جذور البصل وأغصان البقدونس وقشور الطماطم والتفاح... لا للهدر لا للحوم

الجمعة 10 سبتمبر 202111:21 ص

جذور البصل وأغصان البقدونس وقشور الطماطم والتفاح، لا مكان لها في نفايات أم عامر، جميعها تُستغل في وجبات تملأ البطن والقلب ببساطتها وعذوبتها. على بعد آلاف الأميال منها، يضع الشيف جاجان أناند وعاءً على النار فيه قشور خضروات وأعشاب وجذور، مرفقاً الفيديو بقوله: "معظم النفايات الناتجة عن الطهي، أفضل وجبة للأيام القادمة". لأناند مطعم صُنّف ضمن أفضل خمسين مطعماً في العالم. بين السيدة السورية والشيف الهندي ملايين الناس الذين يفتقرون للوعي بأهمية فتات الطعام، وأن لرميه عواقب جسيمة تلاحق الإنسان والكوكب معاً.

فيضانات، موجات برد لاسع وحرّ قائظ، ارتفاع مستوى سطح البحر، وغير ذلك من كوارث طبيعية سببُها التغيّر المناخي، الذي يهدد النظم البيئية والتنوع البيولوجي للأرض.

أما علاقة الطعام فهي مباشرة بهذا التغيّر، النظام العالمي للغذاء القائم حالياً يعزّز التغيّر المناخي ويسبّب اختلال التوازن البيئي وتجاوز الحدود الممكنة للأرض، عبر ممارسات منها، هدر الطعام والإفراط في تناول اللحوم واختفاء الغابات لأجل زراعة الأراضي لحساب أعلاف المواشي.

النهب الأحمق للأرض

أينما أنظر حولي أرى فضلات طعام، إنه النهب الأحمق للأرض بحثاً عن أغذية لذيذة غير مجدية، هذا تعريف تريسترام ستيوارت "Tristram Stuart" لهدر الطعام الذي يشكل ثلث الإمدادات الغذائية في العالم. ستيوارت باحث بريطاني يعمل منذ عقدين من الزمن للقضاء على الجوع في العالم، يعتبر هدر الغذاء مشكلة كبيرة في العالم الذي يفتقر أغلبية سكانه إلى الإدراك بأن للطعام قيمة كبيرة ولا يمكن تبديده.

النظام العالمي للغذاء القائم حالياً يعزز التغيّر المناخي ويتسبب باختلال التوازن البيئي وتجاوز الحدود الممكنة للأرض

يوصّف ستيوارت هدر الطعام بالفضيحة لأن "الطعام المُهدور والعمليات التي تؤدي إليه غير أخلاقية. فقط الأطعمة المهدورة في أمريكا وأوروبا تطعم جياع العالم الذين يقاربون المليار شخص".

رقم تقاربه إحصائية منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO، فتؤكد أن حوالي 900 مليون شخص يعانون الجوع، 1 من كل 8 أشخاص مصاب بالجوع وسوء التغذية، في حين حوالي 30 إلى 52% من إجمال الأغذية المنتجة مهدور ولا يُستفاد منه.

الـFAO تعرّف هدر الطعام بأنه النبذ والتخلي عن الطعام الصالح للاستهلاك البشري خلال دورة إنتاجه واستهلاكه، وتلفت أن الطعام "يُفقد طوال سلسلة التوريد، من بداية الإنتاج الزراعي وصولاً إلى الاستهلاك المنزلي النهائي، بينما خسائره تمثل إسرافاً في الموارد المستخدمة في الإنتاج، مثل الأرض والطاقة والمياه والمدخلات وزيادة في انبعاثات الاحتباس الحراري".

صوت آخر يعتبر هدر الأغذية قضيةً غير أخلاقية وغير عادلة، وتأثيرها يهدد التوازن البيئي العالمي والأمن الغذائي العالمي أيضاً. البروفيسور مايكل بلاكيني Michael Blakeney، أستاذ في القانون وناشط في الزراعة والمناخ، يعمل على مشروع رفع التوعية حول التكيّف الغذائي مع التغيّر المناخي.

لنبدأ بيوم واحد أسبوعياً دون لحوم، ومن هنا نبدأ التقليل. الإدمان على اللحوم لا يؤذي صحتنا فقط بل يحرق الأرض أيضاً 

في كتابه "فقد الأغذية وهدرها... الأسباب والنتائج"، يؤكد بلاكيني أن "ثلث الأغذية المنتجة في أنحاء العالم تُهدر أو تُفقد، وأن التكاليف الاقتصادية لفقدان الأغذية على مستوى العالم تُقدّر بما يتجاوز تريليون دولار سنوياً، أرقام تشير إلى قصور في نظام الغذاء العالمي، مما يترتب عليه تكاليف بيئية واقتصادية واجتماعية ضخمة".

يتابع: "يقدر الإنتاج العالمي للطعام المهدر بحوالي 24% من إجمالي موارد المياه العذبة المستخدمة في إنتاج الغذاء، و23% من أراضي المحاصيل العالمية، و23% من الأسمدة العالمية. إضافةً إلى توليد كميات كبيرة من النفايات الصلبة التي تؤدي إلى مزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري".

يقول الكتاب إن الأسباب الرئيسة وراء هدر الطعام "خلل أنظمة التوزيع وسوء الإدارة، القادم من تأثير النظام العام للتجارة العالمية، وممارسات الاستحواذ على سلاسل المتاجر الكبيرة المهيمنة على أسواق المواد الغذائية. وثمة حقيقة مزعجة، هي تخلُّص البائعين من منتجات عديدة بشكل غير عادل، في وقتٍ هم قادرون على توزيعها للمحتاجين، والسبب أن الطعام يُرفض عندما لا يفي بالمعايير التجميلية، رغم صلاحيته للتناول.

بلاكيني يلفت إلى أن الهدر يتم طوال سلسلة التوريد، لكن جغرافياً وفي البلدان المنخفضة الدخل، يرتكز الهدر على خطوط الإنتاج الأولى خلال الزراعة والحصاد وقلما يسبّبه المستهلك، بينما في البلدان ذات الدخل الأعلى فالهدر يكون على مستوى البيع في التجزئة والاستهلاك المنزلي، يتم التخلص من الغذاء وهو ما يزال صالحاً للغذاء.

أياً كانت المحطة التي سيُفقد فيها الغذاء، نهاية الأمر سوف يتعفن في مكب النفايات، الأمر الذي يؤثر أيضاً على التنوع البيولوجي للأراضي حول مكب النفايات، ويلوث المجاري المائية والمياه الجوفية التي يستهلك منها إنتاج الطعام حوالي 70% من مخزون الكوكب، بحسب الكتاب.

"لو تناول الإنسان طعاماً صحياً فقط لأجل صحته، فسوف يمنع نصف تأثيرات إنتاج الغذاء على تغيّر المناخ"

لحوم المواشي وريحُها

ريح المواشي يعجّل التغيّر المناخي أيضاً، إلى جانب الإفراط في استهلاك لحومها، عبر دورة كارثية تبدأ بزراعة الأرض بالأعلاف والحبوب ولا تنتهي بنهم البشر المستمر لأكلها.

يحتل قطاع الثروة الحيوانية حصة كبيرة من انبعاثات الغازات الدفيئة، انبعاثاتٌ تقدر بـ 7.1 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون، بحسب تقرير لـFAO، يضيف أن الانبعاثات الناتجة عن الثروة الحيوانية تشكل 14% من انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم.

الماشية التي تربى لأجل اللحوم والحليب تمثل حوالي 56% من انبعاثات الثروة الحيوانية العالمية، يليها إنتاج الأعلاف وتخزين السماد ومعالجته، ثم لحوم الخنازير والدواجن والبيض.

هذه المواشي عندما تهضم العشب أو الحبوب تنتج غاز الميثان وتطرد منه ما يصل إلى 200 ليتر يومياً، وتأثير احترار الميثان يفوق ثاني أكسيد الكربون، بحسب الـFAO.

يتحدث التقرير عن العلاقة المباشرة بين "شدة انبعاثات الغازات الدفيئة وكفاءة استخدام الموارد الطبيعية لأنظمة الإنتاج الحيواني، والتي تحتاج تقنيات وممارسات من شأنها تقليل الانبعاثات وخفض حرارة الأرض.

"جسم الإنسان لا يحتاج أكثر من 40 غرام من اللحوم يومياً و500 غرام من الفواكه والخضار و250 غرام منتجات الألبان والبيض"

تحسين كفاءة الإنتاج يكون عبر استخدام استراتيجية أفضل للأعلاف التي تحتوي شدة أقل من الانبعاثات ومن التخمر المعوي للحيوانات، واعتماد التربية المحسنة والاهتمام بصحة الحيوان وإدارة القطيع وتقليص حجمه".

على ضفة ليست بعيدة يؤكد تريسترام ستيوارت أن كل كيلو لحم بقري يحتاج إلى 15000 لتر من المياه و10 كيلو غرام من العلف، وأن الاتجاه نحو تناول اللحوم يزيد كلما تقدم الوقت، الأمر الذي سيرفع حرارة الأرض، ويزيد الضغط على مواردها، وسيهدد الوجود البشري في النهاية.

الخبير البيئي الحائز على جوائز عدة يضيف أن الدمار الذي لحق بالنظم البيئية الطبيعية والتنوع البيولوجي أحد حلوله تغيير طريقة توزيع الطعام واستهلاكه: "علينا العودة إلى بداية رحلة الإنتاج، إيجاد تقنيات أفضل للزراعة والحصاد تمنع هدر الخضار والفواكه وتطيل عمرها، وجعل الأسمدة عضوية تغذي التربة وتخفض التخمر المعوي لدى الحيوانات التي يجب أن يخفض إنتاجها أيضاً.

الوصول إلى أقل كمية من النفايات، حل حاسم لمنع تبديد الطعام، عبر إعادة تدوير الأطعمة وتوزيع الفائض منها على المحتاجين، يسبق ذلك الشراء دون إسراف والتخطيط المسبق لقوائم التسوق مع تقديرات دقيقة للمكونات والمواد المستخدمة".

لا للهدر... لا للحوم

ذات التوصيات تقدمها منظمة الصحة العالمية في تقريرها، تشجع نهجاً شاملاً للقضاء على هدر الطعام، يستهله استخدام الغذاء بشكل مدروس يقلل الهدر، مع نشر التوعية والمعرفة حول أهمية استهلاك الطعام والحد من تبذيره وخطورة ذلك على المناخ والبيئة والكائنات.

"الغذاء أقوى عامل فردي لتحسين صحة الإنسان والاستدامة البيئية على وجه الأرض"، يقول يوهان روكستروم Johan Rockström، مدير معهد بوتسدام لأبحاث المناخ في ألمانيا، يضيف أن إطعام سكان العالم عام 2050 البالغ عددهم 10 مليارات نسمة لن يكون ممكناً إلا إذا غيرنا الطريقة التي نأكل بها والنهج الذي ننتج وفقه الطعام.

روكستروم أحد علماء المناخ المؤثرين في العالم، ترأس لجنة من 18 باحثاً في 16 دولة، قدمت دراسة ربطت بين الغذاء وصحة الإنسان والاستدامة البيئية، تحذر كما سبق ذكره من تهديد النظام الغذائي الحالي للأرض وسكانها.

تقول الدراسة: "لو تناول الإنسان طعاماً صحياً فقط لأجل صحته فسوف يمنع نصف تأثيرات إنتاج الغذاء على تغيّر المناخ"، مع توصياتٍ أن "جسم الإنسان لا يحتاج أكثر من 40 غرام من اللحوم يومياً و500 غرام من الفواكه والخضار و250 غرام منتجات الألبان والبيض".

ضرورة إطعام البشرية من الأراضي الزراعية الحالية وعدم التوسع بها على حساب الغابات، وإعادة تشجير الأراضي وتحسين إدارة العالم للمحيطات حفاظاً على الثروة السمكية واستهلاك المخزون السمكي بمسؤولية، كانت أهم توصيات الدراسة الألمانية، مع اللفت إلى خفض معدلات هدر الطعام عبر الحلول التقنية المطبقة على سلسة توريد الطعام، وتأهيل منتجي الطعام والمستهلكين لتناول الطعام بوعي وتقليل حضور اللحوم على الموائد.

الحياة دون تناول لحوم يعيشها حوالي 15% من سكان الأرض، الباقون قد يجدون الأمر صعباً، لأولئك يقول خبير المناخ الهندي راجندار باتشوري: "ابدأ بيوم واحد أسبوعياً دون لحوم، ومن هنا ابدأ التقليل. الإدمان على اللحوم لا يؤدي فقط لانسداد الشرايين بل يحرق الأرض أيضاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard