أزمة الأسعار في المغرب... هل الحروب مبرر مقنع أم شمّاعة يُعلَّق عليها فشل الحكومات؟

الجمعة 25 مارس 202204:48 م

"تستاهل أحسن"؛ شعار خاطب من خلاله حزب التجمع الوطني للأحرار الشعب المغربي، معلناً برنامجه الانتخابي في سباق الاستحقاقات البرلمانية والمحلية في الثامن من أيلول/ سبتمبر الماضي، وتعني بالدارجة العامية: "تستحق الأفضل".

مر نصف عام منذ أن عيّن الملك محمد السادس، الأمين العام للحزب عزيز أخنوش رئيساً للحكومة المغربية عقب فوزه في الانتخابات بحصد مئة ومقعدين من أصل 395 مقعداً في مجلس النواب مع برنامج انتخابي زاخر بالوعود. فهل بدأ المغاربة يعيشون -بعد هذه المدة- وفاء الحكومة بوعود أخنوش وتَحوُّل حالهم إلى الأفضل؟

فرق شاسع

"برنامجنا نابع من قلب المواطن، إذ يرمي إلى تقليص المشكلات الاجتماعية للمغاربة، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الصحة أو التعليم". كلمة لعزيز أخنوش في أحد لقاءاته التواصلية، شدد فيها على أن "الهدف الأساسي للبرنامج هو التقليص من وضعية الهشاشة الاجتماعية".

وأضاف: "سنجعل أولويات المواطنين ضمن رهانات الحكومة المقبلة"، مردداً شعار حملته الانتخابية: "تستاهل أحسن"!

"مشكلاتنا ازدادت بعد أيلول/ سبتمبر 2021 ولم تنقص". يقول سفيان (27 عاماً) مواطن مغربي لرصيف22، ويضيف: "كان حالنا سيئاً مع الحكومة السابقة وأصبح أسوأ منذ أول أشهر الحكومة الجديدة"، ليستطرد قائلاً: "أين هي تلك الضجة الإعلامية التي بدأت قبل سنوات، وكان شعارها 100 يوم 100 مدينة؟ فرق شاسع بين واقع اليوم وخطابات الأمس؟".

وكان حزب التجمع الوطني للأحرار قد أطلق، في بداية تشرين الأول/ نوفمبر 2019، برنامجاً استمر حتى 2021، سمّاه "100 يوم 100 مدينة"، وعدّه "أكبر عملية استشارية شعبية للمواطنين لمعرفة أولوياتهم في المدن التي يعيشون فيها"، قبل أوان حملته الانتخابية التي تميزت بوعود سخية شملت مجالات عدة، منها التعليم والصحة وفرص الشغل والزيادة في الأجور.

لهيب الأسعار

لبس وزير الفلاحة والصيد البحري السابق ومالك شركة الوقود "إفريقيا غاز"، عباءة رئيس الوزراء، وما هي إلا أيام قليلة حتى اصطدمت وعوده الوردية بأول امتحان في الطريق: أزمة ارتفاع الأسعار التي طالت عدداً من المواد الغذائية الأساسية منها الزيوت النباتية والدقيق المستخرج من القمح الصلب، ثم المحروقات، ما خلف تذمراً في صفوف المواطنين وجمعيات حماية المستهلك.

وبلغت الأزمة مرحلة خروج مظاهرات ضد رئيس الحكومة، في شباط/ فبراير الماضي، في عدد من المدن والأسواق، احتجاجاً على موجات غلاء الأسعار المتصاعدة "التي دمرت القدرة الشرائية للأسر وزادت من حدة الفقر في عموم الأوساط الشعبية"، صاحبها تصدّر وسوم "لا لغلاء الأسعار" و"أخنوش ارحل"، التراند على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب.

"أين هي تلك الضجة الإعلامية التي بدأت قبل سنوات، وكان شعارها 100 يوم 100 مدينة؟ فرق شاسع بين واقع اليوم وخطابات الأمس؟"

وما زاد الحكومة ارتباكاً، اصطدامها بحرب مباغتة في شرق أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، الموردين الثاني والثالث للقمح على التوالي إلى الرباط، فضلاً عما رافق الحرب من أزمة وقود أدت إلى إضراب مهنيي النقل البري للركاب والبضائع احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات، مطالبين بتحديد سقف لها.

يُذكر أن سعر الليتر الواحد من البنزين في عموم محطات المغرب، بلغ 1.43 دولاراً أمريكياً، في حين بلغ سعر الغازوال متوسط 1.28 دولاراً أمريكياً. وكانت هذه الأسعار مدعمةً إلى غاية 2015، قبل رفع الدعم في انتظار اعتماد نظام مساعدات مالية مباشرة للأسر المعوزة لم يبصر النور بعد.

اقتصاد ضعيف

"لن يكون هناك تأثير بشأن المواد التي تحتاجها البلاد"؛ هكذا طمأنت الحكومة المواطنين بوجود موفورات التخزين بعد نشوب الحرب الأوكرانية، لكنها تشدد على أن "الأسعار سترتفع". فهل الحرب مبرر مقنع أم شمّاعة يُعلَّق عليها فشل السياسات؟

يرى الخبير الاقتصادي فؤاد عبد المومني، في حديث إلى رصيف22، أن تأثير الحرب على الأسعار في العالم لا يعفي الحكومة من المسؤولية، لأن "أي اقتصاد يمكنه مواجهة الأزمات الظرفية، إذا كان قد بنى أسُساً للقوة خلال الفترات التاريخية المتتالية خاصةً في الرخاء"، لافتاً إلى أن "الاقتصاد المغربي لم يُبنَ لمواجهة الظروف الصعبة بل بني على الاستهلاك والبذخ والتسابق نحو التسلح، والميزانية الهائلة للقصر الملكي والطبقة السائدة".

ويشير عبد المومني، الرئيس السابق لمنظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) في المغرب، إلى أن "العناصر الظرفية تزيد من ضغط الأزمات، من قبيل الحرب والجفاف والإغلاق الذي فرضته الحكومة على الاقتصاد خلال السنتين الأخيرتين بالتزامن مع تفشي كوفيد19"، لكن مسؤولية الدولة في تفاقمها تظل ثابتةً، وحسب تعبيره: "ولا يمكن تصور الخروج منها أو على الأقل تخفيف آثارها، إلا إذا تغيّر توجه الاقتصاد المغربي بشكل جذري عبر تغيير السياسات العمومية".

فشل متراكم

ارتفاع الأسعار ليس المعضلة الوحيدة التي واجهت الائتلاف الحكومي بقيادة عزيز أخنوش، إذ تواصلت المصائب على الأخير واحدةً تلو الأخرى مع توالي سقطات حكومته التي تتشكل من "الأحرار" و"الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال". من غلاء الأسعار إلى إضرابات المعلمين واحتجاجات الشارع والجامعات، فضلاً عن فضائح وزارية وقرارات مرتبطة بتدبير الجائحة ونظام التقاعد والتوظيف، أثارت كلها غضب المغاربة.

مشكلات قد تمكن من الحصول على صورة موضوعية حول قدرة الحكومة الحالية على التعامل مع الأزمات.

في هذا السياق، يقول فؤاد عبد المومني: لا يمكن الحديث عن نجاح حكومة أخنوش أو فشلها، "لأننا لسنا في نظام تتحمل فيه الحكومات مسؤولية وضع الإستراتيجيات وتنفيذها"، مشيراً إلى أن "الحكومة الحالية شأنها شأن سابقاتها ليست إلا شماعة تُعلّق عليها إخفاقات سياسات القصر، لذا لا يجدر تقييم سياسة حكومة ما دامت حكومات المغرب تفتقر إلى الاستقلالية والسلطة وسياسة قائمة بذاتها".

وهي حكومات لا تحكم فعلياً، حسب أبو بكر الونخاري، الناشط في مبادرة الحراك الشعبي في الدار البيضاء، ويوضح أن "البرامج تصاغ بعيداً عنها وبعيداً عن صناديق الاقتراع، كما أن الفاعلين الأساسيين في القرار لا يحاسَبون"، لأن من يحكم في المغرب "لا يُحاسَب ولا يُنتخب، ومن يُنتخب لا يحكم حقيقةً"، لافتاً إلى أنه "من باب تدقيق المسؤوليات وجب لفت النظر إلى هذه المفارقة العجيبة، لكن هذا لا يعني تبرئة الحكومة والمنتخبين من مسؤولياتهم".

"الحكومة الحالية شأنها شأن سابقاتها ليست إلا شماعة تُعلّق عليها إخفاقات سياسات القصر، لذا لا يجدر تقييم سياسة حكومة ما دامت حكومات المغرب تفتقر إلى الاستقلالية والسلطة"

أما بشأن نجاح الحكومة الحالية في احتواء الوضع أو فشلها، فيعتقد الونخاري أنه "قد تتخذ الحكومة إجراءات تخفف من تداعيات الغلاء، وقد تفشل ويخرج الناس للاحتجاج، وقد تنجح السلطة في قمعهم كالعادة"، كما قد تتراجع الأسعار وتهدأ الأوضاع مؤقتاً، "لكن قطعاً لن نكون أمام حلّ للمشكلات المتراكمة، بل إزاء تدبير لحظي لأزمة، وستبقى المشكلات تتراكم، لأن أسباب الفشل سابقاً ما تزال مستمرةً".

ويقول في حديث إلى رصيف22: "نحن أمام حالة تراكم للفشل على جميع الأصعدة، أدت بالنتيجة إلى تضرر فئات واسعة من الشعب جراء سياسات لا شعبية وفئوية، وجراء فساد يتمتع بأرضية ينتعش فيها"، مشدداً على أنه "من الطبيعي ظهور تعبيرات في المجتمع تضغط من أجل تغيير الوضع، سواء بشكل عفوي أو استجابةً لنداءات تنظيمات اجتماعية وسياسية".

يُذكر أن الحكومة أعلنت، في شباط/ فبراير الماضي، تحملها فرق أسعار القمح داخل البلاد بسبب ارتفاعها جراء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، في حين قررت أخيراً صرف دعم مهنيي النقل، أمس الأربعاء، لمواجهة غلاء أسعار المحروقات.

موجة احتجاج جديدة!

مع تسارع ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مقابل نجاح تجارب دول أخرى في تدبير أزماتها، تخشى معظم الحكومات العربية من موجة ثورات جديدة شبيهة بالتي اندلعت نهاية عام 2010 في ما سُمّي "الربيع العربي"، الذي تمثلت نسخته في المغرب في حركة "20 شباط/ فبراير".

يرى أبو بكر الونخاري، وهو أحد وجوه الحركة التي قادت احتجاجات المغرب عام 2011، أن شروط عودة الحراك موجودة وتتمثل في "الواقع الذي يعيشه المغاربة اليوم"، ويلفت إلى أن "أي شيء يمكن أن يكون سبباً في اندلاع احتجاجات واسعة"، متسائلاً: "من كان يتوقع أن تكون صفعة على خد البوعزيزي سبباً مباشراً في اندلاع ثورة أسقطت نظام زين العابدين بن علي في تونس؟".

ويوضح: "قطعاً كانت أسباب قيام الثورة كامنةً في الشروط الموضوعية المرتبطة بالواقع ونفوس المواطنين"، لكنها احتاجت إلى شرارة كانت صفعةً، يضيف الونخاري، "وغداً قد تكون أي شيء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard