عندما نكبر ونفقد أوراقنا

الجمعة 30 أبريل 202101:38 م

في مشهد مؤثر جداً من فيلم "الأب"، بطولة الممثل الكبير أنتوني هوبكنز، يقول الأب المصاب بمرض الزهايمر مخاطباً الممرضة المشرفة عليه:

"أشعر أنني أفقد كل أوراقي"

تسأله الممرضة "ماذا تعني؟" فيجيب: "الأغصان والريح والمطر".

تلك العبارة سلبت قلبي، لا لجمال معناها وحده، وليس لأن إنساناً هرماً يفقد ذاكرته بشكل متفاقم. وبالتالي تتسرب حصيلة عمر كامل من الأحزان والمسرات والجنائز والاحتفالات والاخفاقات والنجاحات من بين يديه تباعاً وتمّحى ليغدو صفحة بيضاء خالية من التدوين والعناوين والتواقيع التي تجعلها ذات معنى. ليس لأن إنساناً هرماً يواجه كل هذا استطاع صوغ عبارة بلاغية تعبر عما آل إليه حاله. وليس بسبب الأداء الذي أثار دموعي مراراً وأنا أشاهد الفيلم، إنما لأنني تعرفت على تلك العبارة قبل سنوات سابقة وأنا أراقب أقرباء عاشوا مرحلة الشيخوخة بكل تداعياتها، كما أنني اليوم أشاهد أبي وأمي يكبران في السن ويفقدان أوراقهما شيئاً فشيئاً. وأتأمل كيف تتخفف ذاكرتاهما من مخزونيهما الكبير العتيق، كما لو أن الذاكرة مجرد قارب صغير، بوسعه احتمال أوزان محددة، حين تزيد يهرع للتخلص منها خشية الغرق.

أبي ما زال بإمكانه تذكر أسمائنا جميعاً على كل حال. وحين يزوره أحد أبنائه الستة، يقوم بتفقد البقية. لكنه ينسى إذا كان قد تناول طعام الإفطار أو الغداء أو شرب شاي الصباح أو المساء. عادة ما يسألني السؤال ذاته عدة مرات، فأبتسم عند الإعادة وأجيبه الجواب نفسه عدة مرات. أحياناً أجرب فأعطيه جواباً آخر لعله ينتظر أن يسمع مني كلاماً محدداً، إلا أنه يكرر السؤال. فأدرك أخيراً أن ما يريده ليس جواباً على سؤاله، بل بكل بساطة رغبته الحقيقية؛ أن يشعر بالأنس حين يفتح معي حواراً ليتسلى. ذاكرته لا تسعفه بخلق أسئلة جديدة أو مواضيع مختلفة يمكن بناء حوار أوسع منها. أما أمي فنسيت أمس اسم ابني أثناء دعائها له بالتفوق والسعادة.

أشاهد أبي وأمي يكبران في السن ويفقدان أوراقهما شيئاً فشيئاً. وأتأمل كيف تتخفف ذاكرتاهما من مخزونيهما الكبير العتيق، كما لو أن الذاكرة مجرد قارب صغير

في الدول المتقدمة يوجد دور رعاية كثيرة للكبار في السن، ومشافٍ متميزة من حيث البناء والتجهيزات والطاقم المختص والإطلالة الخلابة، والبيئة الملائمة، الأمر الذي يساعد الأسر التي تعجز عن التعامل مع أمراض الشيخوخة، لا سيما عندما يصبح الكبار في وضع لا يجيد أبناؤهم التعامل معه، سواء كان سياق التعامل نفسياً أم صحياً. ولقد شاهدت طرق الرعاية هذه عدة مرات، في برامج وثائقية وفي أفلام تتناول قصصاً حقيقية عن الكبار وعن مرض الزهايمر باعتباره أحد الأمراض الشائعة التي يترتب على الكثير من العائلات التعاطي معها بكل تفاصيلها.

في بلادنا، لم تكن دور الرعاية بمثل هذه المثالية قبل الحرب. وبكل تأكيد يستحيل أن تصير مثالية خلال الحرب. ولعل وضع المسنين كان وما زال آخر الهموم التي تشغل طرفي الصراع السوري. فبين مطرقة العقوبات التي كانت هاجس الأطراف المحسوبة على الثورة وسندان فساد مؤسسات النظام، سُحقتْ كثير من القضايا الأساسية التي عجزتْ عن تصدر الواجهة التي تحتلها قضايا أكثر إلحاحاً عند السياسيين ألا وهي مناقشة مشاكل النازحين والمهجرين والمعتقلين. فالفاقة والجوع والمهانات المعيشية اليومية التي يعيشها السوريون، رغم هولها، تأتي في المرتبة الثانية عند جميع الجالسين على طاولات المفاوضات داخل وخارج البلاد، سوريين كانوا أو لاعبين دوليين. لن يفكر أحد مثلاً بتردي الغذاء الذي يتناوله السوري الذي احتمل ما لا يطاق خلال السنوات السابقة، ولا بظروف التحصيل العلمي أو التنقلات أو الخدمات، وسنكون غاية في التفاؤل إذا افترضنا، ولو جدلاً، أن أحداً من المتنافسين على حصته في الكعكة سيرهق نفسه بأمور العجزة والشيوخ وما تتطلبه ظروفهم من إجراءات خاصة واستطبابات نوعية.

لا يشعر المرء بأنه تقدم بالسن إلى هذه الدرجة، فقط ينتبه إلى أنه، بين ليلة وضحاها، قد أصبح يمامة مربوطة الجناحين، هديلها مبحوح وسماؤها بعيدة

قبل الحرب وحتى اليوم، ما زلتُ لا أحبذ الاستعانة بالمشافي أو دور الرعاية، ليس انتقاصاً من دورها وأهميتها، بل لدوافع مرتبطة بالخجل من فكرة التعامل مع المريض بالزهايمر على أنه أصبح غريباً أو منبوذاً، أو أنه مقطوع من شجرة. إذ ليس هنالك أقسى من أن يصبح البيت الذي ظل طوال العمر مفتوحاً لكل الناس عاجزاً عن تحمل أصحابه عندما تتراجع صحتهم.
ورغم أن التعامل مع مرضى الشيخوخة يحتاج إلى تفرغ كامل وأهلية كاملة واعتبارات من شأنها أن ترهق أسرة بأكملها، إلا أنني أميل إلى مبدأ العناية بهم بين الجدران والأسقف الأليفة لهم. وقد أكون مخطئة بقناعتي هذه، إذ لا يمكن الحكم بدقة على ظاهرة لم تحظ بحقها الكامل من الأبحاث الطبية المحلية ونشرات التوجيه والتوعية أو حلقات الإرشاد النفسي المختصة. لا يشعر المرء بأنه تقدم بالسن إلى هذه الدرجة، فقط ينتبه إلى أنه، بين ليلة وضحاها، قد أصبح يمامة مربوطة الجناحين، هديلها مبحوح وسماؤها بعيدة.

"من أنا؟ " يسأل الأب الممرضة في الفيلم، عن اسمه الذي لم يعد يتذكره. وهذا النسيان يشبه ما آل إليه الملك لير العجوز في المسرحية الشهيرة لشكسبير حين خاطب ابنته كورديليا قائلاً: "لا أدري شيئاً مما يحيط بي، ولا أعرف أي ثوب هذا الذي أرتديه ولا من ألبسني إياه. إنني لا أعرف كيف قضيت يوم أمس ولا أدري أنائم أم يقظ، هل حي أنا أم ميت".
إحدى الصديقات المتخصصات بتقديم العلاج الفيزيائي للمسنين سألتني أن أكتب عنهم قبل مدة، لأنهم كالأطفال، كما ترى، يحتاجون الرعاية وجميعنا نتصرف بقسوة معهم دون أن نعي، وهذا من شأنه أن يضاعف من معاناة المسن مثلما، دون شك، يضاعف معاناة من يتولى رعايتهم: "أريد أمي، أريد أن تأتي أمي وتأخذني إلى البيت"، يقول أنتوني هوبكنز في فيلم "الأب"، كطفل خائف لا يعرف شيئاً ولا يعرف أحداً، ولا سبيل لشعوره بالأمان مجدداً سوى بعودة أمه لتنقذه من غربة الشيخوخة.

لا يتماشى السرد المتفائل الذي يقدمه الكتاب المدافعين عن الشيخوخة مع القصة الحزينة التي يرويها الجسم البشري

والعجوز إيغوشي في رواية "الجميلات النائمات" للياباني ياسوناري كاواباتا، يتذكر أمه أثناء تأمله لفتاة في مقتبل العمر: "من هي المرأة الأولى في حياتي؟" ثم يجيب نفسه بسرعة "إنها أمي!" فجأة، يتحول الرجل الذي ردته الشيخوخة طفلاً إلى البحث عن أمه، في كل امرأة يراها ومع كل امرأة يتحدث إليها.
وفق مقال منشور في "النيو يوركر" للكاتب الأمريكي آرثر كريستال تحت عنوان "لماذا لا نستطيع قول الحقيقة حول التقدم في العمر" فإن الشاعر الأمريكي والت وايتمان وجه رسالة متفائلة للشباب بعد أن تجاوز السبعين يخبرهم فيها عن مزايا الشيخوخة التي تضاهي مزايا الشباب. كذا فعل بعض الأكاديميين الذين يحاولون بث طاقة إيجابية للجميع حول الأمر، لكن ووفقاً للمقال، فإن "لعلم الأحياء رأي آخر مرتبط بالساعة الفوق جينية. فالحمض النووي للإنسان يصاب بتغييرات مع التقدم في السن والجهاز المناعي يصبح أقل كفاءة مع الزمن، وتوهن العظام ويضعف البصر وتخور القلوب وتتراكم البروتينات السامة في المخ لتتكون الرواسب والكتل المتشابكة متسببة بالزهايمر. باختصار لا يتماشى السرد المتفائل الذي يقدمه الكتاب المدافعين عن الشيخوخة مع القصة الحزينة التي يرويها الجسم البشري".
يقول إيغوشي العجوز لمديرة نزل "الجميلات النائمات":
-حسناً، أنا أرغب جدياً بالتحدث إلى شبح ما
- عماذا، أرجوك؟
- عن شيخوخة الإنسان المحزنة مثلاً...
في إحدى مهمات عملي الوظيفية، قبل أكثر من عشرين سنة كان علينا إجراء دراسة تخطيطية لمجموعة طرق ريفية على طريق حلب قرب النهر الكبير الشمالي. هناك توقفتْ بنا سيارة العمل، مدة ساعة، قرب قرية لم أعد أذكر اسمها القديم ولا اسمها الجديد الذي تم تعريبه حسب الخطة الإدارية. خلال ساعة كاملة لم تمر على الطريق أية وسيلة نقل، وذلك كان غريباً جداً بالنسبة لزمن ما قبل الأزمات والوفرة في كل شيء. تلك القرية لا يعيش فيها تقريباً سوى كبار السن حسب دليلنا إلى المنطقة، لأن المواصلات كانت شبه معدومة في الشتاء وتتوفر فقط صيفاً بسبب ضعف الطلب عليها؛ تأتي الحافلة صباحاً وترحل مساء، حيث يأتي الأبناء صيفاً لزيارة أهاليهم. الآن، وبعد كل هذا الوقت أستطيع أن أعرف الشيخوخة بأنها تلك القرية النائية التي يعيش فيها كبار السن وحدهم لأن المواصلات التي تؤمن لقاءاتهم مع الآخرين شِبه نادرة أو مقطوعة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard