"الصحراء الغربية"... إسبانيا تدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي والجزائر غاضبة من "الانقلاب المفاجئ"

الأحد 20 مارس 202204:33 م

"مرحلة جديدة". بهذه العبارة اختارت مدريد طي صفحة الخلاف مع الرباط بعد نحو عام من نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين ارتبطت بملف الصحراء الغربية، متوّجة بداية هذه المرحلة بتغيير جذري في موقفها من الملف، وصفته صحف إسبانية بـ"التاريخي".

وقالت الحكومة الإسبانية، الجمعة 20 آذار/ مارس: "ندخل اليوم مرحلة جديدة في علاقتنا مع المغرب تقوم على الاحترام المتبادل، واحترام الاتفاقات، وغياب الإجراءات الأحادية، والشفافية والتواصل الدائم"، لافتة على لسان رئيس حكومتها بيدرو سانشيز إلى أن "مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 هي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية التسوية الخلاف" بين الرباط وجبهة البوليساريو، في رسالة إلى الملك محمد السادس كشف مضمونها الديوان الملكي المغربي.

لتتحول إسبانيا بهذه الخطوة، علناً وللمرة الأولى، من موقف "الحياد" إلى الوضوح في دعم موقف المغرب في نزاعه حول الصحراء الغربية، التي كانت مستعمرة إسبانية، قبل أن يدور فيها صراع منذ 47 عاماً بين الرباط وجبهة بوليساريو المدعومة من الجزائر، عقب خروج القوات الإسبانية منها عام 1975. وهي تُصنّف منذ ذلك الحين بين "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي"، حسب الأمم المتحدة.

وتقترح الرباط التي تسيطر على ما يقرب من 80 بالمئة من الإقليم، منحه حكماً ذاتياً تحت سيادتها، بينما تدعو بوليساريو إلى استقلال الإقليم.

القرار الإسباني أثار حفيظة العاصمة الجزائر، الداعمة لجبهة بوليساريو التي قرّرت سحب سفيرها في مدريد للتشاور ووصفت القرار بـ"الانقلاب المفاجئ".

 

تحول عميق

يرى عبد الفتاح الفاتحي مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن رسالة الاعتراف الإسباني الرسمي بمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، "تُعَد نقطة مفصلية في تاريخ مواقف الحكومات الإسبانية من نزاع الصحراء"، وهو ما يعني "تحولاً عميقاً في أسلوب التعاطي المستقبلي لإسبانيا مع نزاع الصحراء بتقدير سمو قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية كضمانة لامتداد نفوذها الجغرافي الإستراتيجي نحو عمقها الإفريقي".

ويشير الفاتحي، في حديث مع "رصيف 22"، إلى أن الحكومة الإسبانية "قدرت بجدية المصالح الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية مع الرباط، وقاست ذلك بميزان الربح والخسارة منتصرة للإعلان عن موقف واضح يسهم عمليا في حل النزاع حول الصحراء، ويعيد التأسيس لعلاقة شراكة متوازنة ومريحة مع المملكة المغربية".

اختارت مدريد طي صفحة الخلاف مع الرباط بعد نحو عام من نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين ارتبطت بملف الصحراء الغربية، متوّجة بداية هذه المرحلة بتغيير جذري في موقفها من الملف، وصفته صحف إسبانية بـ"التاريخي"

ويعتقد أن موقف مدريد الجديد "تمت صياغته بعد نقاشات وجدل كبير بالقدر الذي يجعله مقبولاً لدى الفعاليات الإسبانية في أغلبية بيدرو شانسيز (رئيس الحكومة) والمعارضة"، مشدداً على أنه من شأنه خلق تغييرات في مواقف الأحزاب الإسبانية الراديكالية من المغرب، وبالتالي "التحول في المواقف الحزبية بالقدر الذي يسمح بتقريب وجهات النظر بين البلدين ويؤسس لشراكات أكثر إنتاجية وفعالية".

اعتراف أوروبي

في كانون الثاني/ يناير 2021، دعا وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة الاتحاد الأوروبي إلى الخروج مما أسماه "منطقة الراحة"، ودعم مبادرة الحكم الذاتي للصحراء الغربية التي تقترحها الرباط تحت السيادة المغربية. فهل تكون إسبانيا هي مفتاح هذا الاعتراف؟

يقول المحلل السياسي عبد الفتاح الفاتحي إن من شأن هذا الاعتراف "أن يسرع بتوالي اعترافات أوروبية أخرى في المستقبل القريب، تُتوج باعتراف مماثل للاتحاد الأوروبي، ثاني أكبر تنظيم إقليمي بعد الأمم المتحدة، بوجاهة الحكم الذاتي كأساس للحل"، ويؤكد: "سنعيش قريباً تحولاً في موقف الاتحاد الأوروبي من نزاع الصحراء".

من جهته أيضاً، يتوقع الباحث في العلاقات المغربية الإسبانية محمد بن عيسى أن الدعم الإسباني لمبادرة الحكم الذاتي ومغربية الصحراء "له أهميته الكبرى في خروج المستعمر السابق للصحراء المغربية الذي ينشط أتباع البوليساريو في بلده، من منطقة الغموض إلى الوضوح"، مشيراً، حسب تعبيره، إلى أنه بعد موقف ألمانيا ثم إسبانيا، ستتوافد إعلانات من دول أوروبية أخرى تدعم الوحدة الترابية للمغرب.

تتحول إسبانيا بهذه الخطوة، علناً وللمرة الأولى، من موقف "الحياد" إلى الوضوح في دعم موقف المغرب في نزاعه حول الصحراء الغربية

وكان الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، أرسل بدوره، في بداية كانون الثاني/ يناير الماضي، رسالة إلى العاهل المغربي محمد السادس وصف فيها مقترح الحكم الذاتي بإقليم الصحراء الغربية بأنه "جهد جاد وذو مصداقية من قبل المغرب، وأساس جيد للتوصل إلى اتفاق لهذا النزاع الإقليمي"، ليوضع حد لأكثر من عام من الأزمة الدبلوماسية بين برلين والرباط.

وتنضاف كل من ألمانيا وإسبانيا إلى فرنسا الحليف الرئيسي للمغرب، وأول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة الرباط وهي الدول الفاعل داخل المنظمة الأوروبية في رسم العلاقات مع المملكة.

الاعتراف والمقابل

أكدت مصادر حكومية من مدريد، حسب صحيفة EL PAÍS الإسبانية، أن إسبانيا حصلت على ضمانات بأن "الإجراءات الأحادية" لن تتكرر، من قبيل "السماح بالدخول غير القانوني لأكثر من 10000 مهاجر إلى سبتة في 17 و18 أيار/ مايو 2021، أو توسيع المنطقة الاقتصادية المغربية الخالصة إلى مياه جزر الكناري".

وأشارت إلى أنه سيتم التعاون "في إدارة تدفقات الهجرة في المتوسط ​​والمحيط الأطلسي"، واحترام "وحدة أراضي" إسبانيا، بما في ذلك المدينتان اللتان تتمتعان بالحكم الذاتي في شمال المغرب الذي يعتبرهما محتلتين.

ولفتت المصادر ذاتها إلى أن الرباط قد تولت كل هذه الالتزامات على الرغم من أنها لم تكتبها في بيان وزارة الخارجية المغربية، مشددة على أن "هذه ليست سوى بداية عملية" يتعين فيها تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

ضغوط ومفاوضات

تنتهي، مع رسالة رئيس الحكومة الإسبانية إلى ملك المغرب، أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين الجارين بدأت مع وصول زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي إلى إسبانيا في 18 نيسان/ أبريل الماضي، لتلقي العلاج بسبب مضاعفات جراء إصابته بكوفيد-19.

وبلغت الأزمة ذروتها، في منتصف أيار/ مايو الماضي، مع دخول أكثر من عشرة آلاف مهاجر من المغرب ودول جنوب الصحراء جيب سبتة الإسباني الواقع على الساحل الشمالي للمغرب خلال أقل من 48 ساعة، مستغلين تخفيفاً لمراقبة الحدود من جانب القوات المغربية، ثم استدعاء الرباط سفيرتها في الشهر ذاته لكنها لم تعد إلى مدريد حتى الآن.

وكانت حدة التوترات خفّت بالتزامن بعد أشهر من المفاوضات لكنها لم تنته؛ إذ تجلى آخرها في بداية شهر آذار/ مارس، بعدما حاولت مجموعتان قوامهما 2500 و1200 مهاجر القفز على الجدار العازل لمدينة مليلية، نجح نحو 900 منهم في ذلك، وهو ما وصفه وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس بالوضع "المقلق للغاية"، فيما فسرته مصادر حكومية إسبانية، حسب EL PAÍS، على أنه "ضغوط متواصلة من الرباط".

الجزائر: "انقلاب مفاجئ"

من جانبها، استعدت الجزائر ثالث طرف في النزاع الإقليمي سفيرها في مدريد بإسبانيا فورا للتشاور، موضحة في بيان لوزارة الخارجية أن هذه الخطوة جاءت بعد تصريحات رسمية إسبانية حول قضية الصحراء الغربية.

وأضاف البيان، أن السلطات الجزائرية تستغرب مما أسمته "الانقلاب المفاجئ" لإسبانيا في الملف الصحراوي "والتحول في موقف السلطة الإدارية السابقة بالصحراء الغربية، وعليه قررت الجزائر استدعاء سفيرها في مدريد فوراً للتشاور".

كما عبرت جبهة البوليساريو المطالبة باستقلال إقليم الصحراء الغربية في بيان عن "استغرابها" من موقف الحكومة الإسبانية دعم مقترح الرباط منح حكم ذاتي للإقليم تحت سيادتها مقابل إنهاء النزاع الدبلوماسي بين الرباط ومدريد.

السلطات الجزائرية تستغرب مما أسمته "الانقلاب المفاجئ" لإسبانيا في الملف الصحراوي "والتحول في موقف السلطة الإدارية السابقة بالصحراء الغربية، وعليه قررت الجزائر استدعاء سفيرها في مدريد فوراً للتشاور"

وقال البيان: إن "الموقف المعبر عنه من لدن الحكومة الإسبانية يتناقض بصفة مطلقة مع الشرعية الدولية"، مشيراً إلى أن "الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبى ومحكمتي العدل الدولية والعدل الأوروبية وكل المنظمات الإقليمية والقارية لا يعترفون، جميعهم، بأي سيادة للمغرب على الصحراء الغربية".

وحمّلت البوليساريو إسبانيا وفرنسا باعتبارهما قوتين مستعمرتين سابقتين، مسؤولية "الدفاع عن الحدود الدولية المعترف بها"، حسب تعبيرها، بين الصحراء الغربية و"جيرانها الثلاثة، المغرب والجزائر وموريتانيا".

زيارة رسمية

تأتي هذه الإعلانات الإسبانية المغربية في ظل التحضيرات للزيارة التي سيجريها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى المغرب، والتي لم يحدد موعدها بعد. وسينتقل وزير الخارجية الإسباني ألباريس إلى الرباط "قبل نهاية الشهر الجاري" في إطار تطبيع العلاقات بين البلدين.

ومن أهم الملفات المتوقعة على طاولة الزيارة المرتقبة، حسب حديث محمد بن عيسى لرصيف22، "قضية الهجرة غير النظامية، وحماية الحدود الجنوبية لإسبانيا وأوروبا في ظل التحولات الجديدة لما بعد كورونا وتزامنها مع انشغال أوروبا بالأزمة الأوكرانية"، فضلاً عن موضوع "الاقتصاد وتخفيف القيود التي يفرضها المغرب على مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين بصفة خاصة وجنوب إسبانيا بصفة عامة، وكذلك إعلان النوايا فيما يتعلق بالصحراء المغربية".

ويلفت بن عيسى الباحث في العلاقات المغربية الإسبانية، إلى أن إسبانيا لا تنظر إلى هذه العلاقات من جانب الأمن والهجرة والاقتصاد فقط، بل "هي نفسها تعاني من نزعة انفصالية تهدد كيانها، إذ لم يندمل جرح الانفصال في إقليمي الباسك وكتالونيا تماماً، لذلك فإن دعم الوحدة الترابية للدول واحترام سيادتها، هو السبيل الوحيد لبناء السلم والاحترام والثقة المتبادلة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard