الإسراف في رمضان… تنافس وتباه واستعراض على الموائد المغربية

الجمعة 22 أبريل 202203:30 م

"أحياناً أجد نفسي قد حضّرت طبقين من النوع نفسه، وأيضاً أطعمةً لا يمكن الجمع بينها، والنتيجة أن الكثير من المأكولات مصيرها الضياع والقمامة"، تحكي لنا مريم عن علاقتها بالمطبخ في رمضان.

ترى الشابة (32 سنةً)، وهي متزوجة وأم لابنة، في حديثها إلى رصيفـ22، أنها تشتري الكثير من المواد الغذائية بشكل مبالغ فيه خلال رمضان، مضيفةً أن أفراد أسرتها لا يستهلكون كل ما تحضّره، لتجد نفسها في خندق الإسراف والتبذير.

الاستهلاك المفرط والإنفاق غير العقلاني عنصران يسمان شهر رمضان في المغرب في كل سنة، إذ يزيد الإقبال على المواد الغذائية واقتنائها بشكل لافت مقارنةً بالأشهر الأخرى. وتقول أرقام رسمية أن الاستهلاك يرتفع بـ16 في المئة خلال الشهر

برّرت مريم هذا الإسراف والتبذير في هذا الشهر، بأن المسألة لها علاقة بالتربية والتنشئة الاجتماعية التي تأثرت بها من دون وعي، مشيرةً إلى أنه حتى الإعلانات المُغرية، من قبيل صور الموائد الممتلئة عن آخرها بالمأكولات والأطباق الشهية، التي تكثر إبان شهر الصيام، تساهم هي الأخرى في هذا السلوك.

هناك سبب آخر، وفق مريم، يدفع الناس إلى الإنفاق والإسراف، ألا وهو "التباهي". تقول: "هناك أشخاص يزيّنون موائدهم فقط لكي يلتقطوا صورةً لها يعرضونها على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي بهدف التنافس والتّباهي والاستعراض".

 

شهر الإسراف الكريم

الاستهلاك المفرط والإنفاق غير العقلاني عنصران يسمان شهر رمضان في المغرب في كل سنة، إذ يزيد الإقبال على المواد الغذائية واقتنائها بشكل لافت مقارنةً بالأشهر الأخرى، على غرار الكثير من الدول العربية.

وبالرغم من ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الآونة الأخيرة، وتدهور القدرة الشرائية عند فئة واسعة من المغاربة، وهو ما سينعكس سلباً على ميزانية الأسر، إلا أنه يلاحَظ أن المحالّ التجارية والأسواق الشعبية، وكذا الواجهات الكبرى، تشهد خلال هذا الشهر اكتظاظاً بالناس الذين يغوصون في التبضع الزائد عن الحاجة في بعض الأحيان، استعداداً لتزيين الموائد بالأصناف المختلفة من الأطباق والأطعمة.

تشير الأرقام إلى أن الاستهلاك في المغرب يرتفع بنحو 16.3 في المئة في المتوسط خلال شهر رمضان، حسب المندوبية السامية للتخطيط. وهذه النسبة مرشحة للارتفاع كلما تحسنت الأوضاع المعيشية.

هذا الإسراف في الإنفاق والاستهلاك، لا سيما في هذا الشهر الفضيل، يضع المغرب ضمن قائمة الدول التي تهدر الطعام، إذ إن حصة الفرد المغربي من إهدار الطعام سنوياً، تصل إلى 91 كيلوغراماً، طبقاً لتقرير "مؤشر هدر الأغذية لعام 2021"، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

عادات متجذرة

"سيدنا رمضان"، اسم يطلقه المغاربة على هذا الشهر تعظيماً وتقديساً له، إذ تتنوع طقوس الاحتفاء به والتقاليد والعادات، والتي يتناقلونها جيلاً بعد جيل.  

من بين هذه التقاليد، الاهتمام بـ"الموائد الرمضانية"، الذي هو عادة متأصلة في المجتمع المغربي، إذ يبدأ التحضير لها قبيل حلول شهر رمضان بأيام، وتشهد البيوت المغربية حالة استنفار إن صح التعبير، وتنكبّ الأسر على إعداد أطباق وحلويات خاصة بهذه المناسبة من قبيل الـ"سَلُّو"، و"الشَبَّاكية"، و"البريوات"، وغيرها من الحلويات المحليّة.

تستمر ربّات البيوت في أثناء رمضان، بالاعتكاف في المطابخ والتفنن يومياً في تحضير أصناف الطعام لموائدهن الرمضانية التي تتضمن الأكلات والمشروبات الشعبية، إلى جانب الفطائر والمقبّلات والمملّحات والعصائر المختلفة.

في هذا الإطار، قال المتخصص في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، في تصريح لرصيف22، إن دراسة أنتروبولوجيا المغاربة تشير إلى أنهم في تقاليدهم وعاداتهم عندما يريدون التعبير عن الفرح يعبّرون عنه بـ"الأكل"، وهو ما يلاحَظ في مناسبات عدة سواء في شهر رمضان، أو في عيد الأضحى، أو في الأعراس والحفلات.

ويشتهر رمضان في المغرب أيضاً بالكرم وموائد الرحمن، وكذا صلة الأرحام والعزائم وتبادل الزيارات، بالإضافة إلى سمو قيم التكافل والتضامن بين الناس.

رمضان... أوج الإنفاق والتبذير

يُعدّ المغرب، لدى البعض، عنواناً للهدر الغذائي وتبذير الطعام في رمضان، وهو ما يؤثر في ميزانية الأسر المغربية ويثقل كاهلها. 

يسرّ محمد، وهو أستاذ، أن نفقاته ترتفع خلال شهر رمضان خلافاً لبقية الشهور، رابطاً هذا الأمر بعوامل اجتماعية، ويقول عن ذلك: "نعتاد تحضير الكثير من الأكل في رمضان، إذ تكثر العزائم بين الأسر مما يستدعي تنويع الأطباق والمشروبات"، مضيفاً: "هذا يدخل في باب التباهي بين الأسر، كما هو الشأن في الأعراس".  

واستطرد المتحدث عينه قائلاً: "يرجع الإفراط في شراء المواد والأطباق والمأكولات والمشروبات أيضاً، إلى عامل نفسي لدينا، فعندما نكون صائمين نشتهي كل شيء، وقبل موعد الإفطار نجد الكثير من الأطباق والوصفات والمشروبات على المائدة، بيد أنه ينتابنا إحساس بأن كل ذلك غير كافٍ".

"سيدنا رمضان"، اسم يطلقه المغاربة على الشهر تعظيماً وتقديساً له، إذ تتنوع طقوس الاحتفاء به والتقاليد والعادات، التي يتناقلونها جيلاً بعد جيل. لكنه شهر الإسراف والتباهي أيضا

يفسر الباحث محسن بنزاكور، ظاهرة الإسراف في الاستهلاك لدى المغاربة خلال شهر رمضان، بالـ"الرغبة الجامحة" التي تغمرهم، والتي لا تتحقق، حسب المتحدث، إلا في اللحظة التي تكون فيها المائدة مملوءةً عن آخرها، حتى وإن كانوا لن يأكلوا كل ما عليها من أطباق، مضيفاً أن هذا الأمر تتحكم فيه "عوامل اجتماعية وأخرى نفسية".

في هذا السياق، لفت المتخصص إلى أن المغاربة، في مرحلة تاريخية، ألِفوا ما أُطلق عليه "الخوف من الجوع والفوضى"، بسبب الاضطرابات السياسية والاجتماعية، وهذا الأمر تُرجم إلى تقاليد وأساليب حياة، انتقلت من الظرفية إلى العادة، عبر الأجيال، إذ إن الأكل حاضر دائماً بقوة في الأفراح والأقراح، وفق تعبير بنزاكور.

شدّد المتحدث نفسه، على أن ما يجعل هذا السلوك يتضاعف أكثر في رمضان، هو "التباهي" داخل المجتمع من جهة، وتنوع الطبخ المغربي الذي يكرّس أيضاً لهذه الظاهرة من جهة ثانية، إذ إن الشخص الصائم "الجائع" تجذبه الروائح إلى اقتناء ما لذ وطاب والاستجابة إلى رغباته، وتالياً السقوط في فخ الإسراف.

يرى بنزاكور أيضاً، أن مواقع التواصل الاجتماعي تساهم هي الأخرى في تنامي هذه الظاهرة، إذ إنه تساءل عن الغاية من التقاط صور للموائد الرمضانية الحبلى بالأكل ونشرها، من دون مراعاة مشاعر المحرومين، بغرض "التباهي" فحسب، مبرزاً أن هذا التصرف يعود إلى ثقافتَي الاستهلاك والفردانية، إذ كان المغاربة قديماً يحرصون على ستر مقتنياتهم.

استهلاك تُغذّيه طقوس ثقافية

من جانبه، يرى سعيد بنيس، أن إقبال أصحاب الدخل المحدود والمتوسط على الاستهلاك بوتيرة مرتفعة إبان شهر رمضان، يمكن وصفه من خلال جانبين مغايرين؛ جانب طبيعي يحيل على رغبة الفرد وتمثلاته في إشباع جوعه وانتظاراته الحيوية بعد فترة من الإمساك عن الطعام، وجانب اجتماعي واقتصادي يتيح فرصاً وأزمنةً للتسوق لا سيما إذا استحضرنا خاصية التوقيت الرمضاني ووفرة البضائع على اختلاف أنواعها داخل السوق المغربي.

أضاف الباحث الأكاديمي في علم الاجتماع في جامعة محمد الخامس في الرباط، أن الأمر لا يرتبط بجوع قديم أو بذاكرة جماعية عن مغرب الحاجة أو بوعي اجتماعي ضعيف ومتذبذب بالأمن الغذائي، بل يتعلق الأمر بصيغ طقوسية ثقافية وغذائية ترتبط بشهر رمضان، يشكّل فيها ما وصفه بسلوك "التفاخر التسوقي"، تعويضاً عن الانقطاع الزمني عن أماكن التسوق لمدة نصف النهار أو أكثر، فيصبح معها الوجود في أماكن الاستهلاك لا سيما في آخر النهار، ذريعةً أو دافعاً للتزود والتبضع.

وحسب الباحث ذاته، ينتقل فعل التسوق وسلوكه إلى شكل "هجوم" أو "تسونامي" أو "سطو" أو "غزوة" على المنتوجات المعروضة، فيتملك الفرد شعور جارف بشراء جميع البضائع التي لم يكن خلال السنة يتعاطاها أو يفكر في استهلاكها وتجريبها، محاكاةً لجميع الزبائن والأشخاص الموجودين في الفضاء التسويقي نفسه.

يمكن وصف رمضان من خلال جانبين مغايرين؛ جانب طبيعي يحيل على رغبة الفرد وتمثلاته في إشباع جوعه وانتظاراته الحيوية بعد فترة من الإمساك عن الطعام، وجانب اجتماعي واقتصادي

وعزا صاحب كتاب "تَمَغْرِبِيتْ... محاولة لفهم اليقينيات المحلية"، السبب الرئيس في الاستهلاك بوتيرة زائدة إبان شهر رمضان، إلى هيمنة البنية الاجتماعية على الفردية، فالفرد الواحد لا يمتلك القدرة على الدفاع عن اختياره ورغبته في استهلاك عادي كاستمرارية لنوعية الاستهلاك طوال السنة، وعدم الرضوخ لسلطة الجماعة التي تبدأ من عائلته الصغيرة، التي تميل إلى الاستهلاك المفرط في المفهوم المغربي؛ "التْهَلْيَة" و"التّبْرَاعْ" و"التّفْيَاكْ".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard