لبنان مصنع للاكتئاب... أسرة قُتلت ورجل أدار ظهره للجوع

الأربعاء 23 يونيو 202106:00 م
Read in English:

Lebanon,‌ ‌the‌ ‌Land‌ ‌of‌ ‌Lost‌ ‌Hope

نكتئب لأن هذه البلاد مصنع يومي للاكتئاب بكل التفاصيل التي تقدّمها لنا. لأننا إذا رأينا حريقًا مندلعًا نختبئ في أروقة المنازل خوفًا من الانفجار القادم. ولأن الذهاب إلى العمل صار مستحيلًا ولأن الناس يجتاحون الأماكن العامّة لأخذ حقوقهم بيدهم بدلًا من اللجوء إلى القوانين الغائبة. ولأن أمًا وبناتها الأربع قتلن في حادث مأسَوي على اوتوستراد السعديات جرّاء تصادم خمس سيّارات أثناء بحثهنّ عن مادّة البنزين لاستقبال الوالد الذي كان سيصل في اليوم التالي من سفره إلى بيروت.

وصل الوالد إلى بيروت ليجد فاطمة، وزهراء، وآية، وليا، وتيا جثثًا في بلد لا يكترث لأرواح قاطنيه، واستمر الفراق بين العائلة.

وصلتنا ليلة أمس أيضًا صورة الشاب ماتيو علّاوي عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتبلّغنا بنبأ رحيله عن الحياة في ظروف لم يتم الكشف عنها حتى اللحظة.

وصل الوالد إلى بيروت ليجد فاطمة، وزهراء، وآية، وليا، وتيا جثثًا في بلد لا يكترث لأرواح قاطنيه، واستمر الفراق بين العائلة

عبر صفحته الخاصّة على فيسبوك كان قد عبّر ماتيو عن وجعه الخاص من خلال مقطع كتب فيه: “أنا شخصياً عايش حالة يأس، كآبة، حزن، قرف، استسلام،… ما قادر شوف مستقبل، ما قادر شوف وضع أحسن، ما قادر شوف إيام حلوة لبعيد… يمكن بالوقت الحالي بجرّب رفه عن حالي بأي وسيلة ممكنة… بس فعلياً، بتخلص لحظة الترفيه و بتروح معها الضحكة، و برجع لنفس الحالة… كيف قادرين نعيش هيك؟ كيف قبلانين؟ #لبنان #كلن_يعني_كلن #كسم_زعيمك”.


تراكم اليوميات

يفتح الشاب التلفاز ليشاهد فيلمًا يفصله عن الواقع، يضحك لأن صاحب خط الساتالايت قطع الإرسال لأن لا كهرباء لديه، فيجلس مع واقعه المزري. تحاول الفتاة أن تذهب وتعمل في أحد المقاهي لعدم توفّر الكهرباء أيضًًا في منزلها، فيعيقها خزّان المياه الفارغ. تبقى في المنزل وتتخلّى عن العمل والاستحمام في هذا اليوم. تخرج الأم إلى المتجر لتبتاع الطعام لعائلتها فتحدّد الوجبات بحسب قدرتها الشرائية الضئيلة وتبقى المساحة الشاسعة من البرّاد فارغة. يخبرني قريبي أن إحدى النساء كانت ترمي ما تبقى لديها من زيت القلي المستخدم وتوقّفت حين صرخت جارتها وطلبت منها أن تعطيها الزيت لتستخدمه هي. يرتدي الرجل قميصه الأبيض ويقف قرب المطعم طالبًا من الزبائن ما تيسّر. أستدير نحو أصدقائي وأردّد أن هذا الرجل يبدو كأنه خسر وظيفته في ظل الانهيار الشامل، يطلبون مني تناول طعامي وعدم تحليل الموقف والاكتفاء بمساعدته. أكمل طعامي وأفكّر به حتى اللحظة، لا بدّ أن هذا الرجل كان موظّفا حكوميًا. وأن الرجل الآخر الذي صار يقف قرب فرع بربر في منطقة سبيرز ويدير ظهره نحو الشارع ويواجه البوابة ليتناول الطعام الذي يقدّمه له الماره، لا بدّ أن لديه الكثير من عزّة النفس كي يخبّىء جوعه عن وجوه الغرباء.

يصفنا العائدون من السفر، نحن الذين بقينا هنا، بأننا زومبيز، أموات أحياء. لم ينتشل أحد جثثنا من تحت الركام ولم يبك علينا أحباؤنا، لم ترفع صورنا 

الانفجار داخلي

يصفنا العائدون من السفر، نحن الذين بقينا هنا، بأننا زومبيز، أموات أحياء. ولا أجد وصفًا أدق من هذا. نحن الذين لم نقتل في الانفجار، الذين نجونا من الوباء وعلقنا في الانهيار الاقتصادي وفشلنا في إطاحة المنظومة الحاكمة. لم ينتشل أحد جثثنا من تحت الركام ولم يبك علينا أحباؤنا، لم ترفع صورنا وتحتها أسماؤنا التي ستنساها الأجيال المطلة. نحن الذين نجونا نموت كل يوم لكننا أحياء. ولكل الذين لا يفهمون ما هو الوضع القائم في هذه اللحظة في لبنان، بإمكاننا القول نحن الذين نعيشه إنه مزيج من الإنكار وعدم الاكتراث وقلق دائم من الكارثة المقبلة، ولهذا السبب نطالب بأن يحل الدمار الشامل كي نفهم فقط الأرضية التي نقف عليها، وربما حينذاك سنستطيع أن ننظّم يومياتنا على أساسها.

أما ما يحدث الآن من وعود بجلب الكهرباء والمزيد من الوقود، وحلول المصرف المركزي غير المستدامة والأسعار المتغيرة يوميًا، هذه الترقيعات تدفع بالمواطنين إلى حمل أسلحتهم وقتل كل تهديد خارج أنفسهم، من العتمة، والمحروقات والمصارف، وتدفعهم في بعض الأحيان إلى انفجار داخلي يؤدي بهم إلى الانتحار أو الانفصال عن الواقع، وذلك لأن الطبيعة البشرية ليست مؤهلة لاحتمال كل هذا القلق المرافق للذل واحتوائه. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard