بعد تدنيس قبورهم وحرق رفاتهم... كيف عاش الأمويون في العصر العباسي؟

الخميس 30 سبتمبر 202103:38 م

"إنها النهاية أيها الأمويون!" لا ريب أن تلك الجملة المخيفة سيطرت على رؤوس أهالي دمشق فور وصول أنباء معركة الزاب (132هـ/ 750م) إليهم، والتي دحر فيها العباسيون خصومهم التاريخيين، بني أمية، ولم يعد يفصلهم عن عاصمتهم الخالدة دمشق إلا مسافة الطريق.

بقيادة عبدالله بن علي، عم الخليفة العباسي الأول أبي العباس السفاح، قطعت الجيوش العباسية سريعاً، الطريق الواصل من العراق (موطن المعركة الفاصلة) إلى سوريا (مقر العاصمة) لاستكمال باقي مساعي الإجهاز على الدولة الأموية، وها هم قد بلغوها أخيراً وطوّقوا أسوارها، وبات سقوطها مسألة وقت.

وأصبح على الأمويين العمل سريعاً على التعامل مع مصيرهم الأسود الجديد، الذي لن يقتصر فقط على انهيار دولتهم وضياع نفوذهم، وإنما سيكون عليهم تدبير وسائل للفرار من تلك السيوف المتشحة بالسواد (لون العباسيين المفضل)، والتي لا تريد من الدنيا أكثر من إراقة دماء الأمويين.

البحث في قصّة الأمويين الذين حرقت رفاتهم ونثرت في مقابر دمشق تشبه قصّة البحث في التاريخ نفسه... صعبة  ومعقدة ومغرية إلى أقصى الحدود

لا تتركوا أموياً ولو تعلّق بأستار الكعبة

ما إن دانت الأمور للعباسيين حتى أقاموا مقاتل عُظمى، أباحوا فيها دماء الأمويين في شتى بقاع الأرض؛ فبعدما قُتل في معركة الزاب قرابة الـ300 رجل أموي، أباح القائد العباسي، عبدالله بن علي، مدينة دمشق فور سقوطها لجنوده لساعاتٍ طوال، قتلوا خلالها كل مَن وجدوهم من الأمويين ومعاونيهم، بعدما استعاونوا بمرشدين من أهالي المدينة (أشهر من عرفناه منهم هو عبدالله بن عُمر الجُمحي) يعرفون أماكن دور بني أمية، اقتحمها جنود ابن علي، ولم يتركوا أمويّاً وجدوه حياً إلا وقتلوه شر قتلة.

لم يكتفِ العباسيون بذلك، وإنما انتشروا في أرجاء البلاد المجاورة، يتقصّون أثر أي أموي نجح في الفرار من دمشق، واختبأ هنا أو هناك. قُتل 80 أمويّاً في مذبحة جديدة نفذها جنود ابن علي قرب نهر أبي فطرس بفلسطين، تبعها مذبحة مروعة أخرى في قرية بوصير المصرية (أبو صير حالياً)، قُتل فيها أبرز رجال الأمويين في مصر، تلاها مقتلة عظيمة ارتُكبت بحقِّ فلول الأمويين في مصر، الذين أُخرجوا من ديارهم وسُجنوا في حصن قلنسوة بفلسطين، حيث قُتلوا جميعاً.

ولم ينج منهم إلا أبناء الخليفة الأخير الذين أودعوا في السجن، ونساؤه اللائي لم يُمسسن بسوء، وأطلق سراحهن.

في العراق، لجأ عددٌ من الأمويين (على رأسهم سليمان بن هشام بن عبدالملك) لطلب العفو من الخليفة أبي العباس، فوافق على منحهم الأمان في بداية الأمر، إلا أنه تراجع عنه لاحقاً وأمر بإبادتهم جميعاً، كما نُكّل بأمويي مدينة البصرة، وألقاهم العباسيون في الطريق، وامتدَّت الملاحقات حتى مكة والمدينة، وقُتل أغلب من لجأ من الأمويين إلى المدينتين المقدستين عند المسلمين.

بات الأهالي يتقرّبون للحُكام الجدد بقتل الأمويين، مثلما فعل رهط من قبيلة كلب عياض بالأموي عنبسة بن عبد الملك، فور عثورهم عليه في بادية الشام، فقتلوه وأذاعوا النبأ للخليفة البغدادي في تفاخر.

في الحديث عن الأمويين في دمشق، لا بدّ من الاعتراف بالظلم المروّع الذي حلّ بهم، عندما عاش العالم الإسلامي لفترة من الزمن، تياراً دموياً، اعتبر أن الدعائم الأساسية لدولة بني العباس يجب أن تُروَى بدماء بني أمية

اتسعت دائرة العقاب أكثر فأكثر، ولم تعد تشمل الأحياء فحسب، بل الأموات أيضاً. بعدما نُبشت قبور رؤوس البيت الأموي؛ معاوية ويزيد وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام، الذي عُثر على جثته صحيحة البدن، فضُربت بالسياط ثم أُحرقت، وكان القبر الوحيد الذي نجَى من هذا التنكيل هو ضريح عمر بن عبد العزيز؛ الذي كان له مكانة خاصة عند المسلمين. 

كما أنشب العباسيون مخالبهم في أملاك الأمويين، والتي شمل نطاقها قرى وضياعاً وأنهراً وعيوناً وأراضي وأسواقاً وقصوراً، انتشرت في ربوع الدولة الإسلامية، من الإسكندرية إلى أذربيجان، فصادروا أغلبها، بما حوت من عبيد ومجوهرات وثياب، ووزعوها على أنفسهم وعلى أقرب رجالهم.

وكانت الغنائم المعمارية الأموية من الكثرة حتى أنها أجبرت الدولة العباسية على تدشين ديوان/ وزارة جديدة تهتمُّ، تحديداً، بالإشراف على هذه الممتلكات، أطلق عليه اسم "ديوان الضياع". وللمرة الثانية لم ينج من كافة تلك الإجراءات التأميمية بحقِ العباسيين إلا أحفاد عُمر بن عبد العزيز، والعثمانيون أحفاد عثمان بن عفان.

يقول محسن غياض عجيل في بحثه "الشعراء الأمويون في العصر العباسي": "كان معظم المقتولين من عامة الأمويين، الذين لم يتولوا منصباً ولا عملاً ولم يكن منهم للعباسيين إساءة ولا أذى، وإنما قتلوهم لنسبهم في أمية، أو لأن بعضهم من أحفاد الخلفاء الأمويين الذين كرههم العباسيون".

وهكذا عاش العالم الإسلامي لفترة من الزمن، تياراً دموياً، اعتبر أن الدعائم الأساسية لدولة بني العباس يجب أن تُروَى بدماء بني أمية، وهي الجهود الدموية التي استغرقت كل فترة حكم الخليفة العباسي الأول أبي العباس، ولم تهدأ وتيرتها إلا في عهد الخلفاء العباسيين اللاحقين له، الذين استقرّت لهم أركان الدولة إلى درجة لم يعد يُشكل معها الأمويون أي خطر على العرش الأسود.

الناجون: ثوار ومستشارون وزوجات خلفاء

رغم كل الجهود العباسية لاستئصال شأفة الأمويين فإنهم لم ينجحوا في إبادتهم، تسرّب من بين السيوف والسياط وأعين المخبرين السريين وحمامات الدماء عددٌ من آل معاوية، أشهر الناجين الأمويين هو عبدالرحمن بن معاوية الأموي القرشي، المعروف بلقب "عبدالرحمن الداخل" أو "صقر قريش"، الذي فرَّ من الشام إلى الأندلس، حيث أعاد ترتيب أوضاعها وأسّس فيها إمارة أموية بزغت للنور عام 138هـ/755م، وعاشت قرابة 3 قرون، منفصلة عن الخلافة العباسية.

اتسعت دائرة العقاب أكثر فأكثر، ولم تعد تشمل الأحياء فحسب، بل الأموات أيضاً. بعدما نُبشت قبور رؤوس البيت الأموي باستثناء ضريح عمر بن عبد العزيز

لم يتفرّد عبدالرحمن الداخل بهذا الفِعل (الهروب الأموي إلى الأندلس)، وإنما نجى العديد من الأمراء الأمويين وسافروا إلى أفريقية ومنها إلى الأندلس، أبرزهم أبناء الخليفة الأموي الوليد بن يزيد، وغيرهم من الذين أصبحت بلاد أوروبا موطنهم الآمن الجديد.

يقول الباحث عصام مصطفى عبدالهادي عقلة في أطروحته "الأمويون في العصر العباسي": "أدى تأسيس عبدالرحمن الداخل لدولته بالأندلس إلى توجّه الكثير من الأمويين إليها حيث دولتهم الناشئة، التي وجدوا فيها الملاذ الآمن والحياة الكريمة التي تتناسب معهم باعتبارهم زعماء للدولة المنهارة، وليشدوا من أزر عبدالرحمن الداخل، الذي بدأ دولته الفتية وحيداً في الأندلس، وحوله العديد من الأعداء الذين تضرروا من قيام دولته بالأندلس".

ولهذا كثرت هجرات الأمويين إلى الأندلس التي اعتُبرت مقرّ الهجرة الأمثل للهاربين من السنابك العباسية، وبخلاف وقائع الهروب إلى الأندلس، نعرف من عددٍ من الوقائع المبثوثة في كتب التاريخ عن بعض الأمويين الذين نجوا من مقاتل العباسيين دون أن يغادروا النواة العميقة للدولة في العراق والشام، ولتحقيق هذا الغرض اتبعوا وسائل عدة.

بعضهم اختفى عن عيون العباسيين عبر التنكر لهوياتهم خلف أسماء عائلات جديدة لا صلة لها بالأسرة الأموية. وبعضهم نجح في اقتناص عفو عباسي حافظ على رقبته من القطع، مثل بني معيط، الذين ينحدرون من صُلب القائد الأموي ذي الشامة المعيطي، محمد بن عمرو بن أبي مُعيط، بعدما لم ينسَ العباسيون سابق كرمه معهم، بعدما أحسن معاملة أحفاد عبدالله بن عباس خلال غزوة خرجوا فيها تحت قيادته إلى بلاد الروم.

وكذلك والي حرّان الأموي، أبان بن يزيد بن محمد بن مروان (عمّه الخليفة الأموي الأخير محمد بن مروان)، الذي سارع بإعلان ولائه للدعوة العباسية ولبس السواد دليلاً على نقضه انتمائه للأمويين، وكذك الفقيه الأموي الكبير إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، الذي اشتهر بزهده واعتزاله عن الناس وتمتّع بمكانة فقهية كبيرة جعلت العباسيون يفضلون الإبقاء على حياته، وجرى ذلك على عددٍ من الأمويين الذين نالوا الأمان العباسي؛ لاعتقادهم أنهم لا خوف منهم على الدولة العباسية الوليدة.

لم تنجح الجهود العباسية في التخلص من الأمويين: نجا من بين السيوف والسياط وأعين المخبرين السريين وحمامات الدماء عددٌ من آل معاوية ونجحوا في خلق حياة جديدة

ولم تنته ولاية الخليفة العباسي الأول أبي العباس إلا وقد أصدر وثيقة أمان شاملة لجميع الأمويين في جميع أرجاء دولته، استجابة لابن عمه والي البصرة سليمان بن علي، الذي ساءه حجم الدماء الأموية التي أُريقت هدراً، وكتب لخليفته قائلاً:

"يا أمير المؤمنين، إنه قد وفد إليَّ وافد من بني آمية، وإنا قاتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، ثم يجمعنا وإياهم عبد مناف، فحقُّ الرحم أن تُبلَّ ولا توبس، وتوصل ولا تقطع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي ممتنّاً، ويجعل ذلك كتاباً عاماً في بلدان خلافته ليكون ذلك شكر نعمة الله عندنا فعل"، فوافق أبو العباس على ذلك.

يقول عقلة: "يبدو أن استجابة أبي العباس لنداء سليمان، كانت نابعة من كون العباسيين قد انتهوا من القضاء على معظم الأمويين الذين يشكلون خطراً على كيان الدولة العباسية، ومن ناحية أخرى، فإن الدولة قد استقرت بعد الفتك بقادة بني أمية الأقوياء، غير أننا نرى بأن الأمان لم يشمل الأمويين الذين قاتلوا الدولة العباسية، ولذا نظر إليه كثير من بني أمية بارتياب، ولم يحز على ثقتهم، وفضلوا البقاء متوارين".

خفّت حدة الملاحقات الأمنية كثيراً في عهد الخليفة الثاني المنصور، فبدأ الأمويون يظهرون إلى العلن تباعاً، فعاد من الأندلس إلى الشام الأمير نصر بن العباس بن الوليد بن عبدالملك، وتخبرنا المرويات أنه عاش بأمان، وبعده كرّت المسبحة وتحدثت الروايات عن عودة ظهور الأفواج الأموية إلى العلن من جديد، فعاد إلى الحياة العامة العثمانيون في الحجاز والزياديون في البصرة.

ولم يسر هذا التسامح العباسي على نسل الخليفة الأموي الأخير، مروان بن محمد، من الأبناء والأحفاد، فبقوا في السجن باعتبارهم الورثة الشرعيين للدولة الأموية، ولم يخرجوا إلا في عهد هارن الرشيد.

أما فيما يخلص نساء الأموييين، فباستثناء قتل عبدة بنت عبدالله بن يزيد، زوجة هشام بن عبدالملك، خلال اقتحام دمشق، لم تعكس المصادر التاريخية عمليات قتل واسعة بحقِّ النساء، وهو ذات ما فعله الأمويون بنساء الهاشميين خلال وجودهم بالحكم، لأن قتل النساء كان من أشد الخصائل نقصاً عند العرب.

وأبرز الأدلة التاريخية على ذلك هو رفض أختي عبدالرحمن الداخل، حاكم الأندلس والعدو اللدود للعباسيين، السفر إليه في الأندلس، بسبب خوفهما من مشاق ومخاطر السفر وشعورهما بالأمان في الحكم العباسي.

قبل نهاية ولايته، أصدر الخليفة العباسي الأول أبي العباس وثيقة أمان شاملة لجميع الأمويين في جميع أرجاء دولته، استجابة لابن عمه والي البصرة سليمان بن علي، الذي ساءه حجم الدماء الأموية التي أُريقت هدراً

كما نعرف أيضاً من كتب التاريخ أنه عندما اشتكت مزنة، زوجة مروان بن محمد، ضيق حالها إلى الخليفة المهدي العباسي، أكرمها وألبسها فاخر الثياب وأجزل عليها العطايا، وأبقاها في عصر عاشت فيه كالأميرات.

وتطور هذا الإحسان العباسي بحقِّ نساء بني أمية لعمليات زواج، لم تقتصر على قادة البيت العباسي، وإنما شملت الخلفاء أنفسهم، فلقد تزوج الخليفة المنصور من الأموية العالية بنت عبدالرحمن الأسيدية، وأنجب منها ولديه علي وموسى، كما تزوّج الخليفة المهدي سنة 160هـ/776م رقية بنت عمرو العثمانية، وتزوج الخليفة هارون الرشيد عائشة بنت عبدالله العثمانية.

وفي عهد الخليفة المهدي أيضاً، بدأ بيت المال العباسي ينفق الهبات والعطايا على الأمويين، كما اشتهر عدد من الأمويين الذين ضمّهم الخلفاء العباسيين لبلاطهم وجعلوهم من رجالهم المقربين، مثل إبراهيم بن سليمان بن عبدالملك، الذي لبس السواد شعار العباسيين وكان من صحابة الخليفة أبي العباس.

في عهد الخليفة العباسي المهدي، بدأ بيت المال العباسي ينفق الهبات والعطايا على الأمويين، كما اشتهر عدد من الأمويين الذين ضمّهم الخلفاء العباسيين لبلاطهم وجعلوهم من رجالهم المقربين، مثل إبراهيم بن سليمان بن عبدالملك، الذي لبس السواد شعار العباسيين وكان من صحابة الخليفة أبي العباس

وأيضاً آدم بن عبدالعزيز بن عُمر بن عبدالعزيز الذي كان من صحابة المهدي، الذي لم يكن الأموي الوحيد الذي صاحبه المهدي، وإنما شمل بلاطه أيضاً عبدالملك بن عبدالله بن يزيد بن عبدالملك، وعبدالمطلب بن عبدالله بن يزيد.

كما أقدم الخليفة هارون الرشيد على خطوة فريدة لم تتكرّر طوال العهد العباسي، حينما ولّى حاكماً أموياً على إحدى المدن، وهو محمد بن عبدالله بن سعيد حفيد عثمان بن عفان، الذي تزوّج الرشيد أخته عائشة وعيّنه والياً على مدينة مكة.

مناصب مرموقة لم تصل إلى الوزارة

وبخلاف خطوة هارون غير المسبوقة، اقتصر الترقّي الأموي في بدن الدولة العباسية على مناصب مرموقة لكنها لم تصل إلى الوزارة، فعيّن الخليفة المتوكل عبدالعزيز بن أحمد الأموي كاتباً في بلاطه، كما أُوكلت للأمويين مناصب دينية كبرى، مثل "قاضي القضاة"، الذي عهد به الخليفة المستعين للفقيه الأموي الحسن بن محمد بن أبي الشوارب، وهو المنصب الذي حافظ عليه في عهود الخلفاء التالين: المعتز، والمهتدي، والمعتمد،  وبقي في منصبه حتى مات، وبعد رحيله تولّى مركزه أخوه محمد، وبقي فيه حتى توفي الخليفة المعتمد، كما عهد للأموي عمر بن عصام بن عمر بن عبدالعزيز مهمة كبرى، وهي الإشراف على الزيادة التي جرت في مسجد النبي بالمدينة عام 161هـ/778م.

يوضح عقلة: "لعل تقريب الخلفاء العباسيين لهؤلاء النفر من بني أمية، وإدخالهم في صحابتهم، ناتج عن الرغبة في الوقوف على أخبار الخلفاء الأمويين، وسيرهم وطريقة إدارتهم للدولة، والأخطاء التي وقعوا بها للاعتبار والاتعاظ بها".

ولم يعنِ هذا أن العلاقة بين الطرفين كانت وردية، وإنما تكرر اندلاع الثورات الأموية على الحكم العباسي، والتي أَمِلَت في استعادة المجد القديم، وتركزت في الشام، بطبيعة الحال، وفشلت جميعها في تحقيق أي نجاح يذكر، ولم يكتفِ الأمويون بذلك، وإنما دعموا ثورة القائد العلوي محمد النفس الزكية على الخلافة العباسية والتي فشلت أيضاً، فتضاءلت الآمال الأموية في الإطاحة بالعباسيين.

فانصرفت أفرع منهم، مثل فروع السعيدين والزياديين، لتحصيل العلم، في محاولة منهم للاستفادة منه كوسيلة ليرفعوا من شأنهم بين الناس مجدداً، فلمعت أسماء أموية كعلماء كبار تلقوا قدراً كبيراً من الإجلال، مثل أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك، الشهير بلقب أسد السُنّة، وأحمد بن علي الأموي المروذي، أستاذ الإمامين النسائي وأبي زرعة، وعبدالله بن سعيد بن عبدالملك بن مروان، الذي قُتل والده في مجزرة نهر أبي فطرس، والذي نبغ في العلم وتتلمذ على يديه مجموعة كبيرة من كبار علماء الإسلام، مثل محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل وغيرهم الكثير.

كما نبغ عددٌ كبير من المؤرخين الأمويين مثل سعيد بن يحيى الأموي، الذي اشتهر بروايات المغازي، وذلك بسبب رغبة بني أمية في مواجهة الكمِّ الهائل من الكتب التي ألفت تحت رعاية البلاط العباسي للذمِّ في الأمويين، فاعتنوا بإبراز دور أجدادهم في نشر الإسلام، وتسليط الضوء على منجزات دولتهم والطعن في الروايات التي انتشرت، بتشجيع من العباسيين، والتي تسبُّ في الأمويين وتصورهم كفئة خارجة عن أخلاق الإسلام.

وبقيت آمال الأمويين في استعادة عروشهم ناراً خابية في صدورهم، وحالت بقية الأيام من تحققها،  حتى انطفأت واستحالت إلى رمادٍ بلا نار، وهو الحال الذي استمرَّ حتى أنهى المغول الخلافة العباسية، ولم يعد هناك عرش يتنازعون عليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard