"وحشة الشارع ولا أذية الأهل"... نساء ورجال اختاروا حياة "التشرد" في تونس

الثلاثاء 6 أكتوبر 202004:06 م

في ركن قصيّ من محطة الحافلات بمدينة الدندان التابعة لمحافظة منوبة (إقليم تونس الكبرى)، يضع رضا (اسم مستعار) كيسًا بلاستيكيًا أسود ملفوفًا بشكل مرتّب حول بطانية رثّة، محت ألوانها شمس آب/أغسطس الحارة، وغبار الطريق الذي تطلّ عليه المحطة.

غالبًا ما نرى الكيس ثابتًا في ركنه، لكن نادرًا ما نجد رضا هناك، فهو يذهب في رحلة في أرجاء المدينة التي وحده يعرف تفاصيلها، ويعود مساءً إلى كيسه ليلتحف ببطانيته في إحدى الزوايا الآمنة، أحيانًا بين شجيرات الحديقة العمومية للمدينة، وأحيانًا أخرى بين أضرحة مقبرتها.

"مرت عشر سنوات وأنا على هذه الحال" يقول رضا لرصيف22: "هكذا أفضل لي، ولهم...".

"أرادو سرقة عمري"

رضا، البالغ من العمر 63 عامًا، كان يشتغل في السنوات التي سبقت الثورة (2011) في ليبيا، ويرسل ما يجنيه من أموال إلى إخوته الذين زعموا له أنهم يقومون بتشييد منزل له بما يرسله لهم من أموال.

"عندما اندلعت الحرب في ليبيا، عدت إلى تونس على أمل أن أجد مستقرًّا لي، وأبدأَ حياةً جديدة.. بيْد أنني لم أجد لا منزلًا أريح فيه رأسي، ولا عائلة تحتضنني"، يزفر رضا الذي لم تُفقده آلام الدهر ابتسامته التي تبرزُ سِنًّا واحدة ظلّت ثابتة مثله.

"انهرتُ خلال الأشهر الأولى، ربما تواصل ذلك سنة أو أكثر.. لكنني في النهاية شئت المضيّ قدمًا بعيدًا عن كلّ ما يربطني بهم. وجدتُ الشارع فاتحًا ذراعيه لي على عكس أهلي، وها أنا أقتاتُ ممّا يجود به المارة عليَّ".

"تحولنا من المجتمع التقليدي القائم على العائلة الممتدة التي تحتضن ضعافها ومسنّيها، مثل الجد والجدة،إلى المجتمع المَدِيني الذي تغلب فيه العائلة النواتيّة، وتلعب الفردانية والاستهلاك دوراً بارزاً فيها"

رضا، رغم ضيق حاله وإقامته ليلًا ونهارًا في العراء، كان مرتبًا نظيفَ الهندام بهيّ الطلعة، ثابتًا. هيأته لا توحي أنه مشرّد يبيت في العراء. كان يغسل ثيابه بشكل دوريّ، وينشرها على السياج الحديدي الذي يطوّق سكة "المترو" العابرة لمدينة الدندان، وينتظرها حتى تجفّ غير مبالٍ بنظرات المارّة الفضولية.

لا يختلف حال رضا عن أحوال الكثيرين ممن لجأوا إلى الشارع، ليس لحاجة مادية أو لظروف اجتماعية أو اقتصادية، وإنما هربًا من العائلة، على غرار ما حدث مع شامخة (هكذا اختارت تلقيب نفسها).

تسير شامخة بخطوات ثابتة، شاقّة طريقها وسط حشود من الناس الجالسين بأحد المقاهي الشعبية في العقبة بتونس، متأبطة كيسًا به مناديل ورقية تبيعها للمارة، ومندفعة لا تلوي على شيء.

استوقفتها بودٍّ ثم تداولنا أطراف الحديث. ترددت في البداية، لكن ما إن اطمأنت حتى بدأت تبوح إليّ: "خليتهالهم واسعة وعريضة"(تركت لهم المنزل واسعًا)، تقول شامخة (58 سنة) لرصيف22، متابعةً: "لم يكفهم شبابي، أرادوا سرقة عمري".

تلتفت يمنة ويسرة كأنها تخشى أن يراها أحد، وتضيف: "عانيتُ الأمرّين. كنت أخدمهم صباحًا ومساءً دون أن يسمعوا شكواي، عملت من أجلهم خادمةً ذليلة وكنت أسلمهم راتبي من دون أن أنقص مليمًا منه.ورغم كل تضحياتي معهم، لم يكونوا يحنّون أو يعطفون عليّ بل كانوا يعنفونني لسبب ودون سبب. وكلما كبرتُ، زادوا في استعبادي أكثر حتى جاء اليوم الذي قررت فيه الهروب إلى الشارع وأنا في الثلاثين".. تتنهد ثم تقول كمن يتخلّص من حمل ثقيل: "الوحش ولا الأذية".

"شامخة"، التي محت السنوات تفاصيلها فبدت شاحبة الملامح ذابلة النظرات، حرصت على ارتداء ملابس بألوان زاهية وحافظت على شموخها في تحدٍّ صارخ لغدرات الدهر.

لئن رفضت الإفصاح عن تفاصيل أكثر عن حياتها، فقد أفضت أن ما وجدته من عطفٍ في الشارع لم تجده في عائلتها، تقول: "لم يبحثوا عني، وكأنهم كانوا يتوقون إلى هربي. على كل حال، لم أندم على مفارقتهم، فمهما بلغت معاناتي في الشارع، تظلّ أرحم وأقل وطأة من مأساتي بينهم".

"لم يبحثوا عني، وكأنهم كانوا يتوقون إلى هربي".

لم تنكر شامخة تعرضها لمضايقات، وتحرش، واعتداءات بالعنف المادي واللفظي في أكثر من مناسبة، إلا أنها تقول إنها أقوى بكثير من أن يؤثّر عليها ذلك.

فيما مر قرابة الثلاثة عقود على مغادرة شامخة أسرتها هربًا من الاستغلال وسوء المعاملة، فإن فتحي (65سنة) لم يمر على اختياره الانتماء إلى الشارع سوى خمس سنوات، بعد أن ضاق ذرعًا بمعاملة زوجة ابنه التي وصفها بـ"الوحشية".

"ليس لي أحد"

دائمًا ما يقيم فتحي في أحواز مساجد مدينة "الصناعات التقليدية" بمحافظة منوبة، أو قبالة باب مقبرة الدندان، حيث يجلس في مكان مرئيّ ليتصدّق عليه المارة بما يجودون.

"ليس لي أحدٌ" يقول لـرصيف22 ببرود، ثم يأخذ نفسًا عميقًا ويضيف: "قبل نحو ثماني سنوات، توفيت زوجتي. وبعد عام تزوج ابني، كي تكون في المنزل امرأة تهتم بي. لكن 'ما يعجبك نوّار دِفلة كان ماتشوف الفعايل' (لا يجب أن نغترّ بالمظهر قبل أن نرى الأفعال). ما إن مرّت بضعة أشهر حتى تغيرت معاملتها لي، لم تتوقف عن الشتم والسب، بل كانت تعنّفني، صبرتُ طويلًا دون أن أنبس بكلمة لابني، ولمّا شكوت له وقف ضدّي. لم تؤلمني صفعاتها بقدر ما آذتني كلماته. قررت حينذاك مفارقتهما دون رجعة. ها أنا الآن حرّ، لا أحسّ بأنني عالة على أحد. ولا أحد يشعرني بأني أضيّق عليه بيته أو أزاحمه في تنفس الأوكسيجين".

يمضي فتحي في الطريق المؤدّي إلى مسجد "عثمان بن عفان" ، مع اقتراب وقت صلاة العصر، غير ملتفتٍ وراءه ولا آبهٍ بحديثي إليه عن حقوقه التي يضمنها له القانون التونسي.

وينصّ القانون عدد 114 المؤرّخ في 31 تشرين الثاني/أكتوبر 1994 المتعلّق بحماية المسنّين على أن"الأسرة تتحمل مسؤولية حماية أفرادها المسنين وتلبية احتياجاتهم"، وتعتمد حمايتهم على جملة من المبادئ التي أقرّها القانون ذاته على غرار: "حماية صحتهم وضمان كرامتهم، ومساعدتهم على مجابهة الصعوبات التي تعترضهم في حياتهم اليومية، ومقاومة أشكال التمييز والإقصاء من الوسط العائلي والاجتماعي...".

"يرفضون أيّ بيت"

يقول معز بوخريص، رئيس جمعية "ناس الليل" التي تُعنى بالمشردين، لرصيف22 إنه تعرّض للكثير من الحالات التي تعاني أوضاعًا شبيهة بمعاناة رضا وشامخة وفتحي، مشدّدًا على أن هؤلاء الأشخاص في حاجة إلى إحاطة نفسية أكثر من حاجتهم إلى مساعدات عينيّة وقتية.

"في مثل هذه الحالات، نسعى إلى تحقيق الصلح بينهم وبين أفراد عائلاتهم. نتصل بالعائلة ونسعى قدر المستطاع إلى إعادة المعنيّ إلى كنف أسرته. وفي حال فشلنا في إقامة الصلح، نعمل جاهدين لإخراجه من الشارع بإيوائه في دار لرعاية المسنين أو في مركز للإحاطة الاجتماعية" يقول بوخريص مستدركًا: "لكننا في أغلب الأحيان نجد صدًّا منهم، كأنهم يرون الشارع الملجأ الأنسب لهم".

وتطرّق الناشط بالمجتمع المدني إلى الحديث عن بعض الحالات التي تعامل معها، وظلت قصصها عالقة في ذهنه، على غرار العم "بشير" الذي تخاصم أبناؤه على قسمة أرزاقه، فغضب منهم إذ "كيف يتنازعون على الإرث وأنا لا أزال حيًّا أُرزق؟".وكردّ فعل على ذلك، غادر منزله إلى الشارع. يقول بوخريص:" تدخّلنا بالصلح وحللنا المشكلة. جلّ ما في الأمر أنه كان ينقصهم الكثير من الحوار والتواصل فيما بينهم".

"هناك من يختار اللجوء إلى الشارع كعقاب له، ويرى أنه ليس أهلًا ليعيش بين أفراد أسرته، على غرار العم "علي" الذي كان ميسور الحال لكنه خسر أمواله وأملاكه، فأحسّ بالخجل من زوجته وأبنائه، ورفض أن يتحول من معيل لهم إلى عالةٍ عليهم، فقرر الخروج للعيش في الشارع كعقاب له عساه يكفّر عن ذنبه"، يستطرد بوخريص: و"حاولنا إعادته إلى عائلته بكلّ الطرق، لكنه رفض ذلك".

"هناك من يختار الشارع كعقاب له، ويرى أنه ليس أهلًا ليعيش بين أفراد أسرته، مثل العم "علي" الذي كان ميسور الحال، لكنه خسر أمواله وأملاكه، فأحسّ بالخجل من زوجته وأبنائه، فقرر العيش في الشارع، ليكفّر عن ذنبه"

من المنظور السوسيولوجي، يفسّر الباحث في علم الاجتماع ممدوح عزالدين أن المجتمع التونسي يعيش جملة من التحولات الديمغرافية والتربوية والحَضَرية ساهمت في تغيير الأسرة شكلًا ومضمونًا.

ويوضّح عز الدين في تصريح لرصيف22 أننا "تحولنا من المجتمع التقليدي القائم على العائلة الممتدة التي تحتضن مسنّيها إلى المجتمع المَدِيني الذي تغلب فيه العائلة النواتيّة، إننا في مرحلة انتقال من مجتمع أبويّ تكون فيه السلطة عمودية مقاليدها بيد كبار السنّ، إلى مجتمع فردانيّ تكون فيه السلطة أفقية يمارس فيه كلّ فرد دوره حسب الصلاحيات وفضاء الحرية لديه".

"تقلص دور المسنّ داخل العائلة والمجتمع التونسي".

"ارتفاع نسبة الفردانية في المجتمع، وعدم قدرة المؤسسة الأسرية على تلبية حاجيات أفرادها المادية، فضلًا عن أزمة المكانة في الأسرة التونسية، هذه كلها ساهمت في تقلص دور المسن داخل العائلة والمجتمع فبات يجد نفسه متروكًا لذاته"، يَخلص عزالدين، مضيفًا: "في مجتمعاتنا التقليدية لم نكن نتحدث عن دُور رعاية المسنين، ولم نكن نرى مسنين مشردين في الشارع، لأن ذلك يندرج في إطار مفهوم "العيب" نظرًا لقيمة كبار السن اجتماعيًا، أما الآن، فقد تغير المجتمع وأصبح استهلاكيًا فردانيًا".

ويتابع عز الدين: "للأسف عقليتنا اليوم تراوح بين الأبوية والذكورية من جهة، والانخراط في مجتمع الحداثة الفائقة، التي تطغى فيها مصلحة الفرد على حساب مصلحة الجماعة، وتنهار فيها المؤسسات من جهة أخرى".

ويرى عز الدين، في هذا الإطار، أنه عندما تغلب الفردانية على الروح الجماعية، وتفقد المؤسسات قدرتها التضامنية فلا يتوفّر الحد الأدنى من التضامن بين الأفراد على أساس تقاسم مرضيّ للأدوار، تكون الفئات الهشة داخل الأسرة الضحية الأكبر، كبار السن أو الأطفال، وهو ما يفسّر أن أكبر نسبة من المشردين الذين نراهم في الشارع هم أطفال ومسنّون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard