"ابنكم غير مسجل هنا"... مستقبل الأطفال السوريين المكتومي القيد في لبنان على المحك

الأربعاء 27 أكتوبر 202103:47 م

هل فكّرت يوماً أن تعيش بلا هوية؟ كلنا كجيران وأقرباء، نوقن بوجودك كشخص، ولكن القانون لا يعترف بذلك. ربما لن تحصل على تجربة مقعد المدرسة. ستنتهي حدود العالم عند عتبة بيتك. إن استطعت الزواج، سيعيش أطفالك التجربة الصعبة نفسها.

هذا هو حال مئات الأطفال والشباب من اللاجئين السوريين المكتومي القيد في لبنان، أي الذين يعيشون بلا أوراق ثبوتية. ذنبهم أن حياتهم اختارت أكثر الأوقات حلكةً في بلادهم، فوجدوا أنفسهم ضمن ظروف تعرقل حصولهم على ما يحتاجون إليه من مستندات قانونية. المذنبون في هذه القضية كثر، والمعرقلون كذلك، لكنّ الحلول حاضرة أيضاً.

آلاف اللاجئين بلا أوراق ثبوتية

تشير أرقام المجلس النرويجي للّاجئين، إلى أن أكثر من نصف المتزوجين السوريين في لبنان، لا يملكون وثائق زواج، وأن معظم الأطفال دون سن الخامسة، غير مدرجين في دفاتر عائلاتهم. بدورها، تشير إحصائيات المفوضية العليا للّاجئين، إلى أنّ 69% من اللاجئين السوريين في لبنان، لم يستطيعوا متابعة الإجراءات القانونية، لتسجيل ولاداتهم في سجل الأجانب، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 86% مع العائلات التي لم تستطع الحصول على إثباتاتٍ، كدفتر العائلة، أو إخراج القيد العائلي.

مئات الأطفال والشباب من اللاجئين السوريين مكتومو القيد في لبنان، أي يعيشون بلا أوراق ثبوتية.

تدعو هذه الأرقام المخيفة إلى عمل مكثّف للمنظمات المعنية، ومن أهمها اليوم في لبنان، المجلس النرويجي للّاجئين، وكاريتاس، والمفوضية العليا للّاجئين، وأوكسفام.

وتلخص المفوضية معاملة تسجيل الولادات في لبنان، بأربع خطوات: الحصول على شهادة ولادةٍ من المشفى، أو الطبيب المرخّص، أو القابلة القانونية، والحصول على وثيقة ولادة من أحد مخاتير المنطقة، وتسجيل الوثيقة في قلم النفوس، وأخيراً تسجيلها لدى دائرة وقوعات الأجانب. ويجب أن تتم هذه الخطوات قبل أن يتجاوز عمر الطفل السنة.

وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، وكونها أساسيةً لإثبات هوية الأطفال، وجنسيتهم، أشار العديدون ممن تحدثوا لرصيف22، إلى أن عراقيل تسجيل الأولاد الجدد، خاصةً في المخيمات، موجودة بالفعل، وازدادت بشكل كبير خلال فترات الحجر الصحي، وأيضاً خلال الانهيار الاقتصادي الأخير في لبنان، ومن هذه العراقيل انحسار العمل الميداني للمنظمات، وهو ذو أثر مهم في تسهيل الموضوع، وشرح خطواته، وتبسيطها، وتقديم الدعم في شأنها، كما يخشى السوريون من التكاليف المتعلقة بهذا الإجراء، وكثر منهم ما عادوا قادرين على تحمّلها، في الفترة الأخيرة.

رحلة هجرة متوترة

ينقل لنا الدكتور سمير، معاناة أقربائه من الزبداني في ريف دمشق، خلال هجرتهم إلى ليبيا، بسبب أوراقهم الثبوتية الناقصة. لم تحصل العائلة على إقامات صالحة، ولهذا فضّلوا عدم تسجيل بناتهم الثلاث، قانونياً، لصعوبة حركتهم بين الحواجز اللبنانية. في هذا العام، ومع قرارهم بالهجرة، اضطروا إلى تسجيلهم للحصول على جوازات سفر. تعرقلت معاملتهم، إذ كان يترتب عليهم أن يكونوا ذوي إقامات صالحة، لإتمام بعض الأوراق ذات الصلة.

لهذا فضّلوا اللجوء إلى السبل غير القانونية، بتسجيل الأولاد في دفتر العائلة مباشرةً في سوريا، عن طريق معقّب معاملات، بمقابل مادي يعادل 250$، وهو أمر غير قانوني، بالنظر إلى أن الأطفال وُلدوا في لبنان، وليس في سوريا. بعد ذلك، منعهم الأمن العام من مغادرة المطار، قائلاً: "لا تستطيعون المغادرة، لأن الولاد غير مسجلين رسمياً هنا!".

يختم الرجل حديثه عن أهمية اللجوء إلى السبل القانونية، وهو بكل تأكيد أفضل من إرسال الأوراق بطريقة غير شرعية، ودفع مبالغ طائلة، ويخبرنا بأن العائلة تمكّنت أخيراً من المغادرة، بعد اللجوء إلى بعض المسؤولين، والمعارف، للحصول على تسوية في الأمن العام في بيروت.

الأهالي بمعظمهم، مهتمون بالفعل بتسجيل ولادات أطفالهم، لكن عراقيل عدة تقف في وجه الأمر، ومنها صعوبة فهم الإجراءات المطلوبة، وعدم توافر بعض الأوراق الثبوتية اللازمة، وأحياناً حصول عراقيل غير محسوبة في بعض المؤسسات الحكومية ذات الصلة

"على الأهل ملاحقة المعاملة"

تسلّط الناشطة جيانا، اللاجئة والعاملة على هذه القضية في منطقة برّ الياس، الضوء على مسؤولية الأهل في حفظ حقوق أولادهم، فتقول: "ألاحظ في زياراتي إلى المخيمات، أنّ بعض الأهالي غير مكترثين بالحصول على أوراق ثبوتية تضمن حقوق أطفالهم. همّهم الأساسي لقمة العيش".

تقاعس الأهالي عن المعاملات القانونية لأطفالهم، ناجمٌ عن تراكم المسببات، وعلى رأسها انشغالهم بحاجاتهم الأساسية من لقمة العيش والمأوى، لتصبح مثل هذه المعاملات من الحاجات الثانوية، على الرغم من أهميتها الكبيرة، كما يخبرنا عدد من الناشطين العاملين، خاصةً في منطقة البقاع اللبنانية.

وتشير جيانا أيضاً، إلى أن عليهم أحياناً بذل مجهود لإقناع الناس بتسليم طلبات التسجيل إلى المنظمات المعنية، وتوضح أن الحالة الوحيدة التي تمتنع المنظمات عن المساعدة فيها، هي تلك الخاصة بالعائلات التي أنجبت داخل الأراضي السورية، ثمّ نزحت من دون إثباتات قانونية، وهنا يجب أن تتم المعاملة في سوريا، عن طريق أحد الوالدين، أو وكيل رسمي لهم.

من جهة أخرى، تنصح الناشطة رشا، اللاجئة أيضاً، والعاملة في المجال نفسه، بأنه على الأهل متابعة معاملات أطفالهم، وأحياناً تذكير المنظمات، أو المحامين، بها، في حال مرور أكثر من شهرين مثلاً على تسليمهم إياها. وتضيف أن في إمكان الأهل ذوي الإقامات الصالحة، القيام بالمعاملة بنفسهم، إلا في حال مواجهة أي مشكلة قانونية.

لكن ناشطين آخرين يتحدثون عن أن الأهالي بمعظمهم، مهتمون بالفعل بتسجيل ولادات أطفالهم، لكن عراقيل عدة تقف في وجه الأمر، ومنها صعوبة فهم الإجراءات المطلوبة، وعدم توافر بعض الأوراق الثبوتية اللازمة، وأحياناً حصول عراقيل غير محسوبة في بعض المؤسسات الحكومية ذات الصلة.

عرسال، البلدة اللبنانية، في المقابل، كانت ذات حالة خاصة، كما تصوّر لنا الناشطة هدى البريدي، إذ أعادت الانفراجات الأمنية مؤخراً، نشاط المنظمات المعنية فيها، كما ازداد وعي الناس بهذه القضية. وتناشد البريدي المنظمات بالتشديد أكثر على موضوع الأوراق الثبوتية، وتسيير عملياتها البطيئة، وزيادة التمويل المخصص لهذا الموضوع. وتنوّه بوجود مكاتب لمحامين سوريين في عرسال، منهم جمال الزهوري، ومحمد بكار، تساعد اللاجئين في هذه الإجراءات، وتنصح بالتوجه إليهم، في حال مواجهة أي مشكلة.

واحدة من المشكلات الأساسية لتسجيل ولادات السوريين في لبنان، تكمن في الزيجات غير المثبّتة قانونياً.

حالات زواج غير مثبتة

يرى جميل، وهو ناشط سوري فضّل الحديث باسم مستعار، أن واحدة من المشكلات الأساسية لتسجيل ولادات السوريين في لبنان، تكمن في الزيجات غير المثبّتة قانونياً، والتي تتطلب أحياناً اللجوء إلى المحاكم ودوائر النفوس. غالباً ما تتطلب المعاملة وجود إقامات صالحة، وهو أمر قد يكون تعجيزياً، لهذا تبقى العائلة بعيدة عن التعقيدات القانونية، وتالياً من دون أوراق.

وينقل لنا جميل، قصة لاجئة تزوجت في أثناء الحرب في ريف حماة، وأنجبت أولاداً من دون عقد قانوني، ليتوفى الزوج، وتلجأ هي إلى لبنان. وهنا تزوجت مجدداً بـ"كتاب شيخ"، وأنجبت بنتاً، ليطلّقها لاحقاً، ويترك أولادها مكتومي القيد، من دون أي ورقة رسمية تثبت وجودهم في الحياة، وهي دائماً ما تناشد المنظمات والمعنيين، لمساعدتها في تسجيل أطفالها، وضمان حقوقهم الأساسية، لكن للأسف قضيتها ذات سبل مسدودة، نظراً لصعوبة تسوية أوضاعها حالياً في سوريا، والإشكاليات اللاحقة بزوجها الأول المتوفّى هناك، ثمّ الصعوبات المترتبة على طلاقها في لبنان. "على الأهل عدم إهمال الأمر، كي يحفظوا حقوق أطفالهم كاملة، على الرغم من العراقيل الكبيرة".

هذه العراقيل قد تتضمن حصول أخطاء، مثلما حصل مع اللاجئة فاتن ج.، المقيمة في البقاع، إذ ردّ المجلس النرويجي أوراقها عام 2015، نظراً لخطأ ارتكبه المختار في شهادة ولادتها، إلا أنّ المختار رفض تصحيح خطئه من دون مقابل مادي قدره 250,000 ليرة لبنانية، وهو مبلغ كبير بالنسبة إليها.

مبادرة مجتمعية وتطبيق لحلٍ مستدام

يحدثنا مسؤول الاستقطاب في المشروع القانوني في منظمة سوا للتنمية والاغاثة، وليد المغربي، عن مبادرة "ضامنون"، وهو أحد مؤسسيها، لتكون نافذة أمل أمام عقبات معاملات اللاجئين القانونية في لبنان.

حصل وليد وزميلته نور على دعم منظمة سوا، لتنفيذ المبادرة القانونية الأولى لدعم السوريين في لبنان، لتسجيل ولاداتهم وتوثيقها، بالإضافة إلى معاملات أخرى، كتثبيت الزواج، والطلاق، والوفاة.

بعض القابلات العاملات في مجال الولادات المنزلية، قد يكنّ غير قانونيات، ويتوجب تجنّب خدماتهن، إذ قد تؤثّر على استحالة الحصول على إثبات ولادة من أي مشفى، أو طبيب. ويضيف إلى ذلك، ضرورة التأكد من الحصول على معاملة قانونية، وصحة أرقام الخانات والتصديقات

تمكّنت "ضامنون" من تغطية 250 حالة توثيق قانونية، في البقاع الأوسط، في مناطق برّ الياس وسعدنايل، وساعدتهم في تنفيذ معاملاتهم، من خلال استشارات قانونية. بالإضافة إلى ذلك، نظّم الفريق حملات توعية واسعة، للتركيز على أهمية تسجيل الأولاد بالطريقة الرسمية القانونية، لضمان حقوق الأطفال.

تحدّى الفريق المؤسس صعوبات كورونا، للوصول إلى المنازل والمخيمات، في فترات الحجر الصحي، وتوجهوا نحو برمجة تطبيق "ضامنون" المجاني. يتيح هذا التطبيق تسهيلاتٍ ومعلوماتٍ لمعاملات اللاجئين القانونية كلها، عبر إرشادات مكتوبة، وفيديوهات مبسّطة، وجهات تواصلٍ مساعِدة. من خلال التطبيق، تمكّن المتطوعون الستة من دعم 1500 حالة استشارة، في المناطق اللبنانية كافة، ويستطيع أي شخص يحتاج إلى مساعدةٍ في المعاملات المذكورة، تحميل التطبيق، والتواصل مع المعنيين والمتطوعين. ويحرص الفريق على تحديث القوانين والقرارات الصادرة عن الدوائر الرسمية، ما يسهّل العمل في تقديم الاستشارات، وتنفيذ المعاملات.

"تبدأ المعاملة بشهادة الولادة القانونية"، يشير وليد، ويشير إلى أنّ بعض القابلات العاملات في مجال الولادات المنزلية، قد يكنّ غير قانونيات، ويتوجب تجنّب خدماتهن، إذ قد تؤثّر على استحالة الحصول على إثبات ولادة من أي مشفى، أو طبيب. ويضيف إلى ذلك، ضرورة التأكد من الحصول على معاملة قانونية، وصحة أرقام الخانات والتصديقات.

"البعض يظنون أنّ شهادة المشفى كافية، كوثيقة رسمية، لتسجيل الطفل في المؤسسات الرسمية، من دون ملئهم أيّاً من الخانات"، يضيف، ويشير إلى أهمية الحفاظ على وثائق الأطفال الرسمية، ويعطي مثالاً، قصة شخص غلّف وثيقة الولادة بالتجليد الحراري، وقد تعذّر على المنظمة توثيقها في دوائر النفوس، وتوقيعها من المختار، بسبب هذا التجليد.

بالإضافة إلى هذه المبادرة، تعمل منظمات أخرى على تسهيل موضوع تسجيل ولادات الأطفال السوريين في لبنان، ومنها المجلس النرويجي، الذي يقدّم جلسات توعية بأهمية عملية تسجيل الطفل، وخطواتها، ويساعد العائلات في معاملاتهم، وصولاً إلى مرحلة السجل الخارجي، في حال توافر المستندات المطلوبة كلها، كما ييسر الحصول على قرار محكمة شرعية، للحصول على إثبات حالة زواج وقرابة. وتستطيع أي عائلة الاستفادة من خدمات المجلس، عن طريق الأرقام الساخنة، أو المتطوعين، أو الإحالة من برامج أخرى.

على الرغم من هذه الجهود كلها، تبقى إجراءات التسجيل صعبةً، ومنوطةً بتوفر مستندات قد لا تملكها الكثير من العائلات، لأسباب متعددة ومختلفة. تتمنى هذه العائلات، والناشطون الذين تحدثنا إليهم، أن يتوصل المسؤولون إلى إيجاد حلول بديلة تسهّل الأمر على السوريين في لبنان، وتعطي الأطفال حقّهم، وهم الضحية الأولى والأخيرة في نهاية المطاف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard