"نقف على منحدر حرج"... الجفاف يهدد الحياة الاجتماعية في العراق

الثلاثاء 24 مايو 202201:59 م

ترتفع حدة المنغّصات على الحياة الاجتماعية العراقية يوماً بعد آخر، فبالإضافة إلى ما يسببه استمرار حالة الانسداد السياسي من توتر نفسي، فإن الأزمة المناخية بدأت تلقي بظلال ثقيلة على المواطنين، يبدو أثرها واضحاً على كافة نواحي الحياة العامة.

ويُعدّ العراق واحداً من أكثر الدول هشاشةً من الجانب المناخي، إذ يحتل المرتبة الخامسة عالمياً من حيث التأثر بنقص المياه والغذاء وارتفاع درجات الحرارة، وهي عوامل تجعل العراقيين في ما يشبه الحرب المستمرة ضد التغييرات المناخية.

هذه الحرب لا تتوقف عند موجات العواصف الترابية القوية التي باتت أمراً متكرراً بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة، بل تشمل ارتفاع درجات الحرارة، والتراجع الحاد في نسب الأمطار على مدى السنوات الماضية، ولربما يُعدّ الجفاف الحالي من أبرز معارك هذه الحرب الشرسة، بسبب تعلقه بإمكانية استمرار الحياة في العراق بشكل مقبول.

يُعدّ العراق واحداً من أكثر الدول هشاشةً من الجانب المناخي.

عوامل طبيعية وبشرية

منذ قرابة شهر، ضجّت وسائل إعلام محلية وعربية بجفاف بحيرة ساوة الشهيرة جنوب البلاد، لكنها ليست الوحيدة التي طالتها يد الجفاف، إذ أعلن مدير ناحية السعدية التابعة لمحافظة ديالى شرق العراق، عن اختفاء بحيرة حمرين من الوجود بالكامل، وتحولها إلى مجرد نهر لعبور نهر ديالى. وهذا الجفاف لم يكن بسبب التأثير المناخي فحسب، وإنما بشكل أساسي يتعلق بقطع إيران لمياه نهرَي الوند وسيروان عن العراق، ما أدى إلى تراجع منسوب السدود ومن ثم انخفاض النهر المغذّي للبحيرة بنسبة 75%.

نهر دجلة يشهد من جانبه أزمةً أخرى، إذ أدت السدود التي أقامتها الحكومة التركية على ضفتي النهر بقرب الحدود العراقية إلى انخفاض منسوبه بشكل كبير، كما يعاني نهر الفرات من أزمة مشابهة بسبب تحكم قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على سد الطبقة في محافظة الرقة السورية بالإطلاقات المائية، وهي بدورها تخفض حصة المياه الواردة إلى العراق مع تراجع الكميات المتدفقة إلى سوريا من النهر.

وهذه العوامل ليست المتهم الوحيد في أزمة الجفاف بطبيعة الحال، إذ يساهم ارتفاع درجات الحرارة وسوء الاستهلاك وإهمال الحكومة للمشاريع المائية على مدى العقدين الماضيين باختلال موازين هذه الأزمة.


تأثيرات واضحة على الزراعة والصناعة

أزمة الجفاف الحالية، بالإضافة إلى ما تسببه من تلوث وأضرار صحية، تؤثر بشكل مباشر على تقلص النشاط الزراعي، وهو على الرغم من تداعيه المستمر منذ فترة، يرفد العراق بما يقارب 3 إلى 4 مليون طن من المحاصيل الإستراتيجية وهي الحنطة والشعير، والتي تلبّي بعضاً من الاحتياج المحلي للاستهلاك، وذلك حسب الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي نبيل جبار العلي.

وأضاف في تصريحه لرصيف22، أن هذه الأزمة تأتي تزامناً مع الأزمة الغذائية العالمية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، وتالياً فإن العراق يقف على منحدر حرج في إمكانية توفير هذه المنتجات الرئيسية.

التغيير الديمغرافي بسبب الجفاف لم يشمل هجرة الأرياف إلى بغداد والمدن الكبرى فحسب، بل أن هناك مدناً زراعيةً بدأت تتخذ طابعاً حضرياً بسبب تجريف بساتينها الزراعية وتحويلها إلى أراضٍ سكنية

جدير بالذكر أن الكثير من المنتجات الزراعية قد تضررت في العراق بسبب ضعف منظومات الري والجفاف، ومن هذه المنتجات المشمش والرمان والحمضيات والتمور، كما أن وزارة الزراعة منعت زراعة الأرز والذرة والسمسم وزهرة الشمس والقطن ومحاصيل أخرى بسبب استهلاكها كميات مائيةً كبيرةً، ما أدى إلى تقلص أكثر من نصف المساحات المزروعة على مدى السنوات الخمس الماضية، وتالياً تراجع نسب الإنتاج الزراعي.

ويكشف العلي، أنه بالإضافة إلى تأثير الجفاف على الجانب الزراعي، فإن الكثير من الأعمال الصناعية مثل المصافي والمصانع الدوائية والإنتاجية والتي تدخل المياه في صناعاتها أو مراحل إنتاجها ستتضرر أيضاً، وتالياً ستتجه هذه المحطات نحو البحث عن موارد جديدة تتكيف مع وضعها الجديد.

وبناءً على ذلك، يعتقد العلي أن التأثير الأكبر على الحياة الاقتصادية سيكون بارتفاع نسب البطالة، واختلال سوق العمل المرتبط بالزراعة وتسويق منتجاتها ومختلف أنواع الإنتاج الحيواني، وسيؤدي ذلك إلى هجرة العراقيين من الأرياف نحو المدن بحثاً عن فرص عمل.


هجرة الأرياف نحو المدن

بحسب تصريحات سابقة العام الفائت للرئيس العراقي المنتهية ولايته، برهم صالح، فإن أزمة الجفاف تهدد بهجرة أكثر من سبعة ملايين عراقي من الريف، وهو ما سيؤدي إلى تغيير الطبيعة السكانية وإحداث خلل غير مسبوق في التوزيع الديمغرافي في البلاد.

وشهد العراق على مدى العقدين الماضيين، هجرة الكثير من أبناء الأرياف إلى المدن، بسبب الجفاف أو ضعف الدعم الحكومي للقطاع الزراعي، وهو ما يدفع العاملين في هذا المجال إلى البحث عن فرص عمل أخرى توفر لهم نوعاً من الأمن المعيشي، بحسب الباحث في الشأن الزراعي صباح السعدون.

أزمة الجفاف تهدد بهجرة أكثر من سبعة ملايين عراقي من الريف.

ويلفت في حديثه إلى رصيف22، إلى أن التغيير الديمغرافي لم يشمل هجرة الأرياف إلى بغداد والمدن الكبرى فحسب، بل أن هناك مدناً زراعيةً بدأت تتخذ طابعاً حضرياً بسبب تجريف بساتينها الزراعية وتحويلها إلى أراضٍ سكنية، وهو ما يبدو واضحاً في محافظتي صلاح الدين وبابل وغيرهما.

الباحثة الاجتماعية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، سجى خالد، تقول إن هذه الهجرات المستمرة، بالإضافة إلى ما تسببه من ضغط كبير على البنية التحتية للمدن، فإن لها جانبَي ضرر آخرَين.

وتحدد الجانب الأول بارتفاع نسب الحساسيات الاجتماعية بين سكان الأرياف والمدن، بسبب احتكاكهم المباشر مع بعضهم البعض، واختلاف أنماطهم المعيشية، ومن ثم زيادة المشكلات الاجتماعية.

أما الجانب الثاني، فتوضح لرصيف22، علاقته بالصعوبات التي سيتعرض لها الريفيون في المدينة، من حيث زيادة حدة الضغوط النفسية بسبب اختلاف الطبيعة المعيشية والاجتماعية، بالإضافة إلى صعوبة تكيّفهم مع بيئتهم الجديدة.


علاقة الجفاف بالأمراض النفسية

تأزم حالة الجفاف سيؤدي بلا شك إلى تراكم الضغوط داخل المجتمع، بسبب الخوف من تزايد نسب البطالة أو الخسائر الاقتصادية، بالإضافة إلى الضغوط الحياتية المتعلقة بتوفير الغذاء.

وإلحاقاً بهذا الشأن، يؤكد الطبيب النفسي عبد الأمير الربيعي، لرصيف22، أن استمرار الأزمة يسبب ارتفاع حدة الإجهاد النفسي الناتج عن محن الحياة، والخوف من عدم القدرة على توفير مسببات الحياة. وينتج عن ذلك تالياً ارتفاع نسب الإصابة بأمراض الاكتئاب والقلق القهري والوسواس الاجتماعي الانعزالي، وانخفاض معدل التفاعلات الاجتماعية.

ومن الجهة المقابلة، فإن كل هذه العوامل سيكون لها أثر على ارتفاع نسب الجرائم وتدهور الوضع الأمني بشكل خطير، بسبب التنافس على توفير الغذاء والماء بأي وسيلة، بالإضافة إلى ما يسببه من ارتفاع شديد في درجات الحرارة وتالياً ارتفاع نسب ثاني أوكسيد الكاربون في الجو، والذي يسبب زيادةً طرديةً في أمراض القلب والتنفس والكبد والسرطان.

الكثير من المنتجات الزراعية تضررت في العراق بسبب ضعف منظومات الري والجفاف، ومنها المشمش والرمان والحمضيات والتمور، كما أن وزارة الزراعة منعت زراعة الأرز والذرة والسمسم وزهرة الشمس والقطن ومحاصيل أخرى بسبب استهلاكها كميات مائيةً كبيرةً

مبادرات نحو الحل

لم تقدّم الحكومة حتى الآن أي دعم يُذكر لحل كل هذه الأزمات المترابطة، ويشير مصدر في وزارة الموارد المائية لرصيف22، إلى أن الوزارة الآن تدرس احتمال تقليل نسب الضخ المائي إلى المناطق السكنية.

ويضيف المصدر مفضّلاً عدم الإفصاح عن اسمه: "تحاول الوزارة تمرير قانون لدراسته في مجلس الوزراء، يمنع حفر الآبار داخل البيوت أو المزارع، للوقاية من جفاف المياه الجوفية"، ويؤكد أن هذه الحلول وقتية، وهناك دراسات موسعة تحاول التوصل إلى حل شامل للأزمة، ولكنه يستدرك في الوقت ذاته أن جميع هذه الحلول لا تزال بعيدةً عن ساحة التطبيق الفعلي أو الحلول الناجعة.

في المقابل، تسعى بعض المنظمات الدولية والمحلية إلى إطلاق مبادرات لترشيد استهلاك المياه. وفي هذا السياق يقول الناشط المدني المستقل سجاد اللامي، إن بعض الناشطين والمنظمات المجتمعية يعملون على توعية المواطنين بأهمية ترشيد الاستهلاك المائي، من خلال إقامة الندوات أو إطلاق الحملات وتوزيع النشرات المختصة وغيرها، ولكن لا يمكننا حتى الآن الحديث عن أثر فعلي وواضح لهذه الجهود.

وفي ظل هذه الحيثيات يمكن القول إن العراق مقبل على كارثة غير مسبوقة على مر التاريخ، تهدد وجوده الذي بُني عليه تاريخه واسمه (بلاد ما بين النهرين). فهل سيتحول النهران إلى صحراء قاحلة، أم سيتم إيجاد الحلول، وحماية المجتمع من مخاطر قد لا تُحمد عقباها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard