لماذا يصدق الناس في قريتنا حكايات "النعش الطائر"؟

الاثنين 13 ديسمبر 202102:32 م

في نجع يتسابق أهله إلى النوم بعد سماع أذان العشاء. قرر ثلاثة صعايدة يهوون السَّهَر والسُكر أن يلعبوا لعبة، وتعاهدوا أن تصبح لعبتهم حديث جلسات مصاطب الغروب. كوّنوا فريقاً من الشباب العاطلين من العمل، واستخدموهم كقطع لعبة السيجة - من ألعاب الحصى والحجارة المُنتشرة في صعيد مصر، شبيهة بالشطرنج- ومنحوهم بعض الجنيهات في مُقابل سرقة البهائم.

حققوا هدفهم ومتعتهم بسرقة تلو أخرى، وتوسعت دائرة المُخططين والمُنفذين، لكن "اللعبة" تحولت إلى فترة كالحة في تاريخ نجع "الشرابلة" شرق مركز دشنا بمحافظة قنا، يسمونها "فترة الحوادث".

وعندما قرروا ممارسة لعبتهم وسرقة "بهائم" شقيقة أحد المخططين، انقلب بعضهم على بعض، هم الذين ينتمون إلى عائلات غنية توفر المال والسلاح.

أسطورة عبد القادر

"سلسال دم" انتهى بوفاة ثمانية أشخاص خلال ثلاث سنوات في أشهر "ثأر" عاشه النجع بين عائلتين، "ناس أحمد" و"ناس علي". أوقف تدفق الدم هذا شخص ميت. هو عبد القادر محمود، مزارع طاعن في السن من عائلة "ناس علي"، لم يجد أبناء النجع وصفاً له أفضل من "راجل طيب".

مات عبد القادر ميتة عادية، وبينما كان جثمانه على الأكتاف محمولاً إلى مقابر النجع، فوجئ حاملو النعش بأن الميت يفرض عليهم تغيير وجهتهم، يقف "النعش" عند كل بيت من بيوت الطرف الآخر من الثأر "ناس أحمد"، ولا يتحرك إلا بخروج صاحب البيت، لينضم لمُشيعي الجنازة من "ناس علي".

وانتهى الأمر إلى مشهد دفن درامي بالجبانة، تصافُح فيه أبناء العائلتين، مُنهيين فترة الحوادث.

إذا كان للمرأة أبناء تدفن في مقابر زوجها، وإن لم تنجب يتركوا لها حرية الاختيار بعد الموت، وجثتها محمولة على الأكتاف، ويقولون عنها "أصيلة" لو فضلت مقابر أهل والدتها

تلك القصة/الأسطورة يقال إنها وقعت في مطلع العام الثاني من السبعينيات، ويحفظ تفاصيلها المحامي غريب السيد، وهو أحد أبناء النجع المُقيمين في مدينة السلام غرب القاهرة، يقول لرصيف22: "أنت ما تصدقنيش، لكن هو ده اللي حصل، الشيخ عبد القادر -قبل دفنه- أنهى الثأر بين ناس أحمد وناس علي".

أسطورة أبو سريع

وتقول إحدى الحكايات الرائجة في قرية الصالحية، بجنوب حلوان، إن رجلاً بسيطاً يُسمى أبو سريع أوصى ابن شقيقته قبل وفاته بأن يُدفن في نصف قيراط يملُكه، لكن ابن أخته قرر مخالفة الوصية بدفنه في مقابر القرية. وبينما حمله المُشيعون إليها، استعصى النعش على حامليه، رافضاً سلك طريق الجبانة. ووسط ذهول الحضور، أخبرهم ابن شقيقته بأمر وصية الميت، فقرروا دفنه وفقاً لها، فإذا بالنعش يطير إلى قبره الجديد، وخلفه آلاف المشيعين.

في سوهاج منح البعض تقديرات أخلاقية لبعض "اختيارات" الموتى دون الأخرى، يحكي وسام هريدي (32 عاماً): "في قريتي بنجع الأربعين، بسوهاج، إذا ماتت امرأة لديها أبناء تُدفن في مقابر زوجها، أما إذا ماتت امرأة لم تنجب فيَتبع كثير من الناس عادة متوارثة، تاركين لها حرية اختيار دفنها في مقابر أهل زوجها أو مدافن عائلة والدها، وتأخذ –المرأة الميتة- قرارها وهي محمولة على الأكتاف، حين تفرض على حاملي نعشها الاتجاه نحو مدافن هذا أو ذاك، ويُقال إنها أصيلة لو فضلت مقابر أهل والدها".

قرر الميت زيارة خلوته

هناك ما يتخطى الدارج في الموروث الإسلامي ويؤمن به كثيرون، فالميت صاحب حُسن الخاتمة عادة ما يكون خفيف الجسد وأبيض البشرة أو العكس وجهه أسود، وثقيل الوزن... الأمر هُنا يتعلق بموتى يتحكمون في نعوشهم وأماكن دفنهم، ويملكون -رغم وفاتهم- حرية الاختيار. قد يختار الموتى أيضاً أشياء تعكس إحساسهم الديني، مثل الميت الذي "قرر زيارة خلوته قبل دفنه"، وهو ما حدث في فبراير/شباط 2017 بقرية شبرا ملس التابعة لمحافظة الغربية.

أثناء تشييع جثمان محمد فتوح عصر، أحد شيوخ القرية، فوجئ الأهالي بتوقف النعش في المكان المخصص للجنازة، وتحرك المُشيعون مكرهين إلى مكان الخلوة، التي كان يعيش فيها الشيخ بمفرده.

الحكايات كثيرة، منها القديم، مثلما حدث في ستينيات القرن الماضي، حين توفى في طنطا شمال القاهرة، شيخ يُدعى محمد بدوي عبد الرحيم، وكان منتمياً لإحدى الطرائق الصوفية، وأحد المتيمين بالسيد البدوي، وما إن وضع نعشه داخل المسجد حتى فوجئ المصلون بأن "النعش وقف"، ثم توالت الغرائب وسط هتافات الحاضرين المتعالية "الله أكبر، الله أكبر" إذ ظل النعش ينتقل من مكان لآخر بسرعة رهيبة، ليدور حول مقام السيد البدوي وسيدي البهي.

وآخر تلك الحكايات التي سمعتها كانت في يوليو/تموز الماضي، شمال أسوان، حين ماتت السيدة حياة أحمد المعروفة بطيبتها بين أهالي مدينة البصيلية التابعة لمركز إدفو، طار نعشها وغيّر طريقه من المدافن إلى أضرحة الأولياء، فوصفوها بأنها "ست مبروكة" و"صاحبة كرامات".

"النعش الطائر" في التراث

وصف ميت كهذا بـ"الشيخ" و"المبروك" و"صاحب الكرامة" يدفعنا للبحث في تاريخ وسير بعض الصوفية، فهم من يمشون على الماء، ويطيرون في الهواء، ويطوون الأرض، ويحدثون الدابة والحجر والشجر، فماذا عمن يموت منهم؟

أحدهم -رغم موته- قام وصلى في القبر، حيث يذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني، أحد أعلام الصوفية، في كتابه الشهير "الطبقات الكبرى"، أن ثابت بن أسد البُنَانِي دعا الله أن "يرزقه" الصلاة في القبر إن كان أعطاها لأحد من خلقه، فلما مات، وسووا عليه اللبن/الطوب، وقعت عليه لبنة، فإذا هو قائم يصلي في قبره، كما أن الناس كانوا يسمعون من قبره تلاوته للقرآن.

وجاء أن أحدهم كلم الموتى، وهو أبو بشر صالح المري الذي كان يمكث مبهوتاً إذا رَأى جبانة/مدفن، لمدة يومين أو ثلاثة لا يأكل ولا يشرب، بل "يسمع كلام الموتى ويكلمهم ويكلمونه بالمواعظ".

ونقل الإمام الصوفي، أبو القاسم القشيري، في كتابه "الرسالة القشيرية" عن أبو يعقوب السوسي أن أحد المريدين في مكة أعطاه مالاً، وكلفه بأن يحفر له قبراً ويجهزه لأنه سيموت في الغد، ثم لما كان الغد مات هذا الرجل فعلاً، فغسله وكفنه ووضعه في اللحد، فإذا بالميت يفتح عينيه، فسأله السوسي: أحياة بعد موت؟ فرد الميت: "أنا حي وكل محب لله حي".

وفي المغرب العربي، لا تغيب كرامات الأولياء الصوفيين عند الموت. يذكر كتاب "التشوف إلى رجال التصوف" ليوسف ابن يحيى ابن الزيات، أن أبو العباس أحمد بن يوسف الملياني اختار موقع دفنه عندما مات، والأمر نفسه حدث لقطب الصوفية ابن حرازم. وآخرون صلت عليهم الملائكة، وجهزتهم للدفن، كما هو الحال مع أبو عبد الحليم يعقوب بن هارون الصديني.

أما إحدى أغرب القصص التي وردت في الكتاب، فتحكي عن رجل من أهل مدينة فاس بالمغرب خرج من قبره ليُغيّر مكان دفنه إلى جوار أحد الأولياء الصالحين.

كان الرجل مسرفاً على نفسه، فلما مات ودفنوه، أبصر الناس قبره يهتز، ويدفع التراب حتى ظهرت أكفانه، فقالوا لعله لم يُعمق له الحفر، فأخرجوه، وعمقوا له الحفر، وأدخلوه مجدداً، فإذا بالقبر يهتز ويدفع عنه التراب، فبكوا وقالوا "لفظته الأرض، ولم تقبله"، فإذا بأحد الحاضرين يقترح أن يدفنوه بجوار أحد أولياء الصوفية يُدعى ابن محسود الهواري، فأخذوا في ذلك، فاستقر به القبر.

كرامات حول الموت

يؤمن الصوفيون بـ"كرامات الأولياء" ويرونها جائزة عقلاً ومعلومة قطعاً، كما قال أبو بكر الباقلاني، وأكثر خوارقهم تدور حول الموت، فالكرامات لا تنقطع بموت صاحبها، بل تظهر، فنجد أقطاب الصوفية مثل "الشعراني" و"الزهري" و"السكندري" و"النبهاني" يتحدثون عن النعوش الطائرة للأولياء، والموتى المتكلمين، وأصحاب أجساد لا تأكلها الأرض.

في المُقابل "لا يُخاطِب الشخص بعد موته الأحياء وهو على نعشه بأن يقفوا في مكان معين ويقولوا ذكراً معيناً ثم يأمرهم بالسير؛ لأن هذه صفة الأحياء". ذلك ما جاء في فتوى على موقع "إسلام ويب" إجابة عن تساؤل: هل يتوقف الميت رغماً عن حامليه؟

الأمر هُنا يتعلق بموتى يتحكمون في نعوشهم وأماكن دفنهم، ويملكون -رغم وفاتهم- حرية الاختيار، فكيف لهم ذلك؟

وقد عد ابن باز في فتاواه دوران نعش الميت من "عمل الشيطان، وعمل فسقة الجن، للإيهام والتبليس" .

وفي كتاب "بدع المقابر والجنائز والمآتم" يبرز الشيخ علي عبد العال الطهطاوي، رئيس جمعية أهل القرآن والسنة، العنصر الاقتصادي لحكايات النعش الطائر، ويرى أنها خرافة لا أساس لها، وأنها "من فعل ودجل وتدليس (بعض) الصوفية ممن يحملون الميت" بهدف بناء الأضرحة، وجمع النذور، وإقامة موالد سنوية يقصدها المسلمون وغير المسلمين.

ويؤكد الطهطاوي أنه ليس في النعش سوى جثة هامدة، ويتحدى من يؤمن بذلك (وصفهم بالغشاشين) بوضع النعش على الأرض، فهل يطير؟ ويتساءل: "من الغريب أننا لم نسمع بذلك إلا في القرى حيث تُحمل الموتى على الأعناق. فلم نسمع بذلك عن ميت محمول في سيارة أو قطار أو في طائرة".  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard