عن مشاعرِ الأمومة والفقد تجاه القطط: تاريخ وراثي وحكايات أخرى

الثلاثاء 11 يناير 202201:17 م

إنه الشتاء!

يشارك كثيرون صورهم مع مشروبهم الساخن المفضل، بينما يلتحفون أغطيتهم، منحشرين على الأرائك والأسرّة. ربما هذا ما صار مألوفاً ومتعارفاً مع كل شتاء. أما الآن، فلم يعد الأمر مقتصراً على هذه الطقوس، صارت للكثيرين عادة تصوير حيواناتهم الأليفة، وغالباً ما تكون قطاً، أو جرواً صغيراً، يشاركانهم لياليهم الباردة الدافئة، ويلتحفان معهم الغطاء نفسه، أو يشاركانهم الغرفة في ليالي الشتاء الطويلةِ.

غالباً ما أصادف منشوراتٍ لأصدقاءٍ يروون مشاركتهم الحياة مع هذا الكائن الذي دخل حياتهم؛ تفاصيل يومية ساخرة، أو محزنة، ومليئة بالعواطف والمشاعر التي يختبرونها للمرة الأولى، في حضرة هذه الكائنات التي تسمح لبعض المشاعر بالظهور للمرة الأولى، كما تقول صديقتي.

تبدأ الحكاية قبل استقدام هذا الكائن، وبعده، ليتحول إلى معلم زماني، ونقطة للبدء والتغيير، ثم تتحول مع الأيام إلى عادات، ووصف للحياة بصحبته، أو حين يغيب. تمنح هذه الحيوانات لأصحابها تجربةً فريدة، تدخلهم عوالم جديدة، خاصةً لو كانت تربيتها بغرض القضاء على الوحدة مثلاً، أو محاولةً لتجاوز مرحلةٍ صعبة. لكن، ماذا لو حدث ما يجعلهم يفقدونها؟

"أحب قطّي أكثر من أولادي"

تكتب ابتسام شوقي، منشوراً قصيراً حول اختفاء قطّها، وكيف قضت ليلةً كاملةً في البحث عنه، وحالتها الغارقة في القلق والذعر من فقدانه، لتجد سيلاً من التعليقات الداعمة والمؤنسة، فليست ابتسام وحدها من اختبرت هذه المشاعر المخيفة حتى الذعر، إذ يبدو أن كثيرين أيضاً يعانون من خروج قططهم من المنزل إثر نسيانهم الباب مفتوحاً، أو قفزها من الشرفات والنوافذ.

يتحول الحيوان الأليف إلى معلم زماني، ونقطة للبدء والتغيير، ثم تتحول مع الأيام إلى عادات، ووصف للحياة بصحبته، أو حين يغيب.

يبدو أن للكثيرين أيضاً قصصهم الخاصة مع فقدهم حيواناً شاركهم الغرفة، وأوقاتهم الخاصة بتفاصيلها الدقيقة. إذ تقول إحدى الصديقات المصريات، وهي مروة محمد (30 عاماً)، إن قطها يختبئ فوق الثلاجة، وخلف خزانة الملابس، أو الكتب، فتبحث عنه طويلاً، مع سيلٍ من الأفكار التي يبدأ خيالها في حياكتها، ثم يطلّ عليها من فوق، بنظرةٍ كفيلةٍ بإعادةِ الطمأنينة والابتسامة إليها.

تحكي ابتسام، وهي ربة بيت، وأم لثلاثة أولاد، أنها اختبرت مشاعر فقد قطها، الذي قفز من الشرفة ولم يعد، وكيف كان ذلك أمراً مريعاً لا يختلف عن فقدها شخصاً من عائلتها. ولا تبالغ حين تقول إنها طقوس الحزن ذاتها، حتى أنها بالحزن نفسه ذهبت برفقة ابنتها لتدفن قطةً حديثة الولادة في بيتها، تماماً كما يضع الواحد منا التراب على عزيز، ثم يغادر المدافن.

من دون أي تضخيم، تردّ ابتسام بجملة مقتضبة واحدة: "أحب قطّي أكثر من أولادي"، وعلى الرغم من أن ابتسام لم تختَر تبنّي القطط، بل جاء ذلك استجابةً لرغبة ابنتها، وبقرار من زوجها، إلا أن مشاعرها نحوه سرعان ما تحولت إلى محبة خالصة، إذ تقدّم هذه الكائنات الصغيرة الكثير من الونس والحب، وبالمثل تبادلها ذلك.

تهريب قطة من القاهرة إلى الجزائر

ليس بعيداً عن تجربة ابتسام، تجد إلهام، وهي سيدة جزائرية ثلاثينية، وزوجة وأم، نفسها في موقفٍ يفرض عليها التخلي عن قطتها التي تربطها بها أكثر من علاقة قطة ومربية، فهي قطة قدمها إليها زوجها هديةً، في عيد الحب.

في مطار القاهرة، بينما تغادر إلهام نحو الجزائر، يرفض رجال الأمن تمرير القطة، طالبين أوراقاً لا تملكها. تقول إلهام لرصيف22: "لم أفكّر كثيراً، إلا أنني خرجت لأفرغ حقيبةً صغيرةً من الأحذية لأضع فيها القطة، وحملتها على شكل حقيبة يدوية، ومررت. هكذا منعت حادثةً أليمةً أفقد فيها قطتي من التكرار، إذ تعرضت لحادث فقد وأنا صغيرة، ومنعتني والدتي من تربية قطط مراتٍ عديدة".

تواصل إلهامِ سرد حكاياتها مع الحيوانات قائلةً: "تحب والدتي اليوم القطط أكثر مني. أربي ابني مع قطتين وسلحفاتين، أجد في ذلك علاقةً صحيةً وسليمةً وخلقاً للتناغم، وهدوءاً يعود عليّ أيضاً".

تحب ابتسام قطّتها أكثر من أولادها، وعلى الرغم من أنها لم تختَر تبنّي القطط، بل جاء ذلك استجابةً لرغبة ابنتها، وبقرار من زوجها، إلا أن مشاعرها نحوه سرعان ما تحولت إلى محبة خالصة، إذ تقدّم هذه الكائنات الصغيرة الكثير من الونس والحب

تاريخ وراثي في حب القطط

تقدّم رجاء، وهي طالبة جامعية جزائرية، خبرتها الطويلة في تقاسم الحياة مع القطط، من خلال تقديم نصائح دائمة لكل الصديقات اللواتي يعانين من الوحدة، أو الضغوط: "اجلبوا قططاً إلى بيوتكن". هكذا صارت لزميلتي في غرفة الإقامة الجامعية قطة، واثنتان، وثلاثة. لقد انضمّت إلى رابطة محبّي القطط.

بكثيرٍ من الصدق، والعطف والرحمة، تسرد رجاء تاريخ عائلتها مع القطط، إذ تصف ذلك بأن الأمر ربما وراثي، "فكلا الطرفين من عائلتي الكبيرة مغرومان بتربية القطط، لم يحتَج الأمر مني إلى اكتشاف، أو مقاومة من أهلي، لقد كان منساباً كماء نهر، يكفي أنني مددت قدميّ فيه لأغرق كلياً، فقطي عاش مع العائلة 14 عاماً، وكان شاهداً على ذكرياتي كلها. كل صورة في ذاكرتي يشكل هو جزءاً منها".

تُسهب في الحكايات عنه بكل عفوية، فيظهر بدور المدافع الشرس، والمقاتل، في كل مشهد مزاحٍ لضربٍ، أو تكتيفٍ بينها وبين أخويها. يتكرر المشهد، وتتكرر ردود فعله نفسها، هكذا كمحب صامتٍ، ولكنه بالضرورة يفهم ويستجيب في الوقت المناسب. يفهمها وتفهمه بالنظرات والإشارة.

عندما قفز القط من الشرفة ولم يعد، كان أمراً مريعاً لا يختلف عن فقدها شخصاً من عائلتها.

تضيف رجاء أن كل ما يفتقد إليه هو الكلام، لكنه يعرف اسمه؛ يكفي أن ينادوا عليه ليأتي. يدرك تماماً كيف يطلب أمراً، ويشير إليه بقدمه، ثم يضع قدمه باتجاهه. وتؤكد أنه لا مجال للتفكير في الاستغناء عنه: "أنا فعلاً أمٌ معه، وبه، لا أحتمل وجودي داخل البيت في غيابه لساعات، وحتى إن مرض، أشعر تماماً بألمه، وأمرض لمرضه. حدث أن مرضنا معاً، لكنني بكيت لألمه، وليس لألمي. سهرت لمداواته، والاطمئنان عليه؛ أليست هذه أمومة؟".

هذه "الأمومة الخاصة" التي خرجت بعفوية من رجاء، تتقاسمها معها مروة محمد التي تردد ضاحكةً: "لا أحد يصدّقني حين أقول إن قطّيّ ولداي، ولا أتصور حياتي بعيداً عنهما".

تستعد مروة للزواج، وتستعد لأخذهما معها إلى بيت الزوجية. تُرجع هذه العلاقة الخاصة التي تربطها بهما، إلى الشعور بالقيمة، فبعد فترة اكتئاب عصيبة مرت بها، نصحتها المعالجة برعاية حيوان، وهو الشعور الذي عزز لديها قيمتها، وأن هناك كائناً ما يعتمد عليها لمواصلة الحياة.

تستفيض مروة في سرد تجربتها، فبعد وقتٍ من تسريب قطتها من والدتها، بتواطؤٍ مع إخوتها، بسبب فوبيا تعاني منها شقيقتها، ماءت قطة الجيران المتعلقة بها، بعد أن دهستها سيارة، وتركت مشاعر مؤلمةً وحزينةً للغاية في داخلها. كان صعباً تجاوز صدمات متتالية، والخوض في تجربة جديدة، لكنها اليوم ليست نادمةً أبداً على تبنّي القطّين، ومحاولتها الدائمة، على الرغم من القلق والوساوس حول فقدهما، لأن تواصل رعايتهما.

عشرة كلاب وأحد عشر قطّاً

يتحول حب الحيوانات عند الياس، وهو شاب ثلاثيني يقطن في الجزائر العاصمة، إلى عالم وحياة متكاملين. القصة التي بدأت برعاية حمامة أنقذها من بين أيدي الأطفال، وأربعة قطط صغيرة مريضة اصطحبها معه من الشارع إلى البيت، صارت عشر كلابٍ، وأحد عشر قطاً يرعاها جميعاً، وهو مسؤول عن طعامها، ومبيتها، وأدويتها، وزيارتها الدورية للبيطري.

الياس مع أحد كلابه

لا يسهب الياس في سرد حياته مع حيواناته، ربما لسبب آخر يبدو جلياً حالما تفتح صفحته على إنستغرام. تشكّل كلابه أفراداً لا تختلف عن أفراد الأسرة، بعدما استقلّ ببيته؛ يطبخ لهم، ويشاركونه المطبخ، والغرفة، وكل تفصيل من تفاصيل حياته. يحتفي الياس بالحيوانات في كل لحظة من لحظات يومه، ويعود إليهم آخر النهار.

نقلاً عن الياس، الناس يميلون إلى تربية القطط الجميلة ذات العيون الزرقاء، والفرو الأبيضِ، ولا يجدون ميولاً لرعاية قطط الشوارع الضالة، لذلك يعمل هو على تربية السلالات المطلوبة، وبيعها، لتوفير مستحقات علاج القطط الضالة ورعايتها.

أنا فعلاً أمٌ معه، وبه، لا أحتمل وجودي داخل البيت في غيابه لساعات، وحتى إن مرض، أشعر تماماً بألمه، وأمرض لمرضه. حدث أن مرضنا معاً، لكنني بكيت لألمه، وليس لألمي. سهرت لمداواته، والاطمئنان عليه؛ أليست هذه أمومة؟

لرجاء وعائلتها أيضاً مسارات في رعاية قطط الشوارع، إذ تردد: "حتى قطط الشوارع التي يعافها الآخرون، أراها جميلةً، وأتمنى تبنّيها جميعها". وتواصل: "حقاً، تربية القطط بالنسبة إلي أمومة، فلا أفرّق بين القطط من حيث شكلها، أو أختارها حسب سلالتها. لا يهم إن كانت سياموا جميلة، أو لا. استقدمت وعائلتي في الصيف قططاً توفت أمها، ووجدناها في مكب نفايات الحي، وما إن تحسّنت حتى عرضناها للتبنّي، لضيق وقت الرعاية. على الرغم من ذلك، بقيت على تواصل مع المتبنّي، وحين مرضت طلبت منه أن يحضرها".

لا تتخيل رجاء حياتها، ولا منزلها من دون قطط: "أقضي أغلب الوقت في غرفتي اختيارياً. القطة مؤنستي، خاصةً أنه ليست لدي أخت. كل إخوتي ذكور، فهي بالنسبة إلي أخت وابنة أيضاً، ولا أتخيل أن أغادر المنزل من دونها، لو تزوجت مثلاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard