"المطلوب تغيير جذري"... مبادرات في قطر للحد من هدر الطعام خلال رمضان

الأحد 24 أبريل 202210:57 ص

في جميع أنحاء العالم، يشكّل هدر الطعام إحدى القضايا الرئيسية التي تهدد الأمن الغذائي، وقطر ليست استثناءً، إذ يُعدّ هدر الطعام مشكلةً اجتماعيةً واقتصاديةً وبيئيةً كبيرةً في الدولة الخليجية، فقطر من بين الدول العشر الأوائل في العالم من حيث نصيب الفرد من النفايات الغذائية، والتي تتراوح من 584 إلى 657 كيلوغراماً في السنة، فيما تقدّر وزارة البيئة القطرية أن أكثر من نصف النفايات المنزلية في قطر هي من بقايا الطعام.

ويزداد هذا الهدر خلال شهر رمضان، على الرغم من أنه يُعدّ شهراً للروحانية وضبط النفس والاستغناء عن الطعام، فتصل نسبة الهدر في المواد الغذائية في قطر إلى 90% في هذا الشهر، وذلك حسب دراسة أجراها معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية في جامعة قطر عام 2019.

يزداد الهدر خلال رمضان، على الرغم من أنه شهر للروحانية وضبط النفس والاستغناء عن الطعام.

ويقول سلمان ظفار، مؤسس "إكو مينا"، وهي منظمة تسعى إلى تعزيز الوعي البيئي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "يميل الناس خلال رمضان إلى شراء أكثر من احتياجاتهم العادية. ولأنه يمكن استهلاك كمية محدودة من الطعام فقط خلال هذا الشهر، تصبح الكمية الإضافية من الطعام المطبوخ نفايات، لأن بقايا طعام الإفطار لا يتم تناولها عادةً كوجبات خفيفة أو كسحور في اليوم التالي. كما يزداد الطلب على الطعام الطازج لأن غالبية الناس على استعداد لإنفاق مبلغ إضافي لتحسين جودة الطعام في هذا الشهر".

ويرى ظفار خلال حديثه إلى رصيف22، أن معالجة هدر الطعام تتطلب تغييراً جذرياً في سلوك المستهلك والمواقف العامة في قطر، موضحاً أنه "على مدى العقود القليلة الماضية، أصبح مجتمعنا أكثر تبذيراً بسبب ارتفاع الدخل ومستويات المعيشة والنزعة الاستهلاكية والقدرة على تحمل التكاليف".

ولا يختلف الوضع كثيراً في أنحاء العالم الإسلامي، فيتم إهدار 38% من المواد الغذائية المحضرة يومياً في الإمارات العربية المتحدة، وترتفع هذه النسبة إلى 60% خلال شهر رمضان. كما وجد المكتب الإقليمي لغرب آسيا التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن 25% إلى 50% من الطعام المحضر في شهر رمضان في غرب آسيا يضيع هباءً.

تغيير للسلوك

في قطر، غالباً ما يحتفل الناس برمضان عبر الولائم العائلية والموائد المفتوحة الفخمة للإفطار والسحور، والتي تقيمها الفنادق والمطاعم في ما يسمى بالخيم الرمضانية.

أسامة غاراتكار، كان معتاداً على ارتياد تلك الخيم، لكنه توقف عن ذلك بعد تطوعه منذ ثلاث سنوات مع مبادرة "وهاب" لمكافحة هدر الطعام.

هناك الكثير من الأشخاص الذين تواصلوا معنا في شهر رمضان للتبرع بفائض الطعام. لذلك أعتقد بالتأكيد أن هناك وعياً، وهناك تغييراً. لكنني أرى بأنه يجب القيام بالمزيد، لا سيما في ما يتعلق بمنافذ بيع الأطعمة والمشروبات

يقول الشاب الهندي المقيم في قطر: "أشعر بالاستياء من هدر الطعام الهائل في المجتمع. يوجد الكثير من الخيم الرمضانية التي اعتدت زيارتها، لكنني توقفت عن ذلك الآن لأني لم أعد أريد أن أكون جزءاً من هدر الطعام الذي يحدث فيها". وجدير بالذكر أن البيانات الرسمية تشير إلى أنه "لا يوجد فقر مدقع في قطر، إنما هنالك عدد قليل جداً لمواطنين يعتمدون على معونات المؤسسات الخيرية وصندوق الزكاة".

"وهَاب"، هي إحدى المنظمات غير الربحية التي تسعى إلى الحفاظ على الغذاء وتقليل الهدر، وقد تمكنت خلال الأربع سنوات الماضية من تحويل أكثر من 550 طناً من الطعام بعيداً عن المكبات، من خلال التعاون مع 150 متطوعاً مسجلين في مجموعتها على "واتس آب". ولولا ذلك لكان مصير هذا الطعام صندوق القمامة في الغالب.

من مبادرة "وهاب"

تعتمد "وهاب" على إستراتيجيات عدة لمكافحة هدر الطعام، مثل حملات التوعية بالتعاون مع المدارس وأفراد المجتمع، ونشر ثقافة تحويل بقايا الطعام إلى سماد عضوي في المنازل أو المؤسسات، بجانب جمع فائض الطعام من المطاعم والفنادق ومنافذ البيع وتوزيعه على المحتاجين.

وتعتقد وردة ماموكويا، مؤسسة المبادرة، أن هذه الجهود ساهمت في إحداث تغيير حقيقي في عقلية المستهلكين المحليين، لكنها تؤكد الحاجة إلى بذل مزيد من الجهد في هذا الصدد.

تقول: "هناك الكثير من الأشخاص الذين تواصلوا معنا في شهر رمضان للتبرع بفائض الطعام. لذلك أعتقد بالتأكيد أن هناك وعياً، وهناك تغييراً. لكنني أرى بأنه يجب القيام بالمزيد، لا سيما في ما يتعلق بمنافذ بيع الأطعمة والمشروبات".

وتوضح ماموكويا، أن الشركة تسعى إلى إعادة توزيع فائض الطعام من بوفيهات الإفطار والسحور التي تنتشر في المطاعم والفنادق في قطر خلال الشهر الفضيل، لكن معظم المطاعم لا ترغب في المشاركة بسبب الخوف من أي مسؤولية عن حالة الطعام.

ربط رمضان بالطعام يجب أن يتوقف في مكان ما.

وتعزو ماموكويا زيادة الاستهلاك خلال شهر رمضان إلى الربط الإعلاني بين رمضان والطعام. "أعتقد أن ربط رمضان بالطعام يجب أن يتوقف في مكان ما. ولكن للأسف ما نراه، خاصةً من قبل جميع القطاعات التجارية والإعلانات وبعض المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي والحملات الدعائية والإعلانية، هو أن كلها تربط رمضان بالطعام".

مبادرات أخرى تسعى إلى الأهداف ذاتها، منها مبادرة "حفظ النعمة" التي تعمل كبنك طعام للوجبات الفائضة التي تُجمع من المطاعم والمآدب والحفلات، لتوزَّع على المحتاجين بعد إعادة تغليفها.

في إطار برنامج إفطار رمضان، تقوم "حفظ النعمة" بتوزيع 3،700 وجبة على العمال في معسكرات العمل، وتأتي معظم هذه الوجبات من مصادر الطعام الفائض يومياً. وقد بلغ عدد الوجبات التي وُزّعت خلال شهر رمضان، 29،214 وجبةً، حتى موعد كتابة هذا المقال.

من مبادرة "وهاب"

دور الوباء في رفع الوعي

ترى وردة أن وباء كورونا ساهم في رفع وعي المستهلكين بضرورة الحد من هدر الطعام وإعادة تقييم عاداتهم الغذائية. فخلال فترة انتشار الوباء، أوقفت معظم الفنادق والمطاعم تقديم بوفيه الطعام المفتوح، ما يعني أن كثيراً من هدر الطعام تم احتواؤه.

تقول: "قطعاً حملات التوعية بهدر الطعام ساعدت كثيراً. الكل يعرف أن هدر الطعام مشكلة ولكن عندما تُبرز هذه المشكلة وتقول للناس إن هناك حلولاً لها، فهم يستمعون. وبالتأكيد لعب الوباء دوراً مهماً للغاية".

ويتفق معها سلمان في التأثير الإيجابي لجائحة كوفيد19، على تقليل هدر الطعام، فيقول إن زيادة الوقت الذي قضاه المستهلكون في المنزل في أثناء الجائحة أدى إلى تحسين مهارات إدارة الطعام، مما أدى إلى تقليل الهدر. كما أنه بسبب ندرة الإمدادات الغذائية في أثناء الوباء، ازداد وعي الناس بشأن هدر الطعام.

أشعر بالاستياء من هدر الطعام الهائل في المجتمع. يوجد الكثير من الخيم الرمضانية التي اعتدت زيارتها، لكنني توقفت عن ذلك الآن لأني لم أعد أريد أن أكون جزءاً من هدر الطعام الذي يحدث فيها

الحاجة إلى المزيد من الجهود

على الرغم من جهود "وهاب"، و"حفظ النعمة"، وغيرها من المبادرات المحلية، لا يزال هدر الطعام وممارسات الاستهلاك المفرطة سائداً.

ويعتقد ظفار أن مكافحة هدر الغذاء يتطلب الدعم والتشجيع الحكوميين المستدامين للمبادرات المحلية، كما يشير إلى الحاجة إلى مبادرات مجتمعية إضافية لإعادة توزيع الأغذية، وإعادة التدوير والحد من النفايات، والعمل بشكل وثيق مع القائمين على صناعة المواد الغذائية من أجل تنفيذ إستراتيجية إدارة مخلفات الطعام المستدامة للمطاعم ومنافذ الطعام الأخرى.

وتسعى وزارة البلدية والبيئة في قطر إلى تقليل الفاقد والهدر في الغذاء من 14% إلى 9% بحلول عام 2023. وقد أطلقت بالتعاون مع جهات محلية أخرى مشروع خيام رمضانية صديقة للبيئة، حيث يتم جمع الطعام الفائض من إفطار رمضان وتقديمه إلى الأفراد المحتاجين، بجانب فرز النفايات الغذائية وتحويل بعضها إلى سماد عضوي.

من مبادرة "حفظ النعمة"

وتشعر الشابة القطرية بخيتة أحمد، بالتفاؤل في شأن مستقبل هذه المبادرات، فتقول: "لاحظت زيادة في الوعي بأهمية حفظ الطعام، حتى وسط أصدقائي وأقاربي، فلم نعد نطبخ الطعام بكميات كبيرة خلال شهر رمضان، وأصبحنا في غالبيتنا نكتفي بطبق رئيسي واحد مع الحساء".

وتؤكد أحمد خلال حديثها إلى رصيف22، أنها لاحظت وجود استياء عام من هدر الطعام، ولم يعد أحد يتحرج من طلب تقاسم فائض الطعام بعد التجمعات العائلية أو العزائم.

شغف أحمد بتربية النحل وممارسة الزراعة دفعها إلى الاهتمام باستخدام بقايا الطعام لتحويلها إلى سماد عضوي.

تقول: "أحاول نشر الفكرة بين أصدقائي وأفراد عائلي. وأعتقد أنه لو قام كل منا بدوره في هذا الصدد لأمكننا تغيير الكثير".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard