام على رقعة واسعة تمتد من الأهواز إلى واسط، وهدد بغداد، ثم عهد الخليفة المعتمد إلى أخيه أبي أحمد، الموفق بالله، بمحاربة الزنج، فتولى الأخير العمليات العسكرية التي أدت إلى هزيمة الثوار وفتح البصرة، وقُتل علي بن محمد خلال المعارك، واستسلم مَن بقي من أتباعه.

بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف... مبارزة العباسيين بالشعر

هو حفيد أبي دُلف، القاسم بن عيسى العِجلي الشيباني، الشخصية التي أبلت بلاءً عظيماً في حروب بابك في عهدي المأمون والمعتصم، وكان هارون الرشيد قد ولّاه أعمال إقليم الجبل في إيران، وبقي عليها حتى تُوفى سنة 225هـ.

ويروي ضيف أنه بعد وفاة أبي دُلف تولى إقليم الجبل ابنه عبد العزيز، وكان شاعراً وشجاعاً، وعزله عن منصبه الخليفة المعتز بن المتوكل وولى مكانه موسى بن بغا، فثارت ثائرة عبد العزيز وفرّ إلى قلعة له ولعشيرته في الكرج، بين همذان وأصفهان، وظل ينازل الدولة العباسية.

وسنة 254هـ، سيطر على همذان، وخلفه ابنه أحمد، فتولى زعامة أسرته ومدّ سلطانه إلى أصبهان، وتوفى سنة 280هـ، فتنازع الرياسة بعده أخواه عمر وبكر، وتم الأمر لعمر، ولم يرسل إليه الخليفة المعتضد بالله بالولاية حتى لا يثور بكر.

سجل علي بن محمد على العباسيين انصرافهم عن العبادة إلى حياة اللهو والمجون، ونسب نفسه إلى فاطمة الزهراء، حتى يستهوي القلوب، وأعلن أنه سيجاهد العباسيين ويستمر في جهاده حتى تسقط بغداد

غير أن المعتضد عاد في سنة 283هـ فولى عيسى النوشري على أصبهان، فغضب بكر ومَن كانوا ينضوون تحت لوائه من الأعراب، فكتب الخليفة إلى غلامه بدر المعتضدي يأمره بملاحقة بكر بن عبد العزيز وأتباعه، حسبما ذكر محمد بن ربيع هادي مدخلي في دراسته "الإمارة العجلية في إقليم الجبال/ بنو دلف العجلي (252هـ - 284هـ)".

وكان بكر شاعراً ورث الشعر عن أبيه وجده، وله أشعار يتغنى فيها بفتوته وفروسيته، وله ميمية نظمها حين سمع بأن المعتضد أمر بدراً بأن يتعقبه، وفيها يأسى على حال العرب الذين تفرّقوا شيعاً، فعضهم الدهر بنابه. يقول:

ألقى الأحبة بالعراق عصيهم/ وبقيت نُصب حوادث الأيام

وتشعب العرب الذين تصدعوا/ فذببتُ عن أحسابهم بحُسامي

ويروي مدخلي أن بدراً كلّف أمير أصبهان الجديد عيسى النوشري بمقاتلة بكر، الذي يبدو أنه كان بالقرب من حدودها، فخرج النوشري إليه، لكنه لم يثبت وانسحب من أرض المعركة، وعقبها قال بكر أبياتاً يفخر فيها بنفسه ويعيّر النوشري، ويهدد بدراً، منها:

قد رأى النوشري حين التقينا/ من إذا أُشرع الرماح يفر

غير أن انتصار بكر على النوشري، والذي يبدو أنه وقع أواخر سنة 283هـ، لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما أعدّ له خصمه من القوة ما استطاع ولاقاه في حدود أصفهان، وألحق به هزيمة شنعاء، أوائل سنة 284هـ، وقتل رجاله واستباح عسكره.

وبحسب مدخلي، أفلت بكر في نفر يسير، وغادر إقليم الجبل متجهاً إلى محمد بن زيد العلوي، صاحب طبرستان والعدو اللدود للخلافة العباسية، طمعاً في التحالف معه، فأكرم وفادته عليه، وولّاه إقليم رويان، غير أنه مات مسموماً في طريقه إليها سنة 285هـ.

يحيى بن زكرويه... حامل لواء القرامطة

سنة 289هـ، اختفى حمدان بن الأشعث، مؤسس ثورة القرامطة، في ظروف غامضة، بعدما وضع لها من المبادئ الاشتراكية ما استهوى به قلوب العامة، فتبعه كثيرون من المهمشين، أغار بهم على سواد الكوفة.

إثر ذلك، تولى زعامة الحركة زكرويه الدنداني، لكن الدولة العباسية واجهته هو وجماعته، فأخذ يبحث عن مناصرين جدد، وأرسل أبناءه يحيى والحسين ومحمد إلى قبيلة "كلب" في بادية السماوية بين العراق وسوريا، علهم يستجيبون إلى دعوتهم، فبايعوا أكبرهم يحيى، والذي زعم لهم أنه من سلالة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وتَسمّى لهم باسم أبي عبد الله علي بن محمد، وقيل إنه تَسمّى بـ"محمد"، روى ضيف.

وبحسب ضيف، كان يحيى شاعراً، ونظم قصائد نسب نفسه فيها إلى الفواطم من بني هاشم:

أنا ابن الفواطم من هاشم/ وخير سلالة ذا العالم

وطئت الشام برغم الأنام/ كوطء الحِمام بني آدم

ولم يكتفِ يحيى بذلك بحسب روايات المؤرخين العرب، وهي روايات عادةً ما تحطّ من شأن خصوم السلطة، فزعم أنه يُوحى إليه، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، وأنهم إذا ساروا وراءها في لقاء أي عدو جاءهم نصر الله والفتح المبين.

ومضى يحيى بأتباعه في سنة 290هـ يهاجم المدن الشامية، وكانت الشام حينئذ تتبع الدولة الطولونية، فلقيه أحد قادتها لكنه تغلّب عليه ومضى إلى الرقة، ودحر جيشاً للعباسيين، وعاد يحاصر دمشق، غير أنه قُتل على أبوابها.

أبو طاهر الجنابي... الثائر المُوحى إليه

من ثوار القرامطة أبو طاهر الجنابي، صاحب الأحساء والبحرين، والذي واجه عساكر الخليفة المقتدر بالله مراراً وفتك بجيوشه، واتسع ملكه في شرق الجزيرة العربية، وكان يزعم أنه داعية عبيد الله المهدي، الخليفة الفاطمي الإسماعيلي.

وبحسب ضيف، لم يكن الجنابي يدعو للمهدي حقيقة، بل كان يتخذه ستاراً لخروجه على الخلافة العباسية، وبلغ به تهويله على العامة أنه كان يزعم أنه سيظل حياً حتى ينزل عيسى من السماء. وفي ذلك يقول:

أنا الداعي المهدي لا شك غيره/ أنا الضيغم الضرغام والفارس الذكر

أعمّر حتى يأتي عيسى بن مريم/ فيحمد آثاري وأرضى بما أمر

وفي سنة 315هـ، عزم الجنابي على غزو بغداد، وجهّز المقتدر لحربه جيشاً بقيادة يوسف بن أبي الساج، والتقى الجيشان، ودارت الدوائر على ابن أبي الساج وجيشه وأٌخذ أسيراً.

إثر ذلك، أسرع أبو الحسن مؤنس، قائد جيوش المقتدر، بجيش ضخم من نحو أربعين ألفاً، لكنه لم يواقع أبا طاهر وخشي على نفسه مغبة الحرب، ما جعل أبا طاهر يرسل له بأبيات سخر فيها منه:

قولوا لمؤنسكم بالراح كن أنساً/ واستتبع الراح سرنايا ومزمارا

وقد تمثلت عن شوق تقاذف بي/ بيتاً من الشعر للماضين قد سارا

نزوركم لم نؤاخذكم بجفوتكم/ إن الكريم إذا لم يُستزر زارا

وفي هذه الأبيات يهزأ الجنابي بمؤنس وبشجاعته التي عُرف بها، ويقول له إنك لست من أهل الحرب والبأس، وإنما أنت من أهل الكاس والطاس وآلات الطرب من السرناي وغير السرناي، ويؤكد أنه سيزور بلاده للفتك به وبجنوده.

وفي عام 317، نقل الجنابي غاراته إلى قوافل حجاج البيت الحرام، وذبح عدداً من الحجيج، واقتلع الحجر الأسود من موضعه، وأخذه معه إلى "هجر"، وظل هناك إلى أن أعيد إلى الكعبة سنة 399.

وفي سنة 332، توفى أبو طاهر سليمان بسبب إصابته بالجدري، بعدما ملك البحرين 31 سنة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard