"أشتري طعامهم من مصروفي"... قصص احتواء الحيوانات الضالة في غزة

الثلاثاء 14 يناير 202003:22 م

أماكن إيواء، وعيادات خاصة للحيوانات الضالة، افتتحها عدد من الهواة في منازلهم، وزوايا أخرى في بيوتهم، وأراضيهم خُصصت كوسيلة بديلة عن توافر حديقة للحيوانات في قطاع غزة، نتيجة نفوق العديد منها جراء الحصار الخانق على غزة، والحروب المتتالية على القطاع.

وكانت الفتاة العشرينية مريم بر، من منطقة حي الزيتون جنوب مدينة غزة، أول الأشخاص الذين اتجهوا لإنقاذ الحيوانات الضالة في شوارع مدينتها، خاصة القطط التي تعرضت لإصابات حوادث السير أو شظايا الأسلحة الإسرائيلية، أو تعرضت للحرق والاختناق من الغازات السامة، بفعل الحرب الإسرائيلية على غزة.

إيواء 100 قطة

وفرت مريم غرفتها وسطح منزلها كزاوية مخصصة لهذا الغرض، حتى وصل عدد القطط الأليفة والبرية التي تأويها في منزلها الصغير، الذي لا يتجاوز مساحته الـ130 متر مربع، إلى أكثر من 100 قطة، ما دعاها للبحث عن متبنٍ آخر يعاونها بتوفير مساحة بمنزله لهذا الغرض.

وكانت شقيقتها إلهام التي تسكن في بيت آخر مع زوجها، أولى المستجيبات لهذا المشروع، إذ بدأت باحتواء 20 قطة، وزاد العدد خلال عام لـ30 قطة من خلال تكاثرها، ثم انضمت شقيقتها رئيسة، والتي تسكن في بيت آخر مع زوجها أيضاً، لتخفف الضغط عن شقيقتها مريم، باحتواء نفس ما احتوت شقيقتها إلهام، وبهذا اكتمل أول فريق نسائي بغزة منذ ما يقرب من ست سنوات، لرعاية الحيوانات الضالة والمكون من الشقيقات الثلاثة (مريم وإلهام ورئيسة).

 بعد كل جولة تصعيد إسرائيلية على قطاع غزة المحاصر، تستنفر مريم وشقيقاتها كافة قواهن، وأدواتهن الطبية ليخرجن إلى الشوارع بحثاً عن القطط المُتضرِّرة
"بعد عدة مبادرات لمواطنين، شرعت بلدية غزة في إعادة برمجة خططها بدلا من الحد من وجود الحيوانات الضالة، إلى توفير أراضي مُخصَّصة لاحتواءها كأول محمية طبيعية لها"

تتذكر مريم بر، في تصريحات لرصيف22، بداية توجهها لهذا المجال، من خلال رحلاتها في مراحلها الدراسية الأولى، عندما كانت تذهب للمنتزهات والساحات المفتوحة، تشتري علبة لبن أو قطعة لحم صغيرة من مصروفها اليومي لتطعم قطط الشوارع، حتى أصبحت هذه الحيوانات تعرفها عندما تصل منطقتهم، فتخرج من جحورها نحوها، فبعد أن كُسر حاجز الخوف لدى هذه القطط التي دائماً تهرب من أي إنسان، بدأت مريم بتبنيها في منزلها.

وبعد كل جولة تصعيد إسرائيلية على قطاع غزة المحاصر، تستنفر مريم وشقيقاتها كافة قواهن وأدواتهن الطبية ليخرجن إلى الشوارع بحثاً عن القطط المتضررة، برفقة عدد آخر من النسوة انضممن لفريقهن فيما بعد، كل منهن يعمل في منطقته، فضلاً عن ذلك، تهرع كل فتاة منهن إلى الطرق المختلفة لإنقاذ القطط التي تعرضت لحوادث سير، أو التي وُلدت وتحتاج لرضاعة خاصة بعد وفاة والدتها، لتوفر لها مريم وفريقها رضاعة صناعية في بيوتهن، كما توضح مريم.

تقول مريم: "أقوم أنا وفريقي بعرض قططنا للتبني بين الحين والآخر، بعدما نتأكد بأنها مكتملة النضوج والرعاية الصحية، حيث تخرج هذه القطط للتبني بشروط، وذلك بعد التأكد بأن متبنيها يوجد لديه مكان مخصص وملائم لها، وتوافر الغذاء السليم لها أيضاً، وأن يكون أهل المنزل متقبلين لفكرة تواجد قطط في منازلهم، وأن يرسل المتبني لنا صوراً للقطط وطلباً للمراجعة بشكل دوري".

وتبين مريم بأن الشقيقات الثلاثة وفريقهن يسعين إلى تخصيص قطعة أرض في غزة، لجعلها أول محمية طبيعية للحيوانات الضالة في فلسطين، وأن يكون هنالك مساهمة من الجميع تجاهها.

رزان النجار التي انضمت لنفس المبادرة التي ترعاها مريم فيما بعد، والتي ذهبت لتأوي الكلاب الضالة والضائعة، تقول بأن شغفها بالحيوانات المهملة في الحدائق المخصصة بغزة، جعلها تبحث عن كائنات أخرى، كالكلاب والقطط، كوسيلة ترفيه في الفراغ، عندما تغذي نظرها بهم في منزلها.

ووفرت رزان الفناء الخارجي لمنزلها لعلاج الكلاب الضالة والتي تتعرض لإصابات مثلما تتعرض لها القطط، وقد اتجه فيما بعد عدد آخر من المواطنين لذات الهدف، ولكن ذلك لا يشمل عدداً كبيراً من الكلاب لضيق مساحة المنزل.

"الكلاب البلدية أنواع"

مدربة الكلاب الأولى في فلسطين تاليا ثابت، تفضل الكلاب البلدية والضالة، تقول لرصيف22 عنها: "إنها من أفضل أنواع الكلاب التي ممكن أن يحتويها الإنسان، كما أن نسبة الذكاء والأصالة عندها تفوق عنها في الكلاب الأخرى، اذا ما تم الاعتناء بها، كما أنها الأفضل في الحراسة والمعيشة مع البشر، وكافة الأعمال البوليسية، وهو أكثر أنواع الكلاب وفاءً لصاحبه، ولديه الذكاء ما يجعله على استعداد لاصطياد الأرانب والغزلان اذا ما خرج برحلة كما يحصل في صحاري الخليج والجزائر".

وأبدت ثابت إعجابها بالمبادرة الخيرية التي يتبناها متطوعون في قطاع غزة لاحتواء الكلاب الضالة.

شغف تاليا بالكلاب البلدية جعلها تبحث عن أنواع كل منها، وسلوكياتها، تقول إن الكلاب البلدية متنوعة، منها كلب الأوسكار، والفرعوني، والأرمنت، والسلوقي، وكلب الصحراء الفلسطيني، التي تستعمله سلطات الاحتلال الإسرائيلي للهجوم على المنتفضين الفلسطينيين كونه الأكثر فهما لعدو صاحبه.

وكانت تاليا ثابت قد اعتنت بكلاب الأوسكار البلدية في بيتها، موضحة بأنها لن تتردد في احتواء جميع كلاب غزة إذا ما تم توفير أراضي مخصصة لها، حيث تعتبر هذه الكلاب مطلوبة لدى العديد من الدول الأجنبية.

خطة لاحتواء الحيوانات الضالة

عن دور المؤسسات الحكومية في حماية الحيوانات الضالة في قطاع غزة، أوضح المنسق العام للرعاية الصحية والبيئة في بلدية غزة، المهندس أحمد أبو عبدو، في حديث خاص لرصيف22، بأن البلدية تلقَّت شكاوى من مواطنين، بعد تعرّضهم للمرض والعدوى أو الهجوم من الكلاب الضالة، و في نفس السياق قد علمت البلدية بمبادرة عدد من المواطنين الساعية لاحتواء هذه الحيوانات بعدما كانت تخصص مأكولات ومشروبات سامة لقتلها والحد منها، أو إجراء عملية إخصاء لمنع تكاثرها كما يحدث في بعض البلدان العربية.

يقول أبو عبدو: "مباشرة قامت البلدية بالشروع في إعادة برمجة خططها بدلا من الحد من هذه الحيوانات، إلى توفير أراضي مخصصة لاحتواءها كأول محمية طبيعية لها في ظل انقراضها بسبب أوضاع غزة بالذات، وعلى رأسها الحروب الإسرائيلية المتتالية، مع توفير كل ما يلزمها من أدوية، وغذاء، ولوازم فصل الشتاء، وقد اتجهت البلدية لما هو أكثر من الكلاب لتشمل هذه المحميات كل ما هو حيوان ضال بهذه المدينة، من كلاب أو قطط، أو حمير وخيول، وكذلك مواشي، وأي طير عابر موسمي على غزة، وسيتم الإعلان عنها قريباً".

ويذكر أن القانون في غزة متشدد مع حالات الاعتداء على الحيوانات الضالة، يقول المحامي أمجد دلول لرصيف22 بأن القانون الفلسطيني يعاقب من يضرب بقسوة حيواناً أليفاً أو داجناً، أو وحشاً مأسوراً، أو يسيئ معاملته، وفقا للمادة 368 من قانون العقوبات الفلسطيني.

كما أوضح دلول بأن العقوبات تشمل من يملك حيواناً، وسمح لأحد أن يستعمل القسوة ضده، "حتى لو كانت القسوة على الحيوان بشكل غير مباشر، ويحق للأجهزة الأمنية أو أي مأمور بوليس، أو أي مفوض من النيابة، أن يحجز هذا الحيوان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard