"الزراعة أصبحت غير مجدية"... تغيّر المناخ يجبر آلاف التونسيين على الهجرة

الثلاثاء 19 أبريل 202201:05 م

غادر سالم ب.، مسقط رأسه في ولاية تطاوين جنوب شرق تونس، واتّجه نحو مدينة سوسة الساحلية للعمل في إحدى المعامل بعد أن وضع حدّاً لعمله السابق كمزارع، وهي حرفة زاولها لأكثر من 18 عاماً.

ويقول سالم، البالغ من العمر 39 عاماً، لرصيف22: "تواترت السنوات العجاف، وأصبح العمل في الزراعة غير مجدٍ من الناحية المادية، بسبب محدودية التساقطات المطرية وارتفاع أسعار الأسمدة وضعف المحاصيل".

ويعيل سالم، الذي انقطع عن الدراسة منذ سن السابعة، أسرةً من ستة أفراد. ومع غياب مؤسسات اقتصادية من شأنها توفير مواطن رزق للسكان في منطقته، قرر الهجرة إلى الشمال بحثاً عن فرص عمل أفضل.

"شخصياً، كنت أفضّل الهجرة إلى أوروبا لكن إمكاناتي المادية لا تسمح بذلك. وضعي الحالي ليس أفضل كثيراً. لكنني على الأقل أجني راتباً ثابتاً، خصوصاً أنني لا أمتلك شهادةً علميةً تمنحني هامشاً مناسباً للاختيار".

لا تبدو وضعيّة سالم حالةً معزولةً، إذ أصبحت الهجرة من الأرياف إلى المدن إحدى طرق الاستجابة في تونس، خاصةً عندما تتأثر تلك المناطق بالضغوط والتهديدات البيئية المختلفة التي تؤثر على استدامة الأنشطة الزراعية والاقتصادية.

تواترت السنوات العجاف، وأصبح العمل في الزراعة غير مجدٍ من الناحية المادية.

تهديد جدّي

وبالرغم من غياب دراسات حديثة عن تأثير تغيّر المناخ على الهجرة الداخليّة في تونس، يُجمع خبراء تحدّثوا إلى رصيف22، على أنّ التغيّر المناخي يشكّل تهديداً جديّاً لآلاف المزارعين الذين جفّت محاصيلهم، وانخفضت إنتاجيتها بسبب نضوب السدود وشحّ إمدادات المياه.

وكشف الخبير البيئي، حمدي حشاد، أنّ الهجرة الداخلية هي الخيار الأول للمزارعين الذين تأثرت محاصيلهم بموجات الجفاف، ولا يمتلكون الصلابة المادية لتحمل تداعيات التغير المناخي على مصدر دخلهم الوحيد.

ويضيف حشاد، في تصريح لرصيف22: "دفع تواتر مواسم الجفاف في السنوات الأخيرة العديد من المزارعين إلى العزوف عن تعاطي الأنشطة الزراعية"، مشيراً إلى أن صغار المزارعين مهددون بالاندثار بالرغم من دورهم المهم في تماسك السياسة الغذائية للبلاد.

وأطلقت منظمة الأمم المتحدة الدولية للهجرة بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، دراسةً بعنوان "الهجرة والبيئة في تونس: العلاقات المعقدة والتحديات من أجل التنمية". وعدّت الدراسة أنّ البيئة، لا سيما تدهور النظم الأيكولوجية، عامل أساسي وراء هجرة السكان الذين يعيشون نمط حياة ريفية ويمارسون أنشطةً زراعيةً ورعويةً. وتشير الدراسة الى أن الهجرة المؤقتة أو الدائمة هي إحدى إستراتيجيات الأسر الريفية للتكيّف مع عواقب التحوّلات البيئية الناتجة عن تغير المناخ.

تراجع منسوب المياه في سد بوهرتمة شمال تونس وتحوّل مساحات شاسعة نحو الرعي - تصوير عيسى زيادية

وحسب الدراسة، يلجأ الأفراد إلى الهجرة من مناطقهم التي تتعرض فيها النظم الأيكولوجية إلى التدهور والهشاشة، بغية ضمان سبل عيش في المقام الأول، وهي سبل بديلة للزراعة ومدفوعة بمفاهيم المهاجرين للفرص الاقتصاديّة في مناطق المقصد، أو الوجهات التي يختارونها.

من الوفرة إلى الاستيراد

ويزرع المزارعون التونسيون الزيتون والتمر والحمضيات للتصدير والاستهلاك المحلي. وتساهم الزراعة في نحو 10% من الناتج الداخلي الخام، وبنسبة 10% في الصادرات التونسية، وتستقطب 8% من جملة الاستثمارات في الاقتصاد الوطني، و14% من اليد العاملة النشيطة حسب المعهد التونسي للإحصاء.

وبالرغم من تلك الأهمية، يصطدم قطاع الزراعة، الذي يوفّر مورد رزق لأكثر من 500 ألف مزارع، بعقبات عديدة بسبب تأثير تغير المناخ وتواتر موجات الجفاف. وكل عام، يسجل فقدان 20،000 هكتار بسبب نقص المياه الجوفية، والتي يقع الإفراط في استخدامها في أكثر من 25% من المناطق المروية. وتعاني تونس من نقص حاد في الإيرادات المائية تؤثر على نسب امتلاء السدود التي لم تبلغ في السنوات الفائتة بأحسن الأحوال أكثر من 60 في المئة.

وبسبب ضعف التساقطات خلال المواسم الثلاثة الماضية، تراجع إنتاج الحبوب إلى 800 ألف طن سنة 2020، كما تراجعت مساحات الزراعات الكبرى من معدل مليون و500 ألف هكتار قابلة للبذر، إلى مليون و253 ألف هكتار في الموسم الزراعي 2022/2021.

لا ينوي الجيلاني مغادرة أرضه في ولاية تطاوين، أو ترك مهنته التي ورثها أباً عن جد، لكنه أكد في المقابل أنه لن يشجع أبناءه على العمل في الحقول لأن آفاق هذا القطاع تبدو قاتمةً

ومن المتوقع أن تؤدي التغيرات المناخية إلى تقلص المساحات المخصصة لزراعة القمح بنسبة 20% بحلول سنة 2050، حسب ترجيحات خبراء في الزراعة، ما سيقلّص من نسبة الاكتفاء الذاتي ويزيد من تعويل البلد الذي عُرف قديماً باسم "مطمورة روما" للدلالة على ما كان يقدّمه من قمح للإمبراطورية الرومانية، على الاستيراد.

التوجّه نحو المدينة

من جهتها، شدّدت إيناس لبيض، منسّقة قسم العدالة البيئيّة في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، على أن المزارعين ورعاة الأغنام في الجنوب التونسي، ليسوا وحدهم من رزحوا تحت سطوة الطبيعة، واختاروا الهجرة الداخلية للتكيف مع التغيرات المناخية.

وأضافت في تصريح لرصيف22، أنّها من خلال عملها الميداني، كانت شاهدةً على مغادرة المئات من سكان غابات عين دراهم في شمال غرب تونس، منازلهم، مفضّلين السكن في المدينة بسبب تكاثر الخنزير البري وإتلافه ممتلكاتهم، فضلاً عن تساقط الثلوج وحدوث الفيضانات وغيرها من الظواهر المناخيّة المتطرفة التي تعمّق عزلتهم وتهدّد منازلهم البسيطة.

وأبرز المصدر ذاته أن الهجرة المناخية شملت مزارعين في مدينة ڨابس جنوب شرق تونس، إذ غادروا واحاتهم بسبب شحّ المياه العذبة، وأيضاً صغار البحارة في مدينة المنستير الساحلية الذين أدّى تراجع الثروة السمكية قبالة شواطئهم إلى جعلهم يغيّرون أماكن سكنهم أو أنشطتهم الاقتصادية.

تراجع منسوب المياه في سد بوهرتمة شمال تونس وتحوّل مساحات شاسعة نحو الرعي - تصوير عيسى زيادية

"لا أنوي توريث المهنة"

بدوره، أكد المزارع الجيلاني ش.، أن المزارعين التونسيين يمرون بفترة عصيبة، لأنهم في صراع متواصل مع السلطات للحصول على مياه الري التي تنقطع بشكل مستمر وارتفعت أسعارها بشكل كبير.

ويسيطر القلق على المزارع البالغ من العمر 53 عاماً، والذي لحقت بمحاصيل الزيتون الخاصة به أضرار بالغة خلال الموسم الزراعي الماضي بسبب الجفاف، متخوفاً من أن الموسم القادم لا يبدو أفضل حالاً.

وأضاف الجيلاني، في حديث إلى رصيف22: "أغلبية المزارعين خارج إطار التغطية والتأمين من مخاطر الجفاف"، عادّاً أنهم تكبّدوا خسائر فادحةً بسبب تدنّي خصوبة الأراضي الصالحة للزراعة وارتباط المساحات المبذورة بالأمطار الخريفية، ولم تفلح المنح الحكومية في التخفيف من وطأتها.

ولا ينوي الجيلاني مغادرة أرضه في ولاية تطاوين، أو ترك مهنته التي ورثها أباً عن جد، لكنه أكد في المقابل أنه لن يشجع أبناءه على العمل في الحقول لأن آفاق هذا القطاع تبدو قاتمةً.

يحزم صغار المزارعين في تونس أحزمتهم، ويتوجّهون إلى مناطق أكثر خصوبةً وأقلّ هشاشةً، بحثاً عن آفاق اقتصادية أرحب، وهو ما ستنتج عنه غالباً تغييرات عميقة في التوازن الديمغرافي للبلاد

التونسيون والهجرة

وصنّف البنك الدولي تونس ضمن مجموعة الدول المهدّدة بتنامي الهجرة الداخلية، لأسباب مناخية وبيئية، محذّراً من أنّ آثار تغيّر المناخ السلبية هو أحد أبرز عوامل الهجرة التي تزداد قوةً يوماً بعد يوم. وأشار البنك الدولي في السياق العالمي إلى أنّ التغيّر المناخي الذي يشهده العالم قد يجبر 216 مليون شخص في ستّ مناطق من العالم على الارتحال داخل حدود بلدانهم بحلول عام 2050، من بينها تونس.

ومن جهة أخرى، تشير دراسة حول الواقع الديمغرافي في تونس، إلى أن البحث عن فرص العمل يحتلّ المرتبة الأولى من بين أسباب الهجرة الداخلية. وتبيّن الدراسة التي أنجزها الباحث في علم الاجتماع المختص في الديموغرافيا، حسان القصار، بالتعاون مع البنك الدولي بعنوان "الهجرة في المغرب العربي وغرب البحر الأبيض المتوسط"، إلى أن أسباب هجرة 64% من التونسيين تتعلق أساساً بفرص العمل. ولفت تقرير البنك الدولي نفسه إلى أنّ المناطق الجاذبة لموجات الهجرة الداخلية في تونس، هي إقليم تونس الكبرى الذي حقّق في الفترة ما بين عامَي 2009 و2014 هجرةً قُدّرت بنحو 46 ألف مواطن، إلى جانب الوسط والجنوب الشرقي اللذين استقطبا 119.6 ألفاً من إجمالي عدد الوافدين على الأقاليم الساحليّة والبالغ عددهم 360.8 ألفاً.

وحسب بيانات رسمية، يعيش أكثر من 70% من سكان تونس على طول الساحلين الشمالي والشرقي للبلاد.

تراجع منسوب المياه في سد بوهرتمة شمال تونس وتحوّل مساحات شاسعة نحو الرعي - تصوير عيسى زيادية

وأبرز الباحث الأنثروبولوجي، محمد بالطيب، خلال حديثه إلى رصيف22، أن تصدّر قرار الهجرة لسلم أولويات المزارعين الذين ينوؤون تحت وطأة انخفاض مردودية حقولهم، مردّه إلى تشكيل المغتربين من أبناء هذه المناطق "مجتمعات" خاصةً في بيئاتهم الجديدة، سواء داخلياً في الشمال التونسي أو خارجياً في أوروبا، وتميّزهم بمهن معيّنة وأنظمة فريدة للتضامن وتبادل الخبرات الفنية في القطاعات التي يشتغلون فيها، وهي غالباً التجارة في أسواق مدينة تونس وأسواق الجملة الكبرى، وتوزيع الصّحف، وقطاع الفواكه الجافة في العاصمة، فضلاً عن تميّزهم في قطاع المخابز والمرطبات في فرنسا وأوروبا.

ونبّه بالطيب إلى حضور الهجرة بشكل لافت في المتن الشعري والغنائي في الجنوب التونسي، حتى تبدو وكأنّها الموضوع الرئيسي للفن الغنائي، إذ تردّد مواويل كثيرة وأغانٍ في الأعراس والمناسبات الاجتماعية والخاصة. هذا الأمر ساهم في تقبّل مجتمعيّ لقرار الهجرة عند انسداد الأفق ومواجهة صعوبات لتحقيق دخل لائق.

حكومياً، تبدو المعلومات شحيحةً حول خطط تونس للتعامل مع ظاهرة الهجرة المناخية، باستثناء اعترافٍ بأنّه ستكون هناك مياه "أقل بكثير" في عام 2050، نتيجة نقص الأمطار مقابل ارتفاع عدد السكان، والتوجّه نحو زراعة أصناف جديدة من المحاصيل تتلاءم مع الجهد المائي الذي تعاني منه البلاد.

يحزم صغار المزارعين في تونس أحزمتهم، ويتوجّهون إلى مناطق أكثر خصوبةً وأقلّ هشاشةً، بحثاً عن آفاق اقتصادية أرحب، وهو ما ستنتج عنه غالباً تغييرات عميقة في التوازن الديمغرافي للبلاد. لكن الأكيد أن التغيرات المناخية ستستهدف فئات أخرى بشكل أكثر حدّةً إذا لم يتم رسم خطط تكيّف أكثر استدامةً، وتنفيذها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard