شغبُ الجماهير المغربية في الملاعب... من يتحمّلُ المسؤولية؟

الأحد 20 مارس 202204:35 م

لم تكن إعادة فتح الملاعب بعد سنتين من الإغلاق، بشرى خير على المغاربة. فحماسة المباراة التي جمعت بين فريقي الجيش الملكي والمغرب الفاسي ضِمن دور الـ16 لمنافسات كأس العرش، انتهت بتحول أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله إلى حلبة للعنف الدامي والتراشق بالحجارة وإشعال النار والمواجهة بين الفريقين، أعادت بذلك ظاهرة شغب الملاعب إلى النقاش من جديد.

بداية الشغب كما رصدته فيديوهات كثيرة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، يوم الأحد المنصرم (13 آذار)، اشتعلت بعد هزيمة فريق الجيش بـ0-2، ثم اقتحام أنصار هذا الأخير محيط الملعب للوصول إلى  جمهور فريق المغرب الفاسي، ورشق رجال الأمن بالحجارة، وتكسير مرافق الملعب وتخريبها.

حسب بلاغ للمديرية العامة للأمن الوطني، تم ضبط 160 شخصاً، من بينهم 90 قاصراً، ويُشتبه في تورط الموقوفين في "ارتكاب أعمال العنف المرتبطة بالرياضة، وحيازة أسلحة بيضاء، والسكر العلني البيّن والتراشق بالحجارة المقرون بإلحاق خسائر مادية بممتلكات خاصة وعامة، وإضرام النار عمداً في مركبة"، كما رصد المصدر ذاته إصابة 103 عناصر من قوات الأمن و57 من الجمهور بإصابات مختلفة.

الملعب فضاء للشغب؟

هل تحوّلت ملاعب كرة القدم إلى فضاء لتصريف العنف والصراعات والأحقاد الاجتماعية؟ يقول الباحثُ في علم الاجتماع، عبد الرحيم بورقية، إن "ملاعب كرة القدم بريئة تماماً مما يحدث، فليس الملعب هو الذي ينتج العنف لكنه يظل المكان الأنسب للمشجعين للتعاطي معه"، متسائلاً: لتفسير ظاهرة الشغب، ما هي طبيعة هذا العنف وشكله أولاً؟ ومن يقوم به؟

ويوضّحُ بورقية، في حديث إلى رصيف22، أن "شغب الملاعب يتمثل في ممارسة العنفين اللفظي والرمزي، وقد يتعداهما إلى العنف المادي بممارسة الاعتداء والعنف الجسدي والسرقة، وإلحاق أضرار بدنية ونفسية بالآخرين، سواء كان ذلك من طرف المشجعين المنافسين، أو الأمنيين وحراس الملاعب".

أحداث الشغب في مركب مولاي عبد الله ليست هي الأولى من نوعها وليست المرة الأولى التي يكون فيها جمهور الجيش الملكي هو السبب، شأنه في ذلك شأن جماهير بقية الأندية المغربية". فمن يتحمل المسؤولية؟

يضيف المتحدثُ، وهو مؤلف كتاب "الألتراس في المدينة... جانب من العنف الحضري"، أن "العنف يُمارس في كثير من الأحيان داخل الملعب ويتعداه إلى نقاط أبعد من محيطه، ويمكن أن يمارس خلال المسار الذي يقطعه المشجع المشاغب، انطلاقاً من حيّه السكني وصولاً إلى الملعب، حيث يقدم المشجعون العدوانيون والقاصرون على تحطيم زجاج المباني والمؤسسات وتكسير الحافلات والتراشق بالحجارة".

ويُسجل الباحث السسيولوجي فئة اليافعين والمراهقين ضمن من ينخرطُون في أعمال الشغب خلال مباراة كرة الكرم، وتتراوح أعمارهم بين 13 و21 سنةً، ولا يتوفرون على آفاق مستقبلية، وينحدر أغلبهم من أسر متوسطة وفقيرة ومعوزة، بعضهم لا يتوفرون على شروط العيش الكريم، ومنهم من انقطعوا عن الدراسة ومن يرتادون الأقسام الدراسية من دون هدف محدد أو حافز، ومنهم أيضاً من يمتهن الأعمال اليدوية أو يبيع بشكل حر أو عاطل ينتظر عائلته لتنفق عليه أو يمتهن السرقة أو التسول، كما أن معظمهم يعيشون في أحياء هامشية، حيث يواجهون إكراهات يومية".

من المسؤول إذاً؟

حادثة الرباط لم تكن أول واقعة شغب في الملاعب من نوعها. هذا ما يؤكد عليه المتحدث، لافتاً إلى حادثة مماثلة تعود إلى سنة 2013 في مدينة الدار البيضاء، حين كان "فريق الجيش الملكي طرفاً في سلوك عدواني إجرامي، بعد وصوله إلى مدينة الدار البيضاء وعدم نزوله في المكان المحّدد، وتوجهه إلى وسط المدينة عبر شارع محمد الخامس ليمارس أشكالاً من التخريب والعربدة والسرقة".

من جهتها، تؤكد سعيدة العلوي، صحافية متخصصة في الشأن الرياضي، أن "أحداث الشغب في مركب مولاي عبد الله ليست هي الأولى من نوعها وليست المرة الأولى التي يكون فيها جمهور الجيش الملكي هو السبب، شأنه في ذلك شأن جماهير بقية الأندية المغربية"، موضّحةً أن "هذا حال أكثرية الجماهير المغربية، ولولا الألطاف الإلهية لشاهدنا مرةً أخرى أحداث مجزرة بور سعيد تتكرر".

من يتحمّل مسؤولية ما حدث؟ توضح الصحافية أن "الأمن لم يُحضِّر بشكل جيد لهذه المباراة، لأنه خلال الأسبوع الذي سبق اللقاء كانت الأجواء مشحونةً حداً على صفحات التواصل الاجتماعي سواء التابعة لجمهور المغرب الفاسي أو للجيش الملكي، فكان هناك وعيد وتهديدات من الطرفين وكان واضحاً أن المباراة لن تمر بسلام".

الملاحظة نفسها أكدّ عليها الباحث السسيولوجي بورقية، بالقول إن "الملاسنات بدأت قبل المواجهة المباشرة يوم المباراة، على مواقع التواصل الاجتماعي بتبادل السب والشتائم، لتتواصل يوم الأحد بلافتات وشعارات من المجموعات المشجعة للفريقين، مما أجّجَ مشاعر الغضب وخصوصاً بعد الهزيمة التي لم يستسغها جمهور الجيش الملكي".

وتعليقاً على المقاربة الأمنية، يقول بورقية "تبقى محدودةً وغير كافية لقطع دابر الجانحين والعدوانيين الذين يتخذون من التجمعات فرصةً لإثارة الشغب والتعاطي للعنف تجاه الآخرين".

عدم جدوى المقاربة الأمنية؟

من جهتها، تقول العلوي: "كان من الضروري أن تكون هناك تعزيزات أمنية أكثر من تلك التي تم توفيرها في المباراة لأنه إن شاهدنا الفيديوهات التي تم تصويرها لحظة اقتحام الجماهير أرضية الملعب، كان عدد القوات الأمنية قليلاً جداً، وعدد قوات التدخل السريع كذلك قليلاً وتالياً استطاعت الجماهير أن تجتاز الحاجز الأمني بشكل سهل وتحاول الالتحاق بالجهة الأخرى المقابلة للملعب والتي تضم جماهير المغرب الفاسي".

وتسترسل المتحدثة: "الخطة الأمنية التي وُضِعت لهذه المباراة لم تكن في المستوى"، مؤكدةً هي الأخرى أن "المقاربة الأمنية أظهرت في أكثر من مناسبة على أنها لم تعد قادرةً وحدها على ردع الشغب، فلا يمكن أن نترك المشاغبين في وجه رجال الأمن، ولا يمكن أن نتركهم في وجه القضاء وأحكامه"، لافتةً إلى القانون المتعلق بالعنف المرتكب في المباريات والتظاهرات الرياضية 09-09، الذي "كان شافياً ولكنه لم ينجح في ردع المشاغبين".

"ما حدث يسيء إلى اسم رياضي عريق وهو الجيش الملكي ويسيئ إلى صورة المغرب خارج أرض الوطن ونحن في أكثر من محطة كنا نتمنى تنظيم منافسة كأس إفريقيا وكأس العالم"

بالنسبة إلى المتحدثة، فإن ظاهرة الشغب في الملاعب "مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والإعلام ومسؤولية المسير الرياضي الذي يثير هو الآخر الشغب أحياناً بتعليقاته وتصرفاته داخل الملاعب ويهيج الجماهير بتعليقاته"، مُنبّهةً في الوقت ذاته إلى "درجة الاحتقان في الشارع التي بلغت الذروة، وأكثرية الشباب العاطلين الذين يتناولون المخدرات ويعيشون وضعيةً اجتماعيةً صعبةً، فيبدو لهم الملعب يوم السبت والأحد فضاءً لتفريغ مكبوتاتهم".

بدوره، يؤكد الباحث في علم الاجتماع، عبد الرحيم بورقية، أن "المجتمع كله يتحمل مسؤولية ظاهرة الشغب من صناع القرار ومسؤولين سياسيين واقتصاديين وأولياء الأمور وفنانين ورياضيين ومربين وأستاذة وجمعويين وإعلاميين"، مؤكداً أن " العنف ما هو إلا نتاج لسياسات ممنهجة أولاً، اختيارية أو إجبارية لسنوات من الإقصاء والتهميش، وعدم الاستثمار في الشباب خلقَ جيلاً مهمشاً لا يملك سوى القليل من الآفاق المستقبلية في المغرب".

وبذلك يرفض المتحدث إلقاء اللوم على طرف دون آخر، داعياً إلى التفكير في حلول جذرية دافعها "الشجاعة السياسية والذكاء العاطفي والفطرة السليمة وبُعد النظر وحسن التدبير لما فيه مصلحة الأفراد والمجتمعات، والتركيز على اللبنات الأساسية لتكوين الأفراد من تعليم جيد وصحة وثقافة ورياضة وفرص شغل للجميع، وكل حسب درجة استحقاقه".

مسؤولية الإعلام؟

وحول ما إذا كانت المواكبة الإعلامية لمباراة يوم الأحد قد أثّرت على أجواء هذه الأخيرة مما أدى إلى أحداث العنف والفوضى، توضح الصحافية سعيدة العلوي، أن "الإعلام كان بعيداً عمّا حدث لأن الأمر ارتبط بتصيفة حسابات بالنظر إلى العداوة التاريخية بين الجمهورين، وفي إطار الصراع بين الجماهير مع عدم التعميم لأن هناك جماهير تحضر وتتابع بشكل حضاري مثل الأسر ومحبي الرياضة من الأشخاص المتقدمين في السن الذين أصبحوا يفضلون مشاهدة المباراة في المنزل بسبب ما يحدث من سب وشتم في الملعب".

"حتى في أشكال العنف هناك ما هو مرتبط بأنشطة الألتراس وما هو دخيل عليها لأن التشجيع هو تعبير واحتجاج عن الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي للشباب". ما السبب في أحداث عنف مشجعي  "الجيش الملكي"؟

لكن، بالنسبة إليها، يبقى "الإعلام سبباً في أكثر من مناسبة في حدوث مجموعة من أحداث الشغب، من خلال تهييج الجماهير والرأي العام باستعمال بعض المصطلحات الدخيلة على الرياضة، التي أساسها المتعة والفرجة والأخلاق والروح الرياضية"، موضّحةً أنه "حين نستعملُ مثلاً دقة طبول الحرب فهذا مصطلح له علاقة بالحروب وليس بالرياضة، وحين نقول فريق يواجه عدوه أو خصمه، هذا غير سليم، يجب أن نقول المنافس وليس الخصم، لأن هذه مصطلحات يتم استعمالها لشحن نفوس الجماهير، ثم نحن نخاطب جمهوراً مستوى وعيه وثقافته عادي ومنه القاصرون الذين يسهل التأثير عليهم".

نهاية فكرة الألتراس؟

فكرة "الألتراس" كحركة منظمة لها مبادئ وقناعات تدعم فريقها الرياضي، تثير قضايا السياسة إلى جانب الرياضة، بعيداً عن أي انتماء سياسي، تواجهُ اليوم سؤالاً عن مسؤولية وقائع العنف والفوضى التي تلتصق بها كلما عاد شغب الملاعب إلى الواجهة.

زكرياء العبدلي، عضو سابق في ألتراس قراصنة سلا، وهو جمهور مساند لنادي الجمعية السلاوية، يقول في حديث إلى رصيف22، إن "هناك عنف الألتراس الذي يكون ردة فعل للدفاع عن النفس بعد حدوث استفزاز سواء من الجمهور أو الأمن، وهو عنف مشروع متداول في الأعراف في العالم، وهناك عنف الجماهير الذي تمارسه فئة صغيرة تنتهج العنف والشغب كأسلوب حياة".

بالنسبة إلى العبدلي، فإن الجماهير العنيفة لا تنضوي تحت لواء الألتراس بالرغم من أنها تحملُ شعاراتها"، موضِّحاً أنه "لا علاقة للألتراس بأحداث الشغب، فهي تقومُ بأدوار تخلَّت عنها الدولة كالتنشئة والرعاية الاجتماعية وتقوم بدور فضاءات الشباب التي لم تعد تواكب الشباب".

من جهته، يقول عبد الرحيم بورقية إن "الألتراس حركة اجتماعية شئنا أم أبينا وستظل كذلك وما رأيناه هو وجه من أوجه الألتراس، وكل طرف ومجموعة تُعبِّر عن نفسها كما تريد"، داعياً في الوقت نفسه إلى تجنّب التعميم لأنه "حتى في أشكال العنف هناك ما هو مرتبط بأنشطة الألتراس وما هو دخيل عليها لأن التشجيع هو تعبير واحتجاج عن الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي للشباب، وهو الإطار الحقيقي لبناء هوية موازية ولينة  تُظهر رغبة الشباب في أن تتم رؤيتهم وتعريفهم على هذا النحو، وأن يكونوا موجودين وأن يعترف بهم المجتمع الذي يشعرون بأنهم منبوذون داخله، من دون تمثيلهم داخل الأحزاب أو الجمعيات".

قرار لجنة التأديب على الخط

وعلى إثر أحداث الشغب التي عرفتها المباراة التي جمعت فريق الجيش الملكي بالمغرب الفاسي، أصدرت اللجنة المركزية للتأديب والروح الرياضية قراراً يقضي بتغريم الفريقين الرياضيين ومنعهما من إجراء مباريات بحضور جمهور الفريقين.

سعيدة العلوي، الصحافية الرياضية، ترى أن هذا القرار ليس حلّاً، لأنه "حين نعود إلى أرشيف اللجنة ونرى كم من قرار تم اتخاذه وكم من عقوبات تم اتخاذها، فلا شيء تغير"، مستغربةً أن يتم منع فريق المغرب الفاسي من حضور جمهوره لأن "جماهيره كانت في حالة دفاع عن النفس، وهذا القرار صعب ما دام لم يعتمد فيه وقف التنفيذ في حالة العود".

وتضيف المتحدثة أن "توقيف جمهور الفريق خلال مبارتين وهم لا يتحملون أي مسؤولية لأنهم كانوا ملتزمين بأماكنهم، صعب جداً، كان يمكن الاكتفاء بالغرامة المالية بالنظر للشهب الاصطناعية (الألعاب النارية) التي يعاقب القانون على استعمالها، ويتم الاكتفاء بوقف التنفيذ في حال تسجيل حالة شغب".

وتخلصُ الصحافية الرياضية إلى أن "ما حدث يسيء إلى اسم رياضي عريق وهو الجيش الملكي ويسيئ إلى صورة المغرب خارج أرض الوطن ونحن في أكثر من محطة كنا نتمنى تنظيم منافسة كأس إفريقيا وكأس العالم وتالياً هذه الصورة تسيء إلينا وتنقص من قيمة الملفات التي ندفعها لاحتضان مثل هذه المنافسات"، داعيةً إلى تشخيص إشكالية شغب الملاعب لإيجاد الحلول التي من شأنها أن تعيد الانضباط إلى الجماهير والمشهد الرياضي الحضاري إلى المدرجات، كما حدث في إنكلترا، التي ناضلت لأزيد من أربعين سنةً لحلحلة مشكلة شغب الملاعب، حسب تعبير المتحدثة.

وكانت الشرطة القضائية قد أحالت خلال الأسبوع الجاري، على قاضي التحقيق في محكمة الاستئناف في الرباط، سبعين شخصاً، من بينهم 18 قاصراً، متهمّين بالضلوع في أحداث الشغب.

من جانبه، قال مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، إنه "يجب الحديث اليوم عن مسببات هذه الظاهرة، وفي مقدمتها الهدر المدرسي، الذي تسبب لسنوات في هذا الأمر، موضّحاً أن “المقاربة الأمنية والتعليمية مهمة، لكن الحكومة واعية بضرورة إعادة إدماج هؤلاء الشباب في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية عبر برامج مثل برنامج أوراش وفرص لتشغيلهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard