“أنظر إلى قبري فأشعر بالسعادة“... طقوس موت أندلسية في مدينة “تستور” التونسية

الثلاثاء 11 أغسطس 202003:57 م

في مدينة تستور، شمالي غربي تونس، يحفر الأحياء قبورهم بأنفسهم ويشترون أكفانهم قبل وفاتهم، وهي عادة يقول عنها الأهالي إنها تعود إلى الأندلسيين، وتنبعث أساساً من التعاليم الإسلامية.

يطلق سكان مدينة تستور، التابعة لمحافظة باجة، على القبور التي يجهزونها قبل وفاتهم اسم "المنزول"، أي القبر غير المسكون، ويقول السكان إن هذه العادة متوارثة بين الأجيال على مدى سنوات طويلة، ويستعد من خلالها سكان المدينة لساعة الموت.

"جهزت قبري بنفسي"

'أبلغ من العمر 57 عاماً، حفرت قبري بنفسي وجهّزته قبل 3 سنوات، وكنت أنوي شراء كفني من السعودية هذه السنة، لكن موسم الحجّ تأجل بسبب فيروس كورونا"، يقول جلال بن موسى لرصيف22.

يسكت جلال، ثم يكمل: "كلفني حفر وتشييد قبري 350 ديناراً (حوالي 125 دولاراً)".

"أنا الآن أعرف شكل قبري وأعرف أين سأدفن وإلى جانب من سأنام للأبد، يمكنني تفقّد قبري بين الحين والآخر، وأتذكر وأنا أقف أمامه أن الحياة فانية وأن الاستعداد للموت أمر صائب".

يصف جلال بن موسى مدينته قائلاً: "تستور مدينة ساحرة ذات معمار فريد وعادات مميزة، وهي المدينة التي جمعت الأندلسيين والعرب والأتراك، ومع مرور السنين تصاهرت العائلات وأصبحت تشترك فيما بينها في العادات والتقاليد وحب المدينة".

"يقول المثل: فلان حفر قبره بنفسه، ويعني ورّط نفسه في مصيبة، لكن في تستور أن يحفر الإنسان قبره بنفسه فإنه بذلك يكون تخلص من عبء ثقيل"

وعن تفاصيل طقس حفر القبور، يقول: "يستغرق حفر المنزول وتشييده ثلاثة أيام، حيث يتم في البداية فرشه بالرمل ومن ثم تغطيته، وقبل ذلك يقوم صاحب القبر بالنوم فيه ليتذكر أن الموت قريب، وللتأكد أيضاً من أن طول القبر مناسب لجسده".

والمنزول يحفره الفقراء والأغنياء، وفي بعض الأحيان يقوم أغنياء المدينة بالتبرع بالأموال والمعدات لحفر قبور بعض العائلات الفقيرة وتجهيزها.

الموت قبل الحياة

"مازلت لم أحفر قبري بعد، لكن والدي وعمي قاما بإعداد قبريهما طبقاً للعادات والتقاليد التي تتميز بها مدينة تستور"، يقول محمد الجويني (45 عاماً)، لرصيف22.

يضيف الجويني: "بدأت أفكر حقيقة في تكليف بناء لحفر وتشييد منزول خاص بي، هناك مثل تونسي يقول: فلان حفر قبره بنفسه، ويعني ورّط نفسه في مصيبة، لكن في تستور أن يحفر الإنسان قبره بنفسه فإنه بذلك يكون تخلص من عبء ثقيل، وأعد منزله في الآخرة".

"كل شخص زاهد في الدنيا ويفكر في ساعة الموت التي تأتي دون استئذان، يبدأ بالتفكير في تحضير قبره عندما يصل سن الأربعين، لكن الشباب الذين يكونون في الثلاثينيات من عمرهم لا يفكرون في هذا الأمر إطلاقاً".

"سبب ولعنا بتهيئة مقابرنا سقوط غرناطة".

وحول الأسباب التي دفعت لنشوء هذه العادة، يشير الجويني إلى روايات تناقلتها الأجيال، تقول إحداها إنه غداة "سقوط" غرناطة، سنة 1492، تم قتل الرجال والشباب والتنكيل بجثثهم، فعجزت النسوة عن دفن الجثث، ووجدن صعوبة في حفر القبور، ومنذ تلك اللحظة اتخذوا قراراً بأن يقوموا بتحضير القبور وهم على قيد الحياة، ولازالت العادة متواصلة إلى اليوم.

يضيف: "في تستور تختلف نظرتنا إلى الحياة والموت، فالأهالي يقومون بحفر قبورهم بأنفسهم، ويقومون بجمع المال لتغطية تكاليف الجنازة. إضافة إلى ذلك، تحرص نسوة المدينة على جمع المؤونة من كسكسي وزيت وبهارات تحسباً لوفاة أحد أفراد العائلة".

يتابع: "تتميز مدينة تستور بعادات ضاربة في القدم، يراها كثيرون غريبة، لكنها بالنسبة لنا جزء من ثقافتنا وحضارتنا ونعتز بها. فإلى جانب المنزول وعند وفاة أحد الأشخاص، تقوم عائلته بتعليق ستار مصنوع من شعر الماعز على باب منزله الخارجي، وبهذه الطريقة يعلم الجيران بوفاة جارهم دون سماع بكاء أو عويل، وفي بعض الأحيان يكون تشييع الجنازة بالزغاريد، فهي طقوس خاصة بالموت".

بحسب محمد، يردد الناس هنا كثيراً عبارة "على الحياة على الموت"، فالموت بالنسبة لهم قريب جداً منهم، ويستحضرونه في عاداتهم وتقاليدهم وفي أمثالهم الشعبية وأحاديثهم اليومية.

"مع غلاء أسعار مواد البناء وارتفاع تكلفة اليد العاملة، وصل ثمن تشييد المنزول 500 دينار (حوالي 198 دولاراً)، وقد تختلف الأسعار من مكان إلى آخر"، يقول محمد الجويني.

"بعد انتهاء العامل من تحضير المنزول يستدعي صاحبه لتفقده، وهناك من ينزل داخله ليقيس إذا كان مناسباً له أم لا، ولاستحضار لحظة الموت والتذكّر أن ساعة الرحيل آتية لا محالة. بعد ذلك يعطي صاحب القبر الأوامر لغلق القبر بواسطة حجارة صنعت من الأسمنت المسلح، لمنع تسرب المياه والأتربة".

يضيف: "بعد ذلك يقوم صاحب القبر باصطحاب زوجته أو أحد أبنائه أو صديقه المقرب ليطلعه على مكان قبره".

"عادة حفر القبر وتجهيزه قبل الوفاة لها رواية تاريخية، وهي أيضاً تكون خوفاً من الكوارث الطبيعية المفاجئة، أو من أن يكون الشخص المتوفي لا يملك مالاً لتشييد قبره"، يقول الجويني.

ومن العادات الأخرى التي تميز المقبرة  في المدينة "الأندلسية" هي "أنه يتم تزيين قبور المشايخ والفقهاء والقضاة بطريقة خاصة جداً، حيث يتم وضع رخامية دائرية على القبر، ويوضع فوقها تاج مرصع بالحجارة، في حين يتم وضع قبة بيضاء من جهة الرأس فوق قبور حفظة القرآن"، بحسب الجويني.

"سأدفن بجانب زوجي"

تقول الخالة عائشة (اسم مستعار) لرصيف22: "قام زوجي رحمه الله، بتجهيز قبره قبل وفاته، كما كلف حفار قبور بحفر منزول خاص بي بجانبه، أما أنا فرغم تقدمي في العمر، أحرص كل سنة على إعداد المؤونة ووضعها جانباً استعداداً لموت أي فرد من العائلة. الموت لا ينتظرنا يا بنتي".

تضيف الخالة عائشة (60 عاماً): "أذهب إلى المقبرة لزيارة زوجي، وألقي نظرة على قبري المحفور بجانبه وأشعر بالسعادة لكونني سأدفن بجانب شريك عمري ووالد أبنائي".

ويعلّق رئيس جمعية صيانة مدينة تستور، رشيد السوسي، لرصيف22: "حفر القبر لإكرام الميت هي عادة إنسانية، لكن حفر القبر وتجهيزه قبل الوفاة عادة فريدة من نوعها، ظهرت بداية في عهد المصريين القدماء، واندثرت لكنها بقيت موجودة في مدينة تستور".

"تتميز مدينة تستور بعادات عتيقة، يراها كثيرون غريبة... في بعض الأحيان يكون تشييع الجنازة بالزغاريد، فهي طقوسنا الخاصة بالموت".

يضيف السوسي( 70 عاماً): "أهالي تستور هم الوحيدون الذين يختارون مكان قبورهم، ويحضرون عملية تشييدها وحفرها لحظة بلحظة. أنا حفرت منزولي منذ سنوات وأنتظر ساعة رحيلي".

يتابع: "هي عادة أندلسية قديمة مازلت موجودة إلى اليوم، وترتبط بعدة عوامل، منها إكرام الميت ودفنه بسرعة، إضافة لخوف الأهالي من فصل الشتاء الذي يصعب فيه حفر الأرض، خصوصاً أثناء نزول كميات كبيرة من الأمطار".

يضيف: "إعداد القبر، أو كما يطلق عليه اسم المنزول، نسبة لحركة النزول التي تتم حين يوارى الجثمان الثرى، هو في الحقيقة يؤكد أن أهالي تستور لا يهابون الموت، عكس الكثيرين الذين يصابون بالرعب فور دخولهم مقبرة".

وينهي رشيد السوسي حديثه، قائلا: "في تستور يوجد المنزل والمنزول. المنزل في القرية الحية، والمنزول في القرية الميتة، ونحن لا نهاب الموت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard