"حكومة هشّة بشّة وسيدي الوزيروو"... نواب أصبحوا مادةً للسخرية بسبب مداخلاتهم في البرلمان المغربي

السبت 5 مارس 202212:00 م

قراءة جزء من البرلمانيين المغاربة المتعثرة لأسئلتهم خلال الجلسات العامة، وطريقة إدارة النقاش بينهم وبين الوزراء ورؤساء الجلسات، وجهلهم بأبسط قواعد العمل البرلماني، دفعت إلى تحول هذا العجز إلى مادة للتهكم والسخرية في أوساط المواطنين تجاه هؤلاء "الطارئين" على قبّة البرلمان.

"البوز الإعلامي"

في هذا الإطار خلّف تلعثم كل من مليكة لحيان، البرلمانية عن حزب الاستقلال، والملياردير هشام آيت منا، عضو فريق التجمع الوطني للأحرار، وعدم ضبطهما أبجديات قواعد اللغة، موجةً من السخرية على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، فيما أثار استعمال عبد النبي العيدودي، عضو الفريق الحركي، كلمات غريبةً من القاموس، زوبعةً حقيقيةً بين المدافعين عن تصرفه وبين من رأى فيه مجرد "مزايدة" للفت الانتباه.

وفي معرض تعليقه على تداول مدوّنين مغاربة خلال الأيام الماضية، فيديوهات لبرلمانيين لا يستطيعون طرح أسئلتهم أو لبرلمانيين ووزراء  يهزؤون من بعضهم البعض من دون احترام حرمة مؤسسة البرلمان، أوضح أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في جامعة ابن طفيل في القنيطرة، رشيد الأزرق، أن العديد من البرلمانيين يحاولون "إثارة البوز الإعلامي، عوض الاطلاع بأدوارهم الدستورية الخاصة بتمثيل الأمة وتقديم مقترحات ومساءلة الحكومة".

وأضاف المحلل السياسي في تصريح لرصيف22، أن ظاهرة تبخيس البرلمان تفاقمت مع ظهور ما أسماه "البوز الإعلامي" (الـBuzz)، مبرزاً أنها السبب في اعتماد مجلس النواب "سريّة اللجان"، وعلى الرغم من كونها هي الأصل، بحيث سمح المشرع بجعلها علنيةً، فقد اختار رؤساء الفرق جعلها سريةً، لأن وجود وسائل الإعلام، يجعل البرلمانيين ينصرفون عن "أدوارهم الدستورية ومراقبة الحكومة إلى توجيه رسائل وطرحها بشكل شعبوي"، على حد تعبيره.

حملة تبخيس؟

بالنسبة إلى محمد غيات، رئيس فريق حزب التجمع الوطني للأحرار، القوة السياسية الأولى في مجلس النواب، فقد قال في تصريح لرصيف22، إن حملة تبخيس عمل المؤسسات، وخصوصاً البرلمان، ليست جديدةً، موضحاً أن "جهات" وصفها بـ"غير المسؤولة"، لطالما حرصت على رسم صورة البرلمان على أنه مكان للنوم وأكل ما لذّ وطاب، في حين أنه "رمز للديمقراطية، سواء في المغرب أو في العالم، ويجب على المغاربة دعمه لأنهم هم من انتخبوا أعضاءه ومنحوهم حق التشريع نيابةً عنهم".

وأوضح غيات، أن فريق التجمع الوطني واعٍ دقة المرحلة وأهميتها، وهذا ما يجعل أعضاءه ملتزمين بالحضور والمساهمة الفعلية في قيادة العمل البرلماني للأغلبية، مبرزاً أنه سيحين الوقت ليقدّم تقريراً مفصلاً عن أداء نوابه، "سواء التشريعي أو الرقابي أو الدبلوماسي، من دون الحديث عن عمل النواب اليومي في حل مشكلات المواطنين في دوائرهم".

وأضاف رئيس فريق التجمع في الغرفة الأولى، أن ما تمت إثارته حول بعض الصعوبات التي يواجهها بعض النواب الجدد في المداخلات، أمر عادي، مشيراً إلى أن هذه الحالات قليلة جداً، ولا تستدعي كل هذه الضجة.

بين من يجهل أبجديات قواعد العربية ومن يتكلم كشاعر جاهلي أصبحت مداخلات نواب مغاربة مادة للسخرية. فهل هي دهشة البدايات أم أزمة في التواصل السياسي والعمل البرلماني؟

وعبّر المتحدث نفسه، عن أسفه للتركيز الدائم على الأشياء السلبية، كموضوع الشعبوية اللغوية التي ظهرت مؤخراً، والتي قال إنها "لا تشرّف مؤسسة البرلمان وقد رفضها الشارع المغربي"، وتابع: "هي حالات مضحكة وتبقى منعزلةً ولا يمكن أن نعممها على أداء البرلمانيين".

وذكر غيات، أن فريق حزبه واعٍ لأهمية تكوين أعضائه، موضحاً أن "ورشةً مهمةً ستنطلق خلال العطلة التشريعية".

من جهته أكد نور الدين مضيان، رئيس فريق حزب الاستقلال في مجلس النواب، أن "البرلمان اختزال وصورة مصغرة عن المجتمع الذي يمثله، وتالياً يعكسه كيف ما كان".

وقال في تصريح لرصيف22: "عندما نتحدث عن البرلمان، فهو يمثل المجتمع المغربي، بكل فئاته، بمثقفيه ودكاترته وصحافييه ومهندسيه وفلاحيه وأمّييه وغيرهم...".

ودعا الساخرين من برلمانيي حزبه إلى عدم الوقوف "عند ويل للمصلين"، مبرزاً أن ما حدث مؤخراً هو أن الإعلام قدّم ما هو "كاريكاتوري وساخر" في مداخلات بعض البرلمانيين، في حين أنه كان عليه أن يبحث عن تكوينهم ومستواهم الدراسي ومشوارهم المهني".

وأضاف أن برلمانية حزبه، مليكة لحيان، التي كانت قد أثارت موجةً من السخرية على طريقتها في الحديث بالعربية، هي في واقع الأمر مهندسة معمارية، صممت بناية الاتحاد الأوروبي، وغيرها من المؤسسات الدولية. وهي من مواليد بلجيكا، واختارت الترشح في المغرب في إطار الجهوية المخوّلة لمغاربة العالم وللنساء على وجه الخصوص.

جهل تام باللغة العربية أو حديثهم بلعربية الجاهلية، وقواعد العمل النيابي أظهرت ضعفا سياسيا لدى نواب مغاربة والاحزاب تدافع عنهم قائلة إنها دهشة البدايات

ووجه مضيان، تحيةً خاصةً إلى النائبة، مؤكداً أن ثقافتها فرنسية إنكليزية مئة في المئة، ومع ذلك اختارت الترشح في المغرب على الرغم من أنها لم تدرس اللغة العربية.

وأضاف: "بعد دخولها البرلمان، كانت تفكر في الاعتزال وتقديم الاستقالة لأنها لا تتكلم اللغة العربية، فقامت بمجهود جبار لتدرس لغتها الأم واستعانت بأستاذ ليعلمها اللغة العربية"، قبل أن يستدرك: "كنا نطالب دائماً بالاهتمام بالشأن الثقافي والهوياتي للمغاربة المهاجرين، لنوفر لهم الأرضية للحفاظ على روابطهم ببلدهم وتعليمهم لغة بلدهم المتمثلة في العربية والأمازيغية".

النائبة الاستقلالية، لم تستطع طرح سؤال يهم المستثمرين من مغاربة العالم، باللغة العربية، بشكل تسبب بموجة ضحك لمحسن الجزولي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار، ولزملائها من البرلمانيين، قبل أن تنتقل السخرية من طريقة أدائها إلى مواقع التواصل الاجتماعي. لكن مضيان، رأى الأمر عادياً لأن معظم أبناء الجالية، خاصةً الجيل الثالث منهم، لا يتكلمون اللغة العربية، وتأسف لتبخيس مجهود مهندسة دولة معمارية ومقاولة ناجحة داخلياً وفي الخارج، لأنها لم تستطع إيصال رسالتها بعربية فصيحة، لأن المهم بالنسبة إليه هو أنها قدّمت رسالتها ولو بلغة الإشارة".

واتهم رئيس الفريق الاستقلالي بعض وسائل الإعلام، بعدم النضج لأن ما يهمها حسب تعبيره هو "عدد المشاهدات والإثارة ولو كانت بالإساءة إلى البرلمان وإلى شخص البرلماني، مع العلم أن الذي شوّه صورته لا يتعدى مستواه الدراسي حتى الشهادة الإعدادية".

وأردف موضحاً: "هذا لا يعني أنه ليس هناك برلمانيون مستواهم الدراسي ضعيف، ولكن صوّت الناس لهم ووثقوا بهم، لأنهم يقومون بمهامهم كأعيان أو لدورهم الاجتماعي في مناطقهم وأقاليمهم".

دهشة البدايات وطلاسم

بدوره، دافع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في خروجه الإعلامي الأخير على القناتين العموميتين الأولى والثانية، عن البرلمانيين الذي واجهوا صعوبات في طرح أسئلتهم، إذ عدّ الأمر طبيعياً، وقال إنه عاش الارتباك نفسه في بداية مشواره السياسي.

وهو ما يعدّه محمد غيات، وعياً من قبل رئيس الحكومة بصعوبة البداية، لأنه "مر بكل مراحل التمثيل السياسي من مستشار جماعي فرئيس جهة إلى وزير، وصولاً إلى منصب رئيس الحكومة، ولهذا فهو  يتابع أداء نواب الفريق البرلماني، لكي يعطوا الصورة التي تتناسب وموقع الحزب في المشهد السياسي المغربي".

"نريد حكومة جشةً عشّةً هشّةً بشّةً، وليست كشّةً مشّةً نشّةً"؛ هذه كلمات غريبة على الرغم من كونها من العربية الفصيحة، شغلت الرأي العام المغربي طوال أيام، بعدما تحدث بها النائب عبد النبي العيدودي، عضو فريق حزب الحركة الشعبية في مجلس النواب، وحوّلها رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى مادة للتندر على البرلماني، وطالبوا زملاءه بإحضار القواميس والمعاجم لفهم مغزى تدخلاته.

في المغرب تحوّلت أسئلة برلمانيين دخلوا متعرك السياسة حديثا إلى مادة للتندر في وسائل التواصل الاجتماعي

العيدودي في حديثه إلى رصيف22، أكد أن ما راج حول المداخلات التي كانت فيها أخطاء من قبل نواب أحزاب الأغلبية الحكومية، كان من الأسباب التي دفعته إلى استحضار القاموس اللغوي العربي، لرد الاعتبار إلى المؤسسة البرلمانية، لأنه "ليس فيها هذا النوع من النواب الذين لا يتقنون لغته فحسب، وإنما فيها من يتقن اللغة العربية، بدليل أن كلمات لا تتعدى مدة ذكرها ثواني معدودات استطاعت أن تشغل الرأي العام الوطني لأكثر من أسبوع".

وقال في هذا الصدد: "الإحاطة بها علماً مدتها دقيقة، وهي التي جاء فيها سياق كلمات ‘جشة عشّة هشّة بشّة وليست كشّةً مشّةً نشّةً’، وكانت في سبع ثوانٍ من أصل ستين ثانيةً، وقد نسي المتابعون ما جاء في خمسين ثانيةً وهي مساءلة لرئيس الحكومة الذي غاب عن الحضور في الجلسات الشهرية طبقاً للدستور وطبقاً للنظام الداخلي للبرلمان، لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، والقانون يفرض عليه أن يحضر مرةً في الشهر، فتساءلنا أين رئيس الحكومة؟ نريد أن يأتي إلى البرلمان ليوضح سياسته العمومية لأننا نريد حكومةً قويةً قادرةً ومقتدرةً، حكومةً جشّةً عشّةً هشّةً بشّةً، وليست كشّةً مشّةً نشّةً، فلم ينتبه الرأي العام لمطلبنا وانشغل بمعنى الكلمات السالفة".

وتساءل: "لماذا لم يشتغل هذا التيار الذي يسائلنا قائلاً إننا نزايد ونريد البوز؟ ونحن بدورنا نسائله لماذا لم تستمع إلى المداخلة كاملةً، ولماذا لم تناقش معنا غياب رئيس الحكومة؟

سخرية لاذعة

لم يكن الظهور الأول للملياردير "هشام أيت منا"، داخل قبة البرلمان، موفّقاً، فقد أصيب بالارتباك، ولم يستطع قراءة السؤال الذي كان مكتوباً على ورقة، قبل أن تنتابه نوبة ضحك أثارت استغراب زملائه البرلمانيين الذي لم يفهموا سببها.

وفي الوقت الذي حمّل فيه عبد النبي العيدودي، البرلماني الحركي، مسؤولية الصورة السلبية التي تتكون لدى المواطن عن عدم أهلية بعض البرلمانيين لطرح أسئلتهم باللغة العربية نظراً لتكوينهم الفرنسي، أو لأنهم من مغاربة العالم ولا يتقنون لغة الضاد، للمسؤول عن الفريق، لأنه كان عليه أن ينتدب من برلمانيي فريقه المتمكنين من العربية أو الأمازيغية، في أثناء اختيار من يطرح السؤال، لأن جميع المؤسسات التشريعية في العالم يكون لديها نظام داخلي، وتحدد طريقة إجراء الجلسات، وتحدد طبيعة طرح الأسئلة، سواء أكانت كتابيةً أو شفويةً أو آنيةً، وكل فريق يأخذ حصته داخل هذه المؤسسة التشريعية بتوصية من رئيس الفريق.

وأوضح مضيان، أن "فريقاً نيابياً من مئة عضو لديهم خبير وحيد، وفي فريق للاستقلال لدينا خبير واحد في الشأن الاقتصادي، في الوقت الذي يلزمنا خبراء في العلاقات الدولية وفي السياسة والثقافة وعلم الاجتماع وفي الطب وفي بقية التخصصات، لكن إمكانات برلماننا لا تسمح بذلك".

وعبّر المتحدث عن رفضه للمقارنة التي يجريها البعض بين البرلمان المغربي والبرلمانات الغربية، مذكّراً بأن "النائب البرلماني في الجمعية الوطنية الفرنسية مثلاً، لديه خمسة مستشارين، وفي الولايات المتحدة الأمريكية لديه 25 مستشاراً، في حين أن البرلماني المغربي لا يتوفر على مكتب ويشتغل في الممرات"، لذلك دعا الجميع إلى "أن يفكروا في كيفية تحسين العمل البرلماني وبداية التحسين تكون بتوفير الإمكانات المادية".

مسؤولية جماعية

وبالنسبة إلى غيات، فإن تحسين صورة المؤسسة التشريعية وبقية مؤسسات الدولة، مسؤولية مشتركة لجميع المغاربة، مؤكداً أن كل مواطن من الممكن أن يصير يوماً ما نائباً للأمة.

وشدد رئيس فريق التجمع في مجلس النواب، على أن "قوة البرلمان من قوة الدولة، وعلامة على سلامة نموذجنا الديمقراطي، لأن المسؤولية مشتركة، على الرغم من أنها تبدأ من الأحزاب السياسية التي يجب أن تطور آليات ديمقراطيتها الداخلية، وأن تعمل على وضع برامج للرفع من الأداء السياسي للنواب.

وفي هذا الصدد قال: "هذا ليس عيباً، ولا يجب أن يكون البرلمان من فئة محددة، بل يجب أن يضم الأستاذ والمحامي ورجال الأعمال والمثقفين والفنانين والأعيان. هذه هي تركيبة المجتمع المغربي والبرلمان يعكسها".

وبالنسبة إلى فريق حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يرأس الحكومة، ويضم أكثر من مئة نائب، يرى غيات، "أن مستوى النواب جيد جداً، وأغلبهم شباب وأطر عليا، ولديهم إحساس وطني عالٍ، أما بقية المهارات التواصلية والسياسية فسيكتسبونها مع الوقت"، مشدداً على أن "مسؤوليته كرئيس لهذا الفريق هي إنجاح هذه التجربة التي ينتظر منها المغاربة الكثير".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard