سخطٌ شعبي وتبريراتٌ حكومية... من يحمي المغاربة من غلاء الأسعار المتزايد؟

الاثنين 14 فبراير 202212:18 م

"تحوّل بقّال الحي، بين ليلة وضحاها، إلى شخص يُطلَب منه تقديم توضيحات بسبب الزيادات الصاروخية في أسعار جميع المواد الغذائية، وأكثر الزبائن يعاتبونه كما لو أنه المسؤول عن ارتفاع الأسعار"، يحكي إبراهيم، أشهر بقّال في حي التواب المحاذي لمحطة الطرق القامرة في الرباط.

خِبرته في التجارة، وتجربته في بيع المواد الغذائية لزبنائه من المسافرين وسكان الحيّ، كانتا تُجنّبانه، كما يحكي، العديد من المشكلات التي قد تقع بين البائع والزبون، غير أنّه في هذه المرّة لم يكن يتوقع أن يطول وقوف زبائنه أمام عتبة متجره، للتذمر من ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

البقّال في مواجهة الزبون

يقول إبراهيم، في حديث إلى رصيف22، إن "المواطنين الذين كانوا يقتنون الدقيق، لم يعودوا يُقبِلون على شرائه، لأنهم يتذمرون من وجود زيادة تقارب الضعف على سعره العادي"، مضيفاً أنه "من غير المعقول أن يتحوّل ثمنه من ثمانية دراهم إلى 12 درهماً، وإمكانات الناس وأجورهم محدودة".

وهامش الربح، يسترسلُ إبراهيم في حديثه، لا يبقى ثابتاً، لأن الزيادة في السعر لا تُبقي هامشاً كبيراً للربح، ولا تمكن إضافته لأن الزبون لن يتحمل زيادتين. وهذا ما يدفعُ البقال مُكرَهاً إلى التخلي عن جلب سلع أخرى بسبب ارتفاع سعرها، وحتى "لا نقع في الإحراج مع الزبون لأنه أساساً لا يتبقى لنا هامش للربح، بل الزيادة تُثقل البقّال بالديون التي لا يسدّدها الزبون، فيصعب عليه ضبط حساباته المالية".

تحوّل بقّال الحي، بين ليلة وضحاها، إلى شخص يُطلَب منه تقديم توضيحات بسبب الزيادات الصاروخية في أسعار جميع المواد الغذائية، وأكثر الزبائن يعاتبونه

من المتضرر من هذه الزيادات؟ يجيبُ إبراهيم، بنبرة غاضبة مُحبَطَة لا تخفيها نبرة صوته الأمازيغية: "المتضرر الأول هو التاجر الصغير والمستهلك بسبب إمكاناتهما المحدودة، والمستفيدون هم الشركات الموزّعة، لأن هامش ربحهم غير واضح. أما التاجر الصغير فربحُه لا يتعدى درهماً أو درهماً ونصف"، داعياً الحكومة للتدخل من أجل "محاسبة بعض الشركات التي تستغل الأزمات لزيادة أرباحها".

لهيب أسعار المحروقات

موجةُ غلاء الأسعار امتدّت كذلك إلى فواتير الماء والكهرباء، وأخرجت محتجين إلى الشارع، كما شهدت على ذلك العديد من المدن المغربية. ولم تسلم المحروقات هي الأخرى من هذه الزيادات، فلم يعد الحديث داخل سيارات الأجرة إلا عن الغضب من ارتفاع البنزين الذي بلغَ سعره في محطات التوزيع 12 درهماً للّيتر الواحد، فيما تجاوز ثمن الكازوال 11 درهماً.

وازدادت شكاوى أرباب محطات الوقود والسائقين المهنيين في قطاع سيارات الأجرة من ارتفاع هذه الأسعار، لا سيما مع استمرار تداعيات جائحة كورونا التي أثقلت جيوب المواطنين من مهنيي قطاع النقل، وأضرّت بوضعهم الاجتماعي، في ظل غياب أي دعم حكومي لهم، كما لفتت إلى ذلك بعض التنظيمات النقابية.

"بزاف علينا هدشي بزاف، الزيادة فكلشي فالمواد الغذائية والمحروقات والحكومة ممدعماناش"، هذه صرخة سائق مهني لسيارة أجرة كبيرة ينتظر دوره في محطة للسيارات، ليجتمع الركاب فينقلهم نحو الوجهة المحدّدة. متذمّراً من الزيادة في المحروقات، يقول لرصيف22: "منذ بداية الجائحة وقطاع سيارة الأجرة متضرر بشكل كبير، ومدخول السائق محدود والأسعار ترتفع في كل مرة، وسعر العدّاد لا يتغير. كيف يمكننا أن نضمن قوتنا اليومي ونغطّي احتياجات معيشتنا؟ نُحمّل الحكومة المسؤولية الكاملة".

سائقة أجرة كبيرة، هي الأخرى تورد في حديث إلى رصيف22، أننا "نعيش حرباً يوميةً مع زيادة أسعار البنزين التي تكلّف السائق المهني الكثير، وفي المقابل لا يمكنه أن يزيد على الراكب سعر التنقل. فِعلياً لا نربح أي شيء، ونحاول العمل تفادياً للجلوس فحسب. نحتجُّ من وقت إلى آخر، ولكن الوضع يبقى كما هو".

وفي هذا السياق، دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وهي تنظيم نقابي، كل العاملين والأجراء والمواطنين إلى الانخراط الواسع في وقفات احتجاجية أمام مقراتها على الصعيد الوطني، الأحد 13 شباط/ فبراير، تنديداً بارتفاع الأسعار وتجميد الحوار الاجتماعي والتضييق على الحريات النقابية، في الوقت "الذي ترتفع فيه أسعار المحروقات والمواد الأساسية، الأمر الذي يضرب القدرة الشرائية لعموم المواطنات والمواطنين"، كما جاء في بلاغ التنظيم ذاته.

حكومة أخنوش مسؤولة؟

الموقف الرسمي للحكومة بخصوص غلاء الأسعار، عبّر عنه الناطق الرسمي، مصطفى بايتاس، خلال الندوة الصحافية، بالقول إن "الحكومة تخصص خمسين مليار سنتيم شهرياً لتُبقي أسعار الخبر ثابتةً، وحتى لا تطالها الزيادة"، قائلاً في دفاعه عن الحكومة إنها تبذل جهداً لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وموضّحاً أن ارتفاع الأسعار مرتبط بالمواد التي يتم استيرادها، بالنظر إلى "انتعاش الاقتصاد العالمي، وزيادة الطلب عليها في السوق الدولي".

بالنسبة إلى رشيد أوراز، المحلل الاقتصادي والباحث في المعهد المغربي لتحليل السياسات، فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات "يرتبط بارتفاع الأسعار على المستوى الدولي، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تم تسجيل 6 في المئة كنسبة تضخم خلال الربع الأخير من سنة 2021، وببرامج الإنعاش الاقتصادي التي قامت بها الدول التي ضخّت ميزانياتٍ ضخمةً في الاقتصاد، ما أدّى إلى ارتفاع الدخل وإلى زيادة الأسعار في الأسواق".

بزاف علينا هدشي بزاف، الزيادة فكلشي فالمواد الغذائية والمحروقات والحكومة ممدعماناش. لهيب الأسعار يذكي الغضب في أوساط المغاربة

عامل آخر مرتبط بسياق ارتفاع الأسعار، يضيفُ أوراز في حديث إلى رصيف22، قائلاً إن "هناك تعثراً في سلاسل التوريد على المستوى العالمي، بسبب كورونا، وهذا ما أدى إلى أن يصبح عرض بعض المواد منخفضاً، إذ تراجع في السوق الدولية وتالياً ارتفعت أثمانها"، مؤكداً أنه في المغرب يمكن عد الارتفاع "عادياً"، لأنه "حسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط، بقيت نسب التضخم، في حدود 1.7 في المئة بالنسبة إلى بعض المواد، ولم تتجاوز 2.7 في سعر أي مادة تقريباً، وهذا لا يُعد ارتفاعاً كبيراً".

وفي خضم السخط الشعبي من الزيادات "الصاروخية" في مختلف المواد الغذائية، انقسم الرأي العام بين من يُحمّل الحكومة كامل المسؤولية، وبين من يُحمّلها جزءاً منها.

وفي هذا السياق، يقول أوراز، إن "الحكومة مسؤولة وغير مسؤولة؛ غير مسؤولة لأن غالبية هذه المواد مستورَدَة، وهي تستوردها، وتدخل في إطار ما يُسمى بالتضخم المستورد، لكنها مسؤولة عن تحسين القدرة الشرائية للمواطنين من خلال الإصلاحات التي يجب تنفيذها، من أجل نمو اقتصادي أفضل، وتنمية اقتصادية أفضل، لكي يكون المواطن قادراً على أن يحصل على دخل يتطور حسب تطور الأسعار".

"الحكومة لا تُحدّد الأسعار"

وأكّد المحلل الاقتصادي أن "الحكومة لا تحدد الأسعار، ولا يمكنها أن تقوم بذلك، ولا أن تقوم بتسقيف الأسعار والتدخل في الأسواق، ثم إن القانون يُلزمها بأن تضمن المنافسة وهذا واجبها الأول"، موضّحاً أنه "في سوق المحروقات، الحكومة ملزمة بأن تطبق التنافس لكيلا يؤدي ذلك الارتفاع، وما سماه تقرير سابق لمجلس المنافسة بالارتفاع الفاحش لأسعار البنزين والكازوال في السوق، إلى ارتفاع أسعار النفط، وتالياً ارتفاع ثمن المواد في الأسواق".

وحول ما إذا كان المغرب سيشهدُ زيادةً كبرى في الأيام القادمة في المنتجات الغذائية، بالنظر إلى إشكالية الندرة المائية في المغرب، يقول أوراز إنه "إذا كانت السنة الفلاحية سيئةً، وربما المؤشرات توضح ذلك، فذلك قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية الفلاحية المنتجة محلياً، وهذا طبعاً سيزيد من كلفة المعيشة بالنسبة إلى المواطنين، وهذا توقّعٌ ممكن".

وعلى المستوى الدولي، يضيفُ المتحدث أن الأسواق في اتجاه أن تحقق بعض الاستقرار، وهذا سيجعل الأسعار مستقرةً، لكن قد تحدث طوارئ مرتبطة بجائحة كورونا، وتالياً ليست لدى الحكومة الإمكانية للتدخل على المستوى الدولي، لتوجيه الأسعار في اتجاه معيّن، وطبعاً السيناريوهات كلها ممكنة.

ويسترسلُ المحلل الاقتصادي قائلاً: "أظن أن هذه الارتفاعات ستنضبط لتراجع مدخول المواطنين، سواء محلياً أو على الصعيد الدولي، وهذا التراجع الذي حدث بسبب أزمة كوفيد، والإغراقات الاقتصادية المتتالية، وتراجع النشاط الاقتصادي، أضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وعليه سيتراجع الطلب، وسيتحكم بحركة الأسعار، لأن الأسعار تُحدَّد ليس وفق ما يريده المنتجون فحسب، ولكن أيضاً بسبب قانون العرض والطلب، فمن الممكن أن تبقى الأسعار متراجعةً، وتالياً المستقبل مفتوح على السيناريوهات كلها".

المعارضة البرلمانية تتّهم أخنوش

ووحّدَ النقاش السياسي حول غلاء الأسعار المعارضة البرلمانية، التي استهجنت "تملّص" حكومة عزيز أخنوش من مسؤوليتها التي تتجلى في حماية القدرة الشرائية للمواطنين. ففي ندوة بمناسبة اختتام الدورة البرلمانية الخريفية، قال عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، إن "حكومة أخنوش معندهاش الكبدة على الشعب، وتدبر الشأن العام بمنطق السوق، أي بمنطق العرض والطلب".

ونبّه بوانو إلى إمكانية حدوث أي انفجار غير مُتحكَّم فيه بسبب الاحتقان التي يعرفه المغرب، وسببه غلاء الأسعار، مُتهماً رئيس الحكومة كونه المستفيد مما يحدث، ومُشدّداً على ضرورة تغيير قانون مجلس المنافسة.

رئيس فريق حزب التقدم والاشتراكية في مجلس النواب، رشيد حموني، قال في حديث إلى رصيف22، إنه "منذ تنصيب الحكومة وتقديم السيد رئيس الحكومة البرنامج الحكومي، قلنا إن أول امتحان للحكومة هو كيفية حماية القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنين جراء غلاء أسعار المواد الأساسية وعلى رأسها المحروقات، لكن مع الأسف انتهت الدورة من دون تفاعل الحكومة".

"إذا كانت السنة الفلاحية سيئةً، وربما المؤشرات توضح ذلك، فذلك قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية الفلاحية المنتجة محلياً، وهذا طبعاً سيزيد من كلفة المعيشة بالنسبة إلى المواطنين، وهذا توقّعٌ ممكن"

وأوضح حموني: "موقفنا كمعارضة أننا لا نُحمِّل الحكومة مسؤولية ارتفاع الأسعار، خصوصاً المواد البترولية، لأنه على المستوى العالمي يوجد ارتفاع، ولكن الحكومة مسؤولة عن الحفاظ على القدرة الشرائية، وضرورة أخد إجراءات عملية ومستعجلة لحماية القدرة الشرائية، وللحد من ارتفاع الأسعار، وأن تتدخل بحيث تبقى الأسعار في متناول المواطنين".

"نتفاجأ يوماً بعد يوم بالزيادة المهولة لأسعار المواد البترولية"، يضيفُ الفاعل السياسي، مُشدّداً على أن "لوم الحكومة سببه عدم استعمال خزانات المواد البترولية الخاصة بمصفاة لاسامير، لا سيما وقد حكمت المحكمة الإدارية لصالح الدولة لاستغلال الخزانات حين كان البترول لا يتجاوز عشرين دولاراً للطن، واليوم يفوق الثمانين. لو كان لدينا هذا المخزون لربحت الدولة سبعة مليارات درهم، وهذا المخزون ستكون له آثار على أسعار المواد البترولية".

ويتساءل المتحدث: "من كان وراء عدم استغلال هذه الخزانات، ومن له المصلحة؟ الجواب يعرفه الجميع وهو لوبيات المحروقات"، مؤكداً أن "هناك مؤشراتٍ على سنة جافة اليوم، ونتمنى أن يغيثنا الله بالمطر، لأن الفلاح الصغير يعيش أزمةً جراء غلاء الأعلاف، وهذه مشكلة أخرى بالإضافة إلى الجفاف".

ويأسف حموني نظراً إلى أنه "ليست هناك حكومة سياسية تدبِّر المسألة، ولكن أمام حكومة تكنوقراط وموظفين سامين يمارسون مهاماً إدارية فحسب، لم نلمس كأحزاب أن هناك حكومةً إلى جانب المواطن تتدخّلُ لحماية قدرته الشرائية جراء الغلاء الفاحش الذي نتابعه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard