"ماذا تفعل؟ أقطّع الباذنجان"... من حكايات آباء متقاعدين في سوريا

الثلاثاء 30 مارس 202103:21 م

"لقد ضاع جمال هذا المنزل منذ أن تقاعدت، ماذا تفعل في المطبخ يا بيك؟ اذهب إلى المقهى واجلس مع المتقاعدين".

تقول زوجة البيك بعد أن وصل لمرحلة التقاعد، وجرفه شعور بالإحباط، بعد مرور تسعة وثلاثين عاماً من العمل الوظيفي، في قصة قصيرة عنوانها "الكرسي" لكاتب الكوميديا السوداء عزيز نيسين.

تتذمر النساء عادة من أزواجهن المتقاعدين، وهناك حالات كثيرة في سوريا تصب في إحساس الرجل المتقاعد بالدونية والتهميش وعدم اهتمام الزوجة والأولاد به.

"أنا خبير في الكهرباء"

قررت عائلة السيد أيوب شراء بطارية جديدة لإنارة المنزل بعد ازدياد ساعات التقنين الكهربائي في مدينة اللاذقية، عقب أسبوع من المباحثات العائلية، وصلت البطارية، ضرب السيد أيوب بيده اليمنى على صدره، وقال: "أنا سأمددها".

تبادلت مايا ونايا نظرة تنمّ عن القلق، لأنهما يدركان أن والدهما سيعَطّل البطارية بدلاً من تمديدها، قالت مايا: "أرجوك يا أبي دعنا نحضر كهربائياً متخصصاً، لن تستطيع تمديد كل هذه الأسلاك الكهربائية".

"ماذا تقصدين يا فتاة؟ أنا لا أفهم؟ أو لم أعد أُجدي نفعاً؟". 

يقطب حاجبيه، ويجيبها: "ماذا تقصدين يا فتاة؟ أنا لا أفهم؟ أو لم أعد أُجدي نفعاً؟ ماذا يحتاج تمديد البطارية. بعض الأسلاك الكهربائية فقط".

حلّ المساء وما زال السيد أيوب الذي تجاوز السبعين من عمره يحاول ربط الأسلاك والشرائط بعضها ببعض، وتثبيت اللدات على الحائط. شعر بالحرج من زوجته وبناته، وحاول أن يخفي قلقه، جمع كل شجاعته وقال لنفسه: "الشكل ليس مهماً"، ربط السلك الكهربائي بملقط غسيل، ثم سحبه إلى الأسفل، وعقده في البطارية من الخلف، وقال: "عندما تريدون تشغيل البطارية أزيحوا الملقط الخشبي".

تقاعد السيد أيوب من مديرية الزراعة في مدينة اللاذقية قبل عشر سنوات، بعد عدة أشهر بدأت عائلته تشعر بثقل وجوده الطويل في المنزل، وتدخله بأصغر التفاصيل، تقول زوجته نازلي (65 عاماً) لرصيف22: "دخلت مرّة إلى المطبخ، وجدته يقطّع الباذنجان، سألته: ماذا تفعل؟ أجابني: سأزيد كمية الباذنجان، أنا أفضل شيف في هذه المدينة، وبدأ برمي الباذنجان وإضافة الماء إلى الوعاء، وأفسد غداءنا".

تفتقد دانا خصوصيتها، عندما تعاني من آلام الدورة الشهرية، تحاول الوصول إلى خزانة المناشف وسط الصالة، يظهر والدها المتقاعد في وجهها، تشعر بالإحراج حتى عندما تدخل إلى الحمّام، تشعر أن صوت تبولها يصل إليه

يحاول أيوب أن يفعل شيئاً مفيداً في المنزل، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل، تقول نازلي: "يبعثر الأغراض بدلاً من ترتيبها، تحترق لمبة الكهرباء في يده بدلاً من تركيبها، مرّةً كاد يقع عن السُلّم، وعند المساء يطفئ كل أضواء المنزل في جولته المسائية المعتادة، عندما نسأله لماذا تطفئ الأضواء؟ يجيب: حافظوا على الكهرباء".

تشعر نازلي أنها لم تعد تحب زوجها كالسابق، تقول: "كأنه ليس زوجي، بعد التقاعد أصبح رجلاً آخر، لديه مُتسع من الوقت ليبدي رأيه بأبسط أمور الحياة، يرى نفسه دائماً على صواب، أتمنى فقط أن يخرج من المنزل لأستريح قليلاً من الأسئلة، والتعليقات، والخلافات التي لا تنتهي".

هروب من الجنس

وعن حياتها الجنسية، تقول نازلي: "لا أشعر برغبة تجاهه، أحاول أن أسهر في غرفة الجلوس حتى يستغرق في النوم، كي لا يطلب مني شيئاً، عندما يقترب مني أتذكر تدخلاته بنشر الغسيل، وطهو الطعام، وترتيب الأحذية، وإغلاق إسطوانة الغاز، وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية".

يجد أيوب نفسه مظلوماً في حياته مع عائلته، يقول لرصيف22: "لا تعجبهن تصرفاتي، يتغيبن عن المنزل ساعات النهار، عند عودتهن يتوجهن مباشرة إلى غرفهن، بينما أجلس أنا وحيداً في الظلام".

يحاول أيوب أن يخفف من وطأة وجوده في المنزل، يقول: "ذهبت مرّةً إلى نادي المتقاعدين، استقبلني رجل بشاربين عريضين، وقال ماذا تريد؟ كان النادي خالياً من زواره، جلست وحيداً، أرتشف فنجان قهوة، دفعت ثمنه ألف ليرة، ولم أكرر الزيارة، لماذا أذهب؟ لا صديق أحادثه، كما أن مرتبي التقاعدي 40 ألف ليرة شهرياً لن يكفيني ثمن قهوة في هذا المكان".

"دخلت مرّة إلى المطبخ، وجدته يقطّع الباذنجان، سألته: ماذا تفعل؟ أجابني: سأزيد كمية الباذنجان، أنا أفضل شيف في هذه المدينة، وبدأ برمي الباذنجان وإضافة الماء إلى الوعاء، وأفسد غداءنا"

تعاني دانا من آلام الدورة الشهرية، خاصة في يومها الأول، تحاول الوصول إلى خزانة المناشف وسط الصالة، لتلقط فوطة صحية، يظهر والدها في وجهها، يجلس في الصالة، تشعر بالإحراج، كيف ستُخرج الفوطة أمامه، خاصة أنه وجّه لها ملاحظة أمس متسائلاً: "من استخدم هذه الشفرة وتركها في الحمّام؟".

تفتقد دانا (27 عاماً) خصوصيتها، حتى عندما تدخل إلى الحمّام، تشعر أن صوت تبولها يصل إلى والدها المتربص في المنزل، والمراقب كل صغيرة وكبيرة تجري أمامه، تقول لرصيف22: "مضى أكثر من سبع سنوات على تقاعده وجلوسه في المنزل، لا يمارس أي نشاط أو هواية سوى الأسئلة المتكررة، والتدخل في تفاصيل حياتنا الصغيرة".

ساعات المساء الثقيلة

ساعات المساء هي الأكثر وطأة على العائلة في ظل جلوس الأب في المنزل، وانقطاع الكهرباء، لا تستطيع والدة دانا استقبال جاراتها، ولا يمكن للفتيات أن يتحدثن، يُجبرن على سماع مقاطع الفيديو التي يشاهدها والدهن على اليوتيوب، ويرفع الصوت إلى أعلى درجة. تقول دانا: "يشاهد أشياء غريبة عن الحيتان والدلافين، وأحياناً يرسل لنا رسالة عبر واتساب، ويطلب أن نرسلها إلى جميع معارفنا كي تتحقق أمانينا".

أما سلاف، والدة دانا (50 عاماً)، فقد سئمت الجدال المستمر مع زوجها، تقول: "يتذكر مواقف وأحداثاً قديمة، وفي المقابل ينسى أن يشتري ما أريده، عندما أساله: لماذا لم تشتر البندورة؟ يجيبني: نسيت، مرّة سألني هل تذكرين هذا المسلسل؟ كان عرضه الأول أيام خطوبتنا، أجبته: لم نكن نعرف بعضنا وقتها، تأفف وقال: لا بل كنا في فترة الخطبة".

تعود الزوجة بذاكرتها إلى الوراء، تقول: "كان نشيطاً واجتماعياً وحازماً خلال عمله في مديرية البيئة في دمشق، أجمع الأصدقاء على خفّة ظله وحلاوة حضوره، بعد أربعين عاماً من العمل في مؤسسة حكومية تقاعد والتزم المنزل، وبدأ يفرّغ طاقته بأفراد عائلته".

إنكار للفكرة

"مرحلة التقاعد هي عبارة عن تغيّر في نمط الحياة، والانتقال إلى نمط جديد، تختلف فيه الأدوار اليومية التي اعتادها المتقاعد، تتغير منظومة حياته، ويشعر في نهاية حياته المهنية بعدم جدواه فينكر هذه الفكرة، ويحاول أن يثبت لأفراد عائلته أنه ليس كذلك"، بحسب رأي الخبيرة الاجتماعية هبة موسى.

"لديهم مشاكل نفسية واجتماعية تنعكس على علاقتهم بعائلاتهم".

وهناك ما يُسمى بالتقاعد القسري، تقول موسى لرصيف22: "الكبار الذين يرغمون على ترك عملهم، وهم في قمة السلم الوظيفي، يتخلون عن مواقعهم الوظيفية، مع ما يتضمنه ذلك من التخلي عن السلطة والنفوذ، ثم تظهر لديهم مشاكل نفسية واجتماعية تنعكس على علاقتهم بعائلاتهم".

وترى أن مساعدة المتقاعد على الخوض في هذه المرحلة، تكمن في خلق بيئة سليمة داخل المنزل، وتكليف المتقاعد بأعمال يومية، وتوجيه كلمات المديح والشكر له، والتخطيط لبرنامج يومي يقوم به، إضافة إلى الاهتمام بمشاعره وجعله يتذكر دائماً أن الحياة واسعة بما يكفي ليبدأ بممارسة كل النشاطات التي لم يمارسها أثناء سنوات عمله.

وتذكر موسى عدداً من الأنشطة التي يمكن للمتقاعد القيام بها، كالبدء بمشروع صغير، من خلال القروض المتوفرة للمشاريع الصغيرة، أو القيام بدور استشاري من خلال خبرته السابقة، أو ممارسة الرياضة، واتباع نظام غذائي صحي، والتواصل مع الأصدقاء، وتنمية الهوايات التي يحبها.

ويمكن للموظف في سوريا إنهاء خدمته بحالتين، إما إتمامه سن الـ60 ووصول الخدمة المحسوبة في المعاش إلى 15 عاماً، أو عبر نظام التقاعد المبكر، الذي يمكّن العامل أن يطلب الإحالة على التقاعد بعد بلوغ سنوات توظيفه 25 سنة، دون التقيد بشرط السن.

معاناة من التهميش

عن الحضور الاجتماعي للمتقاعدين السوريين، يعلق المحامي نصر زيدان لرصيف22: "تعاني فئة المتقاعدين في سوريا من التهميش بشكل عام، باستثناء شرائح قليلة، توفّر لها الدولة خدمات بسيطة، كالنوادي الاجتماعية، منها فئة العسكريين، الذي تتبع لهم رابطة المحاربين القدماء، وضحايا الحرب" (مكان لاجتماع العسكريين المتقاعدين بأسعار رمزية).

ويضيف: "كما خصصت الدولة نوادي اجتماعية للمهندسين المتقاعدين الذين أُحيلوا إلى المعاش، لكنها غير فعّالة، وأسعار الخدمات فيها لا تناسب المتقاعد، الذي بدلاً من رفع مرتبه بعد التقاعد، تقديراً لسنوات عمله الطويلة، يتم تخفيضه، لذلك لا يقوى على تكاليف هذه النوادي".

ويختم زيدان: "سمعنا مؤخراً عن بدء التسجيل في برنامج "أوباما كير" في أمريكا، الذي يقدم رعاية صحية شاملة للأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم الـ65 عاماً وذوي الاحتياجات الخاصة، والفقراء، والعمّال ذوي الدخل المتدني، هذا ما نطمح له، خصوصاً تقديم تعويض مناسب للمتقاعد، ورعاية صحية ليكمل حياته بسلام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard