"للزواج أو الإنجاب والسياسة ومآرب أخرى"... المغرب بلد الألف ولي صالح

السبت 30 أكتوبر 202104:10 م

في أحد دَوَاوِير (قرى) أوريكا، في نواحي مدينة مراكش، نجد ضريح "لالَّة سِتِّي فاطمة". يقع الضريح على قمة جبل، وفي السفح نهر أوريكا. عندما تلج الضريح، تجد قبر "ستي فاطمة"، وإلى جانبه قبرَي ابنتيها "تيجيست، وتيعزة"، والقبور الثلاثة مغطّاة باللون الأخضر.

كان من المعروف عن "ستي فاطمة"، وهي الولية الصالحة المتفقهة، والعابدة الزاهدة، ابنة الشيخ "سيدي عمرو"، أنها عنوان للكرم، والجود، والإحسان، عبر تكريسها حياتها لقضاء مآرب الفقراء، و المشرّدين، والمعوزين، وللزهد، والتعبّد، وتلقين الناس علوم القرآن، والفقه، والحديث.

إلى جانب المدافن، توجد غرفة فيها العديد من الأغطية الخضراء التي استُعملت من قبل غطاءً لقبور "ستي فاطمة" وابنتيها. تأخذ الفتيات، أو النساء الزائرات، قطعةً من هذه الأقمشة، مع قطع من ملابسهن، ويعلّقنها بنافذة في الغرفة، طلباً للزواج، أو الإنجاب، حسب إحدى زائرات الضريح.

وعند سؤالها عما دفعها لزيارة ضريح "لالة ستي فاطمة"، قالت كوثر: "أبلغ من العمر 34 عاماً. أنا عاطلة عن العمل، وعزبة. أصبح الكل يقولون: ‘يا كوثر فاتك القطار’، وينعتونني ب'البائرة'. تعبت من نظرة المجتمع إلي، فقد التجأت إلى العديد من الأضرحة، والزوايا، والعرّافين دون جدوى. أحد أقاربي نصحني بأن آتي إلى ستي فاطمة، بنيّة صادقة، وأقدّم الشمع الأبيض والفتوح، وستتيسر الأمور في إيجادي زوجاً، وهذا ما أتمناه".

بلد الألف ولي

يعرف المغرب انتشاراً كبيراً للأضرحة والزوايا، وقد لا تخلو مدينة، أو قرية، من ولي، أو رجل صالح، حتى لُقِّب بـ"بلد الألف ولي". غالباً ما نجد الأضرحة تطلّ على البحر، أو بجانب الوديان والأنهار، وتتبع هذه الأضرحة مختلف الطرق الصوفية، فهناك البودشيشية، والتيجانية، والحمادشية، والعيساوية.

كثرة الأضرحة في المغرب، صبغت الثقافة الدينية بشكل خاص، إذ يقال إنه بلد الأولياء، فهو يتوفر على أكثر من خمسة آلاف ولي، لكل واحدٍ منهم حكايته الخاصة.

"أنا عاطلة عن العمل، وعزبة. أصبح الكل يقولون: ‘يا كوثر فاتك القطار’، وينعتونني ب'البائرة'. تعبت من نظرة المجتمع إلي، فقد التجأت إلى العديد من الأضرحة، والزوايا". المغرب بلد الألف وليّ

يقول الصحافي والباحث، محمد بوداري، إن زيارة الأضرحة، والزوايا، والمزارات، التي يعجّ بها المغرب، لا تقتصر في أيامنا هذه على النساء الأمّيات، والجاهلات، بل نجد أن نسبةً كبيرة من المتعلمات، واللواتي حظين بمستوى تعليمي عالٍ، يحرصن على ممارسة هذه الطقوس، كما أن الأمر يسري على نساء ينتمين إلى طبقات راقية من المجتمع، وليس من الفئات الفقيرة فحسب.

ويفسّر الباحث هذا التوجّه بأنه علينا هنا، "أن نستحضر واقع المرأة في مجتمعنا، والأدوار المجتمعية التي أُنيطت بها عبر التاريخ، من قبل المجتمع الذكوري، إذ إن النظرة الذكورية للمرأة، على الرغم من التقدم والتطور الحاصلَين على مستوى التعليم، والارتقاء الاجتماعي، بقيت حبيسة الأفكار الرجعية والمتخلفة التي لا ترى في المرأة سوى آلة للإنجاب، وموضوعاً للزواج، وإن هي فشلت في هذه الأدوار، فإن نظرة المجتمع الدونية تجاهها تكون قاسيةً، مما يجعلها تلجأ إلى تلمّس حلول لإرضاء الأسرة، وتفادي نظرات المجتمع وأحكامه، وعندما لا تجد سبيلاً إلى ذلك، فإنها تقصد الأضرحة والزوايا والمزارات، لعلها تجد ضالّتها في ‘كرامات’ الأولياء والصالحين".

بركات أبدية

يضيف بوداري، أن الأولياء، كأشخاص أتقياء صالحين، يحظون في حياتهم، وبعد مماتهم، بتقدير الناس واحترامهم، إذ لعبوا أدواراً تاريخية مهمة، على مستويات عدة، وكان لهم حضور قوي في حياة المجتمع المغربي، خاصةً منذ القرن الخامس عشر، وبداية الأطماع الاستعمارية التي حاولت التغلغل في البلاد، عبر المدن والموانئ الساحلية، ما زاد من قيمة الأولياء، ورموز بعض الزوايا التي واجهت الاستعمار، واستنفرت المغاربة لـ"الجهاد ضد الكفار".

ومما زاد من قداستهم، نسبهم الشريف، وانتسابهم إلى آل البيت (حقيقةً أو ادّعاء)، وكذا ارتباط العديد منهم بما عرف عنهم، عبر التواتر، من كرامات، وأفعال خارقة للعادة، وغير مألوفة لدى الناس، لا تزول بوفاتهم، إذ تلزم قبورهم، وتكون سبيلاً في التواصل بينهم وبين الناس الذين يلجؤون للتبرك بأضرحتهم، أو بمحيطها، ما رسّخها في الذاكرة الشعبية.

ويضيف بوداري، أن العديد من "أولياء الله الصالحين" قد اشتهروا، وسارت بذكرهم الركبان، لما لهم من كرامات، وتخصص في علاج بعض الأمراض، والحالات النفسية والعقلية، أو قضاء حوائج "العوانس" والعاقرات.

وتقوم الفتيات والنساء، خصوصاً، بزيارة أضرحة معينة، إمّا طلباً للعلاج من أمراض نفسية، أو طلباً للزواج، أو إنجاب الأطفال. ومن الأضرحة الشهيرة في المغرب، يمكن ذكر ضريح "بوشعيب الرّداد"، في ضواحي مدينة أزمور (جنوب غرب)، الذي تحجّ إليه النساء اللواتي يعانين من العقم، طلباً للذرّية والأولاد.

ويشتهر ضريح "لالة عيشة البحرية"، في أزمور، بـ"القدرة" على إبعاد شبح "العنوسة" عن الفتيات الراغبات في الزواج، واللواتي يأتين إليه من جهات المغرب كلها، طمعاً في الزواج، ولا فرق في ذلك بين فتاة متعلمة، أو أمية، أو فقيرة معدمة، أو ذات جاه، كلهن يبحثن عن ملاذ لتغيير وضعيتهن، وضمان وضع طبيعي ضمن مجتمع أغلبيته لا ترى بعين الرضا إلى "العوانس".

"الخدمة" نفسها يؤديها ضريح "سيدي يحيى بنيونس"، في وجدة (شرق البلاد)، لزائراته، إذ اشتهر بمنح الأطفال الذكور، وتزويج "العوانس".

وغير بعيد عن "لالة عائشة البحرية"، يوجد ضريح "لالة يطو"، المتخصصة في ضبط الرجال الخارجين عن سلطة البيت! وحسب روادهما من النساء، فإن الضريحين يتمتعان بكرامات وقدرات خارقة على ضبط الرجال الخارجين عن سلطة نسائهم!

العديد من "أولياء الله الصالحين" قد اشتهروا في المغرب، وسارت بذكرهم الركبان، لما لهم من كرامات، وتخصص في علاج بعض الأمراض، والحالات النفسية والعقلية، أو قضاء حوائج "العوانس" والعاقرات.

وقرب مدينة مكناس، وسط المغرب، ينعقد موسم الولي الصالح "سيدي علي بن حمدوش"، وفيه تُرجى البركة من عين ماء، ومن شجرة. وما يميّز هذا الولي، هو أنه يستقبل المثليين، ويُعدّ وليّهم الصالح، إذ يحتفلون من دون أن يضايقهم أحد.

واشتهر ضريح "بويا عمر"، منذ القرن الـ16، بـ"علاج" المرضى الذين يُعانون من اضطرابات عقلية ونفسية، ويقع شمال مدينة مراكش، في إقليم قلعة السراغنة، لكنه أُغلق بسبب المعاملة السيئة لمن يأتون إليه، بأمرٍ من وزارة الصحة المغربية.

ويردف بوداري: "أعتقد أن سلوك زيارة هذه 'المعالم المباركة'، بالنظر إلى قَدَاستها، وطهارتها، ونزاهتها عن الدنس والخطيئة، على الرغم من موقف السلفيين، وبعض المتطرفين منها، ليس هو المُلام، أو الذي يطرح المشكلة، بل الإشكال هو في تلك الطقوس التي تمارَس فيها، وبجوارها، والاعتقاد في خوارق قد تحل مشكلات استعصت حتى على الطب والعلم".

شروط نجاح الزيارة

يقول بوداري إن ظاهرة زيارة الأضرحة، تتشابك فيها عوامل عدة أدت إلى انتشارها، واستمرارها إلى يومنا هذا، على الرغم من التطور الذي حصل على مستوى العقليات، وتغير أوضاع المجتمع المغربي على جميع المستويات. وللحصول على نتائج مُرضية، فإن هناك بعض الطقوس والممارسات التي يجب اتّباعها، للوصول إلى ما ترجوه الزائرة، مثل توفر بعض الشروط، ومنها "النية"، و"الفتوح"، و"الأمنية"، و"النذر".

فالنّيةُ تنتمي إلى القاموس الديني، وتعني شرعاً انعقاد القلب على القيام بالشيء، والملاحَظ أن فعل الزيارة مقترن بطقوس العبادة، لأن النية شرط لأداء العبادات والأعمال. أما "الفتوح"، فهي تحيل على البدء، والافتتاح، وما لم تُمنَح قبل التبرك، فإن الغاية لن تكتمل. و"النذر"، وإن كانت غير مقيّدة بقيمة، أو بمقدار من النقود والمال، فإنها عادة دأب الزوار على ممارستها، حتى أضحت شرطاً من شروط قبول "الحاجة"، أو "الطلب"، وقضائه، وصار من المألوف أن يوضَع بجوار قبر كل ولي، أو صالح، صندوق يضع الزائرون فيه نذورهم.

هكذا لا يمكن لـ"الزيارة" أن تؤتي أُكُلها، إلا بتوفر هذه الشروط، وعند تحقيق "الأمنية" التي جاءت من أجلها الزائرة، فإن هذه الأخيرة تتعهد بتقديم هدية، وهي بمثابة نذر يُلزِمها بالعودة ثانيةً إلى الضريح، حاملةً ما وعدت به (في حال الاستجابة، أو عدمها)، وتقديمه مرةً واحدة، أو بالمواظبة على ذلك مرات عدة، أو بشكل دوري، على أمل تحقيق "الأمنية".

الصوفية جزء من الدولة

ويتابع بوداري أن الدولة المغربية تولي، منذ استقلال البلاد، عنايةً خاصةً بالأضرحة والزوايا. وذلك بتخصيص ميزانيات سنوية كبيرة لها، سواء عبر وزارة الأوقاف، أو عبر هبات ملكية، لتجديدها، وترميمها، والمساعدة في أداء مهامها الدينية في التأطير الروحي للمغاربة، وجعلهم يتمسكون بالقيم الإسلامية، والثقافة الصوفية المالكيّة.

ومع ظهور خطر الإرهاب، الذي ترسّخ في النفوس، منذ تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، صارت الزوايا، والطرق الصوفية، جزءاً من السياسة الدينية للدولة التي تراهن عليها، لمحاربة التطرف الديني.

وهناك بعض الزوايا التي تجاوز تأثيرها المجال المغربي، وبلغ صيتها أرجاء العالم، إذ تقوم بدور نشر التصوف المغربي، والترويج للنموذج المغربي في التدين المعتدل، كما هو الشأن بالنسبة إلى الزاوية التيجانية التي يمتد إشعاعها إلى السنغال، ودول إفريقيا، جنوب الصحراء، والزاوية البودشيشية في قرية "مداغ" قرب بركان، التي يحج إليها آلاف المريدين من بقاع العالم.

وحسب الأرقام الرسمية، فإن عدد الأضرحة في المملكة، يبلغ 5038 ضريحاً تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد الزوايا يُقدّر بـ1496 زاويةً تتوزع في أرجاء البلاد.

ويقول الكاتب والأستاذ الجامعي في الإسلاميات والتصوف، محمد التهامي الحراق، إن "مرجعية الولاية في المغرب، قرآنية سنّية علمية، وتعضدت برفيع الأدوار التاريخية للأولياء في المغرب، منذ القرون الأولى للفتح الإسلامي، بحيث يُعدّ المغرب سليلاً للدوحة النبوية المولى إدريس الأول، فاتح المغرب ومؤسس دولة الأدارسة، ورأس سلسلة الولاية في بلدنا".

أعتقد أن سلوك زيارة هذه 'المعالم المباركة'، بالنظر إلى قَدَاستها، وطهارتها، ونزاهتها عن الدنس والخطيئة، على الرغم من موقف السلفيين، وبعض المتطرفين منها، ليس هو المُلام، بل الإشكال هو في تلك الطقوس التي تمارَس فيها

وقد توالت الأدوار التعليمية، والجهادية، والاجتماعية، والتربوية، للأولياء في المجتمع، مما رفع مقاماتهم في الجغرافية الترابية والروحية للمغرب.

ويعود سبب انتشار الولاية والأولياء في المغرب، حسب الباحث، إلى دورهم المرتبط "بحاجة المجتمعات إلى قدوات سلوكية، ونماذج أخلاقية حية، تصغي إلى أسئلة الناس، وتتفاعل مع إشكالاتهم، وتخفف آلامهم، وتغذّي أحلامهم، وتصلح ذات بينهم، وتوحدهم في حالة الشتات، وتقوّيهم على مواجهة الصعاب والملمات، سواء أكانت صراعات اجتماعية، أم كوارث طبيعية، كما يحتاجون إلى من يوجههم دينياً، ويؤطرهم روحياً، وينصحهم أخلاقياً، ويمنح حياتهم معنى وجودياً". ويضيف: "ولمّا كانت بلاد المشرق أرض نبوّات، كانت بلاد المغرب أرض ولاية استمد أهلها معنى الولاية وقيمها من رسالة النبي الخاتم، وذلك من أجل نشرها في أرض لها خصائصها الثقافية، واللغوية، والجغرافية، والإثنية، والديموغرافية المختلفة جذرياً عن خصائص بلاد المشرق حيث بُعث الأنبياء".

ويضيف الحراق أن "الطرق الصوفية في المغرب، ظهرت أساساً في القرنين السادس والسابع للميلاد"، أي منذ دخول الإسلام إلى المنطقة. وقد "ظهرت ضمن رباطات كانت تقوم بأدوار جهادية للدفاع عن الإسلام، في بلد بحري قريب جغرافياً من أوروبا، ومعرّض للاحتكاك مع المسيحية الأوروبية، خصوصاً أن المغرب استطاع أن يحافظ على الوجود الإسلامي في الأندلس، قروناً من الزمن. ومع بداية تراجع هذا الحضور الإسلامي، أصبحت تنتعش هذه الرباطات أكثر فأكثر، لتصير زوايا تمثّل مدارس صوفية روحية، تجمع بين العلم الشرعي، والتربية الروحية، والوظائف التعليمية والاجتماعية والجهادية، وهي زوايا أسسها أعلام نشروا عبرها طرقهم الصوفية التربوية في البقاع الإسلامية كلها".

وبالنسبة إلى الباحث، فإن "هؤلاء الأعلام، هم الذين كرَّمَهُم الناس، نظراً لأدوارهم الروحية والعلمية والأخلاقية المشهودة، فبنوا لهم قباباً وأضرحةً، وصارت مزاراتُهم مقامات للتلاقي، بل مجامع لتواصل القبائل والعشائر، والتداول في الأمور الدينية والدنيوية، وتبادل التجارة والمنافع، فضلاً عن التنسّك والذكر. وهذا ما أدى إلى التحلق العمراني حول بعض الأضرحة، وظهور تجمعات سكنية في محيطها، حتى انتهى ذلك بتشكل قرى كبرى، ومدن صارت تُسمّى باسم هذا الولي المتحلِّقة حوله، أو ذاك".

وتابع الحراق: انطلاقاً من الحاجة التاريخية إلى أدوار الزوايا والطرق، ظهرت في المغرب أساساً مشارب صوفية كبرى ثلاثة: "الطريقة الشاذلية، نسبةً إلى العارف أبي الحسن الشاذلي تلميذ مولاي عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم في شمال المغرب، وانتشرت فروعها في العالم الإسلامي كله، وهي أكثر الطرق تفرعاً وانتشاراً في المغرب. كما انتعشت الطريقة القادرية، نسبةً إلى العارف عبد القادر الجيلاني، ومنها تنحدر الطريقة البوتشيشية القادرية الشهيرة اليوم. كما ظهرت في القرن الثالث عشر للهجرة، الطريقة التيجانية، نسبةً إلى الشيخ العارف أحمد التيجاني، دفين مدينة فاس، وهي من أشهر الطرق اليوم امتداداً في إفريقيا والعالم".

والزوايا الناشئة في المغرب، كلها ترتبط بمشرب من هذه المشارب الثلاثة، ولا تخرج عنها. فالعيساوية مثلاً، تنتسب إلى الشيخ الكامل الهادي بن عيسى، وهي طريقة زروقية جزولية شاذلية، الأمر نفسه مع الطريقة الحمدوشية، نسبةً إلى سيدي علي بن حمدوش، أو الطريقة الدرقاوية وفروعها، نسبةً إلى مولاي العربي الدرقاوي، فيما الطريقة البوتشيشية قادرية كما ذكرنا آنفاً.

ويقول الحراق إن المرأة الولية تحضر عبر التاريخ بأدوارها المشهودة في المجتمع المغربي، نظراً لانخراطها الروحي والتربوي والأخلاقي، في تربية أبنائها من الأولياء، أو تأطير العلم والأخلاق، فضلاً عن أدوارها الاجتماعية المختلفة، والتي تتكامل مع أدوار الأولياء الذكور، بما يتلاءم وطبيعة المجتمع المغربي.

ويقول وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، في أحد الدروس الحسنية بعنوان "إسهام النساء في بناء ثقافة الإسلام الروحية" (2016): "أما المبجَّلات، فنجد المئات من النساء اللواتي عرف المغاربة لهن قدراً في الروحانية، فبنوا على قبورهن قباب المزارات، فمن بين الأضرحة الموجودة في المغرب، وعددها أكثر من خمسة آلاف، ما يقرب من مئة وخمسين ضريحاً للنساء، ولو وقع البحث عن مثيلاتهن في العقود الأخيرة، على غرار ما فعل الأستاذ المرحوم الحسن العبادي، بالنسبة إلى سوس، لتحصّلت من البحث أسماء الآلاف ممن حفظتهن الذاكرة القريبة".

الأضرحة ليست كالزوايا

ويردف الحراق أن هناك فرقاً بين الأضرحة والزوايا، فالأضرحة هي مزارات تضم مراقد الصالحين والصالحات، أما الزاوية فهي مؤسسة دينية روحية تنتظمها طريقة صوفية معيّنة، ونظام معيّن يربط الشيخَ بالمريد، والمركزَ بالفروع، وتضطلع بأدوارٍ تربوية وتعليمية وإصلاحية واجتماعية وجهادية، وتحضر جميعها، أو بعضها، وتتفاوت في درجة هذا الحضور، حسب طبيعة كل زاوية، وتبعاً لشروط السياق التاريخي الذي يحكمها؛ على أن الثابت في هويتها الوظيفية، هو المستوى التربوي الروحي. وهنا يلزمنا التذكير بتمييز إجرائيّ غالباً ما يسقط سهواً، فتغمر غيابه النعوت بظلالٍ من الغموض والارتباك، أعني الممايزة بين "الطريقة" من حيث هي منهاجٌ صوفيّ للتربية، والتأهيل الروحيَين، وبين "الزاوية" من حيث هي فضاء جغرافي، ومركز مؤسساتي يمثل السند المادي، والإجراءات التأطيرية والتنظيمية للطريقة. فالطريقةُ تُسنَد وتُنسَب إلى مؤسسها وقائدها الروحي، فيما الزاويةُ تُنسَب إما إلى مؤسس الطريقة، أو إلى مشيِّد أركان تلك الزاوية، بوصفها فرعاً لمركز تلك الطريقة، أي الزاوية الأم. ونسبةُ الزاوية إلى مشيِّدِها، إنما جُعِلَت للتمييز بين فروعِ الطريقةِ الواحدةِ، والتفريق بينها في حالة تعددها وتكاثرها. أما العلاقة بين الضريح والزاوية، فقد يُدفَن الولي في زاوية معينة، وقد يصير مقام ولي ما زاويةً لاعتبار من الاعتبارات الروحية أو التاريخية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard