"نسمع أم كلثوم ونتذكر مصر بتاعة زمان"... مسنّون يختارون الإقامة في دور الرعاية

الاثنين 17 يناير 202202:21 م


من الأفكار الراسخة في ثقافة المجتمعات الشرقية، أن نزلاء دور رعاية المسنين كلهم، هم ضحايا أبناءٍ قساة القلوب، وناكرين لجميل آباء، أو أمهات، أفنوا أعمارهم من أجل إسعادهم، وأن جزاءهم كان الزج بهم في عنابر بعيدة، يشرف عليهم أشخاص غرباء.

لكن هناك جانب آخر ليس بهذه المأساوية، مفاده أن مسنّين ومسنّات، وجودهم /ن في دور الرعاية كان أمراً اختيارياً، وقوبل برفض شديد من الأبناء؛ ورضوخهم لهذا الحل، كان حباً بآبائهم وأمهاتهم، وخوفاً عليهم من البقاء وحيدين في المنزل، يعانون من أمراض الشيخوخة، ومعرّضين لأخطار جمة، بسبب انشغال الأبناء بحيواتهم الخاصة.

سلوى ع.، سيدة تبلغ من العمر 65 عاماً، زوجها متوفى، ولها ابنة وأربعة أحفاد، وتقيم في القاهرة. تحكي قصتها لرصيف22: "ذهبت لزيارة صديقتي التي تقيم في دار للمسنين. كانت مشاعري متضاربةً، لأنها الزيارة الأولى. كنت أتوقع أنها تعيش حياةً صعبةً، وقاسيةً، بعيداً عن أسرتها وأبنائها، لكن ما شاهدته أجهض توقعاتي كلها. وجدت صديقتي تتمتع بمعنويات مرتفعة، ونجحت في تكوين صداقات جديدة، وحتى المكان الذي تقيم فيه مريح نفسياً، وغرفة نومها مرتبة بعناية".

تضيف سلوى، أن الرعاية والاهتمام من قبل القائمين على الدار، خصوصاً على المستويين النفسي والصحي، غيّرا الكثير من مفاهيمها المغلوطة، وجعلاها تفكر طوال عام كامل، بعد عودتها من الزيارة، في إمكانية الانضمام إلى صديقتها. "في النهاية حسمت أمري، وقررت الإقامة في الدار، وهو أمر قابله أبنائي برفض شديد، وأمام إصراري، رضخوا".

ترى سلوى أنها فضّلت راحتها النفسية وسعادتها، في ما تبقى لها من العمر، مع أشخاص لهم الظروف والاهتمامات نفسها.

فضّلت راحتها النفسية وسعادتها، في ما تبقى لها من العمر، مع أشخاص لهم الظروف والاهتمامات نفسها.

"هنا وجدت الونس"

حالة فاطمة إ.، لا تختلف كثيراً، فقد تجاوز عمرها 75 عاماً، ولديها ابنان وثلاثة أحفاد. بعد وفاة زوجها قبل ثلاث سنوات، اتّفق الأبناء والأحفاد على زيارتها بالتناوب، في منزلها الكائن في مدينة نصر، لقضاء متطلباتها اليومية، وحتى لا تشعر بالوحدة.

تقول فاطمة: "على الرغم من اهتمام أبنائي وأحفادي بي، كنت أقضي ساعاتٍ طويلةً بمفردي، فاضطررت إلى استقدام سيدة لتنظيف الشقة، وأخرى لتحضير الطعام ومجالستي حتى المساء. لم يكن الوضع مريحاً، وكان مكلفاً من الناحية المادية. أما أبنائي، فقد فعلوا كل ما في وسعهم لإرضائي، لكن ارتباطهم بأعمالهم ومدارس أبنائهم، شكّل عليهم ضغوطاً كبيرةً على الرغم من محاولتهم إخفاء الأمر. فوجدت أن الحل هو الإقامة في دار للمسنين، لتوفير كل هذه المصروفات، وفي الوقت نفسه ضمان خدمة ورعاية جيّدتين".

تواصل فاطمة حديثها: "هنا وجدت الونس، وتخلصت من المخاوف التي كانت تراودني ليلاً، كأن أسقط في دورة المياه، وأموت وحيدةً، ولا أجد من ينقذني. أصبح عندي الآن أكثر من صديقة. حكاياتنا لا تنتهي، وضحكنا لا يتوقف. حتى فكرة الموت، لم تعد تراودني، وعلاقتي بأبنائي وأحفادي ما زالت جيدةً، فهم يزورونني باستمرار، وفي كل مرة يحاولون إقناعي بالعودة إلى منزلي، لكن الحياة بالنسبة إلي أصبحت هنا، ولا أتخيّلها بعيداً عن الدار، ومن فيها".

بدورها، كانت ليلى فرغلي، وهي ربّة منزل، تعيش في شقة ابنتها في غاردن سيتي، مع بناتها الثلاث، بعد وفاة زوجها، وسفر ابنها، وحظيت في تلك الفترة بحب ابنتها وحفيداتها، وعنايتهن.

تقول: "ترك لي زوجي معاشاً جيداً، يكفيني ويزيد، لكن كنت أقضي أوقاتاً طويلةً في المنزل بمفردي، خاصةً وأن ابنتي موظفة، وبناتها في مراحل تعليمية مختلفة، ويقضون ساعاتٍ طويلةً وهم منشغلون بهواتفهم المحمولة".

وتستطرد: "أعرف أنها سنّة الحياة، ومن غير الطبيعي أن يتركوا حياتهم من أجلي، فأنا مسنّة وأحتاج إلى رعاية مستمرة. لذا كان الحل هو الإقامة في دار رعاية. هنا وجدت صديقات لهن الاهتمامات نفسها، ويفهمنني سريعاً، ونتشارك في أنشطة ومسابقات، وهو ما انعكس على حالتي النفسية، فأصبحت أكثر هدوءاً، وأقل توتراً، وممتنةً لأنني استطعت اتخاذ القرار، على الرغم من رفض ابنتي".

هنا وجدت الونس، وتخلصت من المخاوف التي كانت تراودني ليلاً، كأن أسقط في دورة المياه، وأموت وحيدةً، ولا أجد من ينقذني. أصبح عندي الآن أكثر من صديقة. حكاياتنا لا تنتهي، وضحكنا لا يتوقف. حتى فكرة الموت، لم تعد تراودني

"مللت من رتابة يومي"

أما منى م.، فهي لم تنجب، وكان إخوتها وأبناؤهم يرعونها، بعد أن تجاوزت عقدها السابع، لكنها كانت تشعر بالوحدة، وحسب وصفها: "أن يغلَق عليك باب بيتك، وأنت بمفردك، شيء صعب".

الظروف المالية للسيدة منى جيدة، لذا اتخذت قراراً عارضه أشقاؤها، بأن تقيم في دار رعاية تقدّم خدماتٍ عالية المستوى، بالإضافة إلى الجو الأسري، والصداقات الجديدة التي أحيت في داخلها ذكريات أيام المدرسة، حسب تعبيرها.

تقول منى في حديثها إلى رصيف22: "أنا الآن أدفع المال مقابل خدمتي، وهو ما يجعلني لا أشعر بالخجل. تخلصت من كوني عبئاً على أشقائي وزوجاتهم وأبنائهم، وأشعر بسعادة عندما يأتون لزيارتي. المكان هنا مبهج وجميل".

أما ثريا، وهي سيدة في مطلع عقدها السابع، فقد دفعتها ظروف ابنها الاقتصادية، الذي يعمل في وظيفتين لتوفير متطلبات أسرته، وكذلك انشغال حفيدتها بالمذاكرة للثانوية العامة، إلى اتخاذ قرار العيش في دار للمسنين.

ملّت ثريا من رتابة يومها، ومشاهدة التلفاز طوال ساعات اليوم، خصوصاً أن زوجة ابنها تعود متأخرةً من عملها، وتضيف شارحةً في حديثها إلى رصيف22: "الرغي على الهاتف لساعات طويلة مع الجيران والأقارب، لم يكن حلاً للقضاء على حالة الملل. وبعد إلحاح مستمر، وافق ابني على إقامتي في الدار".

كانت أغاني أم كلثوم، وأفلام نجيب الريحاني، وليلى مراد، وشادية، وعبد الفتاح القصري، تصبغ مساءات ثريا، بعبير الذكريات الجميلة، التي أعادت إليها روحها، وسط صديقات يحتسين الشاي في المغرب، ويتبادلن الحديث عن مصر بتاعة زمان: "بجدّ مفيش أجمل من كده".

تخلصت من كوني عبئاً على أشقائي وزوجاتهم وأبنائهم، وأشعر بسعادة عندما يأتون لزيارتي.

"حان الآن وقت الراحة"

قضى المهندس قدري م. (71 عاماً)، غالبية عمره في الدراسة والعمل وتربية الأبناء، وحان الآن وقت الراحة والهدوء حسب وصفه، ويضيف مبتسماً: "خلاص بقيت عايز أدلل نفسي، بعيداً عن الدراما السطحية اللي بتصور دور المسنين على أنها كراجات رمى فيها الأبناء العاقون آباءهم وأمهاتهم من غير رحمة. المكان فيه هدوء وطاقة إيجابية، مش مكان للحزانى، وأنا جيت هنا بكامل إرادتي".

الجميع في الدار يعملون على راحة المسنين، وتحقيق مطالبهم، كما يقول قدري، ما ساهم في إقناع أبنائه بالفكرة: "طلبت منهم ألا يستسلموا للكليشيهات المحفوظة، أو يتأثروا بكلام الناس، وأن يتركوني أفعل ما يحقق لي الرضا والسعادة".

ويستطرد: "أنا رجل مسنّ، وأحتاج إلى من يعتني بي طوال الوقت، وأبنائي لن يستطيعوا ذلك، ليس تقصيراً أو عقوقاً منهم، لكنها الحياة. كما أنني لم أعد قادراً على احتمال دوشة الأطفال والشباب، وجئت إلى هنا لأستمتع بالهدوء، وألعب الطاولة مع أشخاص يحملون الأفكار نفسها، وحتى الذكريات نفسها أيضاً. كما أنني أجد وقتاً لقراءة القرآن، وسماع عبد الوهاب وأم كلثوم. هنا عالم آخر، مليء بالمغامرات، وقد تنشأ قصص حب بين رجال ونساء تُكلّل بالزواج"، يختم مبتسماً.

حماية ورعاية

وفي تعليقه على القضية، يقول رئيس مجلس أمناء إحدى مؤسسات رعاية المسنين وأمراض الشيخوخة، محمد سعد حسن، إن المسنّ الذي يختار العيش في الدار، تحكمه ظروف عديدة، مثل عدم توفر الخدمات في بيته، أو المساحات الخضراء، والجو النظيف، وحرية الحركة، فنراه يختار داراً مساحتها كبيرة، وفيها حديقة، كي يستمتع بما كان يفتقده في منزله. والبعض الآخر يفضّل الدور التي تقدّم خدماتٍ تمريضيةً، خصوصاً إذا كان أبناؤهم لا يجيدونها.

وفي مصر، قرابة 150 دار رعاية للمسنين، تقدم خدماتها لنحو ثلاثة آلاف مسنّ، وفق إحصاءات رسمية صدرت عام 2020.

ويرى حسن، أن نظرة المجتمع الشرقي إلى هذه القضية، ما زالت نمطيةً، إذ يعتقد كثيرون أن دار المسنين هي لأشخاص بلا مأوى، أو لمن تركهم أبناؤهم: "هي نظرة خطأ، فهناك أشخاص مقتدرون، وفي وقت معيّن يختارون العيش في دار مسنين، وقد يفضل أبناؤهم ذلك، تجنباً لمخاطر معيّنة، مثل خروجهم من المنزل وعدم عودتهم إليه، إن كانوا مصابين بالزهايمر على سبيل المثال".

وفي حالات أخرى، يوضح المتحدث أن المسن قد يؤذي نفسه لو دخل المطبخ بمفرده، ويكون عرضةً للسقوط على الأرض، والإصابة بكسور، قد تجعله غير قادر على الحركة مدى الحياة: "وجوده في دار رعاية، يوفر الحماية، ويضمن له رعايةً صحيةً، وتغذيةً جيّدةً".

المسنّ الذي يختار العيش في الدار، تحكمه ظروف عديدة، مثل عدم توفر الخدمات في بيته، أو المساحات الخضراء، والجو النظيف، وحرية الحركة، والبعض الآخر يفضّل الدور التي تقدّم خدماتٍ تمريضيةً، خصوصاً إذا كان أبناؤهم لا يجيدونها

أمر ضروري في بعض الحالات

وفي هذا الصدد، تقول مدرسة علم الاجتماع في جامعة القاهرة، الدكتورة سارة الشاذلي، إن الآباء يربّون أولادهم، ولا يبخلون عليهم بشيءٍ، سواء أكان معنوياً أو مادياً، وعندما يكبرون ينشغلون عنهم بمصالحهم، ومن هنا تأتي الإشكالية الاجتماعية، وهي وصم كل من يضع أحد والديه إلى دار مسنّين، بأنه عاق، لم يردّ الجميل.

وتتابع في حديثها إلى رصيف22: "كثيرون يتخيلون أن دار المسنين مكان يتخلص فيه الأبناء من آبائهم وأمهاتهم، أو مأوى لمن ليس لديهم أبناء يعينونهم على مصاعب الحياة في سنواتهم الأخيرة، أو لمن يحاولون الهرب من قسوة المجتمع، ليعيشوا في عزلة. على الرغم من أن بعض هذه الأفكار قد تكون حقيقيةً، نوعاً ما، إلا أن هناك حالات تستوجب الذهاب إلى دور المسنين؛ مثلاً عند الحاجة إلى خدمة تمريضية جيدة، أو علاج طبيعي، كذلك من يعيش بمفرده، لأنه يكون عرضةً للاكتئاب، وسوء التغذية، أو مرضى الفراش والزهايمر، لصعوبة تركهم في المنزل بمفردهم".

وترى الشاذلي أن على المجتمع استكشاف الجانب الإيجابي لوجود كبار السن في دور الرعاية، خصوصاً عندما يذهبون باختيارهم إليها، فعادةً يلتقي المسنّ داخل الدار بأشخاصٍ يشبهونه، بالإضافة إلى إمكانية ممارسته أنشطةً وألعاباً مختلفةً مع المسنين الآخرين، وعمل جلسات فضفضة ودردشة مع أصحاب المشكلات والهموم المتشابهة.

كثيرون يتخيلون أن دار المسنين مكان يتخلص فيه الأبناء من آبائهم وأمهاتهم.

ويضيف الدكتور توفيق ناروز، استشاري الطب النفسي، ضمن السياق نفسه، أن الوالدين عندما يكبران، ويدب المرض في جسديهما، ويشعران بأن مصيرهما مرهون بما يقرره أبناؤهما، يصابان بمشاعر سلبية، والبعض يختارون الذهاب إلى دور المسنين، للشعور بالاستقلالية والقوة.

ويؤكد أن دور المسنين النموذجية، التي توفر الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية المناسبة، تدعم رفاهية كبار السن، وتضمن لهم حقوقهم، وتحميهم من كافة أشكال الاستغلال.

ويتابع لرصيف22: "متطلبات هذا العصر أصبحت ضاغطةً، ولم يعد هناك وقت لدى البعض لرعاية أهلهم، ومن ثم لا يمكن وصف إيداعهم في دور رعاية بأنه عقوق، لأنهم يتلقون هناك رعايةً صحيةً جيدةً، خصوصاً إذا كان الأمر نزولاً عند رغبتهم".

الرأي الديني لم يتعارض مع آراء خبراء علم النفس والاجتماع، إذ يؤكد الشيخ كارم أنور عفيفي، أستاذ أصول الحديث وعلوم الدين في جامعة الأزهر، أنه لا يجوز وضع الوالدين، أو أحدهما، في دور المسنين، إلا إذا كان الأمر برضاهما وإذنهما، ومن المهم التأكد من أن الدار ستقوم بخدمتهم ورعايتهم بشكل لائق.

يضيف عفيفي: "أمرنا الله تعالى بالتواضع والذل للوالدين، ونهى عن أدنى درجات الإيذاء لهما، والآية الكريمة تقول: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذّل من الرّحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard