الرفق بالحيوان ليس غريباً على ثقافتنا… لكن كيف بات كلب كنعان طريداً في أرضه؟

الثلاثاء 15 ديسمبر 202002:46 م

يستطيع المتابع لقضايا الحيوانات في الأردن أن يلمس تزايد الحراك للناشطين في هذا المجال، لكن رغم ذلك تستمر الصفحات التي تتبنى هذه القضية ببث قصص ومشاهد تصيب المتابع بالذعر بسبب العنف الذي يمارس على الحيوانات. 

ومن ضمن القضايا الأساسية التي يسعى الناشطون لتسليط الضوء عليها، حملات العنف ضد ما يعرف بـ"الكلاب البلدي"، التي هي من فصيلة كلاب كنعان. 

وقد استخدمت هذه السلالة عبر التاريخ في الرعي وهي منتشرة في آسيا والشرق الأوسط ومصر. وتُعدّ من الكلاب الذكية التي اعتادت التعايش مع البشر. ومن المؤسف أن كلب كنعان يتعرض لحملات تكاد تتسبب بانقراضه.

 في المقابل تعتبر إسرائيل أن كلب كنعان هو الكلب الوطني لديها. فبحسب كتاب "Canaan Dog: A Complete Handbook" يعد كلب كنعان من أقدم سلالات الكلاب، وينسبه الكاتب إلى "إسرائيل"، التي هي في حقيقة الأمر أرض فلسطين "بلاد كنعان".

 ويبين المصدر أنه قد تم ذكر هذا الكلب في الإنجيل على أنه كلب بني إسرائيل، الذي اضطروا لتركه خلفهم بعد تغريبتهم وخروجهم من أرضهم. كما يشير إلى تعايش البدو مع كلابهم، وإلى أن كلب كنعان، على عكس الكلاب المهجنة من قبل الإنسان، هو كلب خلق في الطبيعة وله القدرة على التكيف معها. إذاً تتجلى أهمية الحفاظ على هذه السلالة التي تشكل جزءاً من ثقافة منطقتنا التي تسعى إسرائيل لنسبها إليها كجزء من الصراع التاريخي على هذه الأرض. 

تتجلى أهمية الحفاظ على هذه السلالة من الكلاب التي تشكل جزءاً من ثقافة منطقتنا التي تسعى إسرائيل لنسبها إليها كجزء من الصراع التاريخي على هذه الأرض

"حيوانات نجسة"

في شهادات متنوعة تعكس التحديات المجتمعية التي تواجه الأشخاص الذين يقومون بتربية الكلب الكنعاني، تبين كريستينا كاغدو أنها استطاعت تبني كلبها عن طريق جمعية الرحمة للرفق بالحيوان في الأردن. وقد جاء اهتمامها بهذا الفصيل من الكلاب لكونه يتعرض لعنف كبير، لأن جزءاً كبيراً من المجتمع ينظر للكلاب على أنها حيوانات نجسة، أو لتفضيله كلاب الحراسة أو كلاباً من سلالة راقية.

 تقول كريستينا لرصيف22: "اعتقد أن التربية الاجتماعية هي من أسباب الجهل الذي يعزز الخوف لدى الأفراد من الحيوانات. فغالباً يملك الأطفال فضولاً ورغبة فطرية للعب مع الحيوانات يقابلها ترهيب من الأهل يخلق لدى الأطفال خوفاً ورعباً منها. طبعاً العنف المجتمعي تقع ضحيته الفئات المستضعفة ومنها الحيوانات".

وتتابع: "فيما يتعلق بكلبتنا 'ليلى'، كانت ظروفها صعبة بالبداية، فقد انتقلت من الجمعية إلى منزل أسرة أعادتها بدورها إلى الجمعية، إلى أن قمنا بتبنيها مما جعل لديها حالة من القلق. لكن بعد فترة وبمساعدة الجمعية التي أمنت لنا مدرباً مختصاً ليساعدها على التأقلم، تحسنت حالتها وباتت تشعر بالأمان، لكن الجيران وقتها بدأوا بالضغط علينا للتخلص منها لعدم رغبتهم بوجودها في المبنى، ولمست عدم قدرتهم على تفهم علاقتنا معها وكأنها شيء يمكن التخلص منه بسهولة وليست كائناً حياً بنينا معه علاقة قوية".

مزرعة جمعية الرحمة

من المؤسف أن بعض الأشخاص لا يكتفون بالإساءة للحيوانات بل يتعرضون بالأذى لمن يرعى الحيوانات ويحاول حمايتها. تروي دينيز نادرين قصتها مع كلبها "فرج"، من فصيل كنعان، الذي عانت في تربيته مع الجيران الذين اشتكوا للبلدية لعدم رغبتهم بوجوده لديها. وقد اضطرت لتغيير سكنها دون أن تنتهي هذه المشكلة مع جيرانها الجدد. تقول عن تجربتها الفردية في مجال إغاثة الحيوان: "توقفت عن التواصل مع بعض صفحات مساعدة الحيوان لما لمسته من رغبة بعضهم بالشهرة والظهور دون تحقيق الهدف الرئيسي للصفحة ألا وهو مساعدة الحيوانات. وفي إحدى الحالات قمت بإنقاذ كلبة تعرضت لطلقات خرطوش وقام المعتدي بدهس ساقها فاضطررنا لقطعها. فيما بعد، استطعت أن أجد لها شخصاً من أمريكا قام بتبنيها، وقد وجدوا بقايا "الخرطوش" في جسدها، وعملوا على مساعدتها لتصبح بكامل صحتها. والآن تعيش 'إيفا' حياة سعيدة بعد أن نجت من التعذيب والاضطهاد".

يستطيع المتابع لقضايا الحيوانات في الأردن أن يلمس تزايد الحراك للناشطين في هذا المجال، لكن رغم ذلك تستمر الصفحات التي تتبنى هذه القضية ببث قصص ومشاهد تصيب المتابع بالذعر بسبب العنف الذي يمارس على الحيوانات... تجدون هُنا بعض القصص

تشارك نور علاونة رصيف22 قصتها مع الحادث المؤسف الذي أودى بحياة كلابها: "لدي ثلاثة كلاب، وفي منطقتنا مساحة تشبه البرية يلعب فيها كلابي بين حين وآخر، منطقتنا آمنة حيث لا يوجد الكثير من السكان، فلا خطر كبيراً على الكلاب. خرج اثنان منها وبقيت ألعب مع الثالث. فجأة بدأ أخي بالصراخ علي، وصرت أركض لأجد كلابي عند الباب في حالة سيئة والزبد يخرج من أشداقها وفي عيونها نظرة فزع ومحاولة للاستنجاد. طبعاً، طلبنا النجدة من الطبيب البيطري لكن للأسف، توفي الكلبان قبل وصوله. وقد علمت أن ما حصل مع الكلاب هو أعراض تسمم. لم أستطع أن أعرف الجهة التي تسببت بالحادث ولكن لدي شكاً بأنها جزء من حملة تسميم الكلاب في منطقة إربد". 

الكلبة "إيفا" بعد التبني والسفر إلى أمريكا

ومن البرامج التي تساهم بنشر الوعي تجاه قضايا الحيوانات "Protect Animals Jo" الذي يعرض على منصات التواصل، وهو عبارة عن حلقات وثائقية، كل حلقة تتناول قصة حيوان مصاب أو بحاجة لمساعدة. في حلقة (قصة انكل) قصة تعرض انكل للتعدي عليه بطلق ناري. تسلا غيث يشارك تجربته في هذا المجال: "بالنسبة لتجربتي، أنا أقوم إعلامياً كمنتج تلفزيوني بتسليط الضوء على موضوع الرفق بالحيوان، وخاصة موضوع القطط والكلاب. هدف البرنامج إظهار معاناة الحيوانات في حالات الاعتداء عليها بالرصاص والتعذيب. كما أنه يُظهر الصعوبات والتحديات لإنقاذ الحيوانات".

"إن الكلاب من السلالات الأخرى دخيلة على ثقافتنا وتم الترويج لها على حساب الكلب البلدي الذي يعاني بسبب التنميط السلبي له"

 يقول غيث: " فيما يتعلق بكيفية استجابة بلدية عمان في حالات التبليغ عن كلاب مشردة. عند التبليغ تقوم البلدية بتطبيق نظام التعقيم، فتتم إزالة أعضاء التناسل الذكرية للكلب أو إزالة الرحم للأنثى. بهذه الطريقة يجري تقليل التكاثر وبالتالي أعداد الكلاب التي تسبب ازعاجاً وخطراً". 

ويبيّن أن هذه المتابعة ليست دورية وتقوم بها البلديات فقط عند تقديم الشكاوى. ويتابع: "طبعاً يجب التقدم بطلب على موقع الأمانة "ضبط ناقلات الأمراض"، بعدها يقوم المسؤول بالاتصال بك مرة وحدة وأحياناً في ساعات الصباح الباكرة جداً، وفي حال عدم استقبال الاتصال، تلغى الشكوى. ويشير إلى أن القوانين لا تساهم في ردع المعتدين على الحيوانات، فالعقوبة في حال القتل هي الحبس حتى ثلاثة أشهر أو غرامة 50 دينارا،. أما في حالة الأذى فالعقوبة هي الحبس لمدة شهر أو دفع غرامة عشرين ديناراً".

 ويؤكد تسلا غيث أن حماية الحيوانات جزء من مسؤولية الدولة الواجب عليها حماية البيئة وحماية الكائنات الحية ضمن نطاقها. 

مزرعة جمعية الرحمة

الكلب البلدي يعاني من التنميط

وفي لقاء لرصيف22 مع جمعية الرحمة للرفق بالحيوان في الأردن، والتي تأسست في سنة 2017 من قبل مجموعة من المتطوعين، هم جمانة تاجقة وآلاء جرار ورأفت جبارة ولبنى يوسف. 

 قالت جمانة: "أنشأنا مزرعة لرعاية الحيوانات، تقع على طريق مادبا، ونقوم بإدارتها وبتولي نفقاتها بشكل تطوعي مع استمرار أدائنا لوظائفنا الأخرى خارج مجال الإغاثة. تضم المزرعة حالياً 60 كلبا، منها ستة في سكن للرعاية لعدم توافر مكان لها في المزرعة. وللأسف خلال فترة الجائحة تخلى الكثيرون عن حيواناتهم الأليفة".

وأضافت: "الكلب الكنعاني ذكي ووفي، ولكونه لم يتعرض للتعديل بمورثاته من قبل البشر حافظ على خصائصه التي تجعله قوياً ويصعب سقوطه فريسة الأمراض المختلفة". وأوضحت مساهمة المدرب عمار الشامي الإيجابية وتطوعه لتدريب الكلاب التي يتم تبنيها.

وشرحت آلاء: "نتمنى أن يتم الحد من بيع الحيوانات والتشجيع على التبني بدلاً من ذلك. ونرجو أن يزداد تعاون الأفراد في مجال الإغاثة. إضافة إلى حاجتنا إلى الحصول على المزيد من الدعم من الأمانة ووزارة البيئة الأردنية وخاصة في مجال التعقيم والتخفيف من أعداد الكلاب التي تتعرض للأذى".

وتابعت: "بالتأكيد نحن نشجع على التبني بسبب قصص النجاح التي رأيناها والتي تؤكد على ألفة الكلب الكنعاني وسهولة تدريبه ".

وكانت قد بينت آلاء الأثر السلبي لتوسع المدن وزيادة العمران على حساب البيئة حيث يعتدي البشر على الموطن الطبيعي للكلاب ثم يقومون بقتلها. 

عن هذا تقول لبنى: "رغم ذلك فقد تم تحقيق تقدم بمجال حماية الحيوان برعاية الأميرة عالية بنت الحسين، وقد بات من الممنوع قتل أو تسميم الحيوانات من قبل البلديات، خاصة في عمان. لكن البلديات الأخرى تستمر بهذه الحملات بسبب ضغط الناس عليها".

وأضافت: "إن الكلاب من السلالات الأخرى دخيلة على ثقافتنا وتم الترويج لها على حساب الكلب البلدي الذي يعاني بسبب التنميط السلبي له".

"وجدت الكلاب في حالة سيئة والزبد يخرج من أشداقها وفي عيونها نظرة فزع ومحاولة للاستنجاد. طلبنا النجدة من الطبيب البيطري لكن للأسف، توفي الكلبان قبل وصوله. وقد علمت أن ما حصل معهما هو أعراض تسمم"

ويرى رأفت أنه من المهم العمل لحماية ثقافتنا وتراثنا، ويختم: "إن كلب كنعان هو جزء من تاريخنا وإرثنا وحمايته تعزز نضالنا ضد محتل يفرض سيطرته حتى على بيئتنا والحيوانات التي تعيش ضمنها".

الآن، على ضوء الصراع للنجاة من مستقبل ينذر العلماء من قتامته بسبب المشاكل البيئية التي تهددنا، تأتي أهمية تعزيز الوعي للحفاظ على البيئة وكائناتها. وكذلك من المهم العمل لدراسة التوسع العمراني الذي بات يأتي على حساب المساحات الخضراء والكائنات الحية. ليس الرفق بالحيوان غريباً على حضارتنا وثقافتنا، فعبر التاريخ تعايش أجدادنا مع أرضهم وحيواناتها وتبادلوا معها علاقة من الرعاية والعناية. فاحترام حق الحياة لا يتجزأ، وإدراكنا لهذا يسهم في حماية مستقبلنا البيئي. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard