"لم يعد الجنس حكراً على الرجال"... منصّات نسوية عربية للتوعية الجنسية

الاثنين 25 أكتوبر 202101:32 م

لعقودٍ طويلة عددنا الجنس، ولا نزال، أحد المحرّمات الثلاثة، إلى جانب الدين والسياسة، إذ تحوطه دائماً هالة من الغموض، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الخرافات والمعلومات المغلوطة في شأنه.

وعلى الرغم من أن الجنس عملية تفاعلية بين طرفين، إلا أن خطاباً رجعياً ومحافظاً محوره وهدفه متعة الذكر والإنجاب، يسيطر عليه بشكل عام، من دون وضع أي اعتبار للأنثى في تلك المعادلة، بل شرّع المجتمع عاداتٍ تحول بين المرأة والشعور بالمتعة، خلال الجنس، ورسّخها، أبرزها ختان الإناث.

مع ذلك كله، تأتي بعض المبادرات التي تقودها ناشطات نسويات، لتكسر هذا التابو، وتقتحم مجال التوعية الجنسية، لتؤسس لخطابٍ جديد يرتكز على الاهتمام بالنساء، ومتعتهن، ومشاعرهن، وأفكارهن، ليحاول أن ينهي تاريخاً طويلاً من تهميش النساء، حتى في الجنس.

خطاب معاكس

منذ نحو ثلاث سنوات، تأسست منصّة "The Sex Talkبالعربي"، بهدف "نشر الوعي بالصحة الجنسية، وكل ما يخص الجنس والجنسانية بين النساء المتحدثات باللغة العربية"، وفق ما يرد على صفحة فيسبوك الخاصة بها.

تقود ناشطات نسويات مصريات مبادرت تؤسس لخطابٍ جديد يرتكز على الاهتمام بالنساء، ومتعتهن، ومشاعرهن، وأفكارهن.

وتقول فاطمة ابراهيم، مؤسسة المنصة، وهي باحثة في العلوم الاجتماعية، وأستاذة مساعدة في إحدى جامعات بريطانيا، لرصيف22: "بدأنا عام 2018 من خلال مجموعة مغلقة على فيسبوك، ثم توسّعنا لنظهر في هيئة صفحة عامة، وموقع إلكتروني، وحساب على إنستغرام. وجاءتني الفكرة من خلال متابعتي للمجموعات النسائية، لأجد أسئلةً تنشر يومياً عن حياتهن الجنسية، تتمحور حول الأساسيات التي يجب أن يعرفها أي شخص. كما أن نوع التوعية المطروح، في الأغلب يقدّم من منظور محافظ وذكوري، ولا يهتم سوى بالصحة الإنجابية، وإسعاد الزوج، فكان الهدف خلق محتوى معاكس، أي محتوى نسوي".

وتكمل إبراهيم (31 عاماً): "لا يمكن حصر الصحة الجنسية في الصحة الإنجابية. هناك أمور أخرى مهمة، ولا يمكن إغفال حقيقة أن نساء كثراً يُقمن علاقاتٍ جنسية قبل الزواج، لذلك أردت خلق منصة تنشر محتوى يهتم بالنساء، ويتمركز حولهن، ويقدّم المعلومات بشكل علمي وتعليمي، لا يخضع للخطاب الديني، أو العادات والتقاليد".

خطر نشر المعلومات المغلوطة

تنشر إبراهيم مقالاتٍ دورية عن أهم ما تسأل عنه النساء، مثل كيف تمارسن جنساً آمناً يحمي من الأمراض، أو الحمل غير المخطط له؟ "للأسف، الخطاب السائد في مصر بالأخص، مهمل جداً في الاهتمام بهذه الجوانب، وكل تركيزه على الحمل والولادة".

وتتابع: "الخطابات الرجعية التي تتبناها بعض الشخصيات الإعلامية، أحدثت ضرراً بالغاً، لأنها ليست مبنية على أسس علمية، بل إنها تأصيل لخرافات ومعلومات مغلوطة، وعادات وتقاليد مضرة بالنساء، مثل ختان الإناث، وزواج القاصرات، وغيرها. كما أن حصر التوعية الجنسية في كيفية إرضاء الزوج، يؤصّل للاغتصاب الزوجي، وطبعاً يتضاعف هذا الضرر عندما يخرج من الأطباء".

وتشير مؤسسة المنصة إلى أزمة أخرى تواجه التوعية الجنسية في مصر، وهي أن معظم مقدّمي هذا الخطاب يحاولون التأقلم مع المجتمع، ومعاييره الرجعية بالتبعية. "لذلك، فإن أهم ما يميّز مبادرتنا، هو أنني كمؤسِسة لها، أعيش خارج مصر، آمنة على نفسي بشكل كبير، لذلك أستطيع أن أتحدث في العديد من الملفات الشائكة، من دون الخوف من بطش المجتمع".

حققت المبادرة، وفق إبراهيم، نجاحاً بالفعل، "فقد نشرنا عشرات المقالات الموجودة على المنصات كافة، وأي امرأة محتاجة إلى معلومة علمية موثوقة، تستطيع إيجادها بلغة سهلة، من دون الاضطرار إلى البحث في مقالات طويلة، كما ترشّحنا لإحدى جوائز الصحة الجنسية التي تنظّمها شركة عالمية تتعاون مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا، ووصلنا إلى النهائيات بالفعل، وكنا المبادرة العربية الوحيدة، مما يعني أننا مؤثرون بالفعل".

وتوضح فاطمة، أن الانطلاقة التي شهدتها الموجة الحالية من الاهتمام بالتوعية الجنسية القائمة على أساس تقدّمي ونسوي، بدأت قبل عشرة أعوام تقريباً، عندما شرعت النساء في الحديث عن الحق في خلع الحجاب، فكانت تلك شرارة انطلاق قضايا الحق في ملكية الجسد، وتقرير كل ما يخصه، وكذلك سمح الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، بوجود مساحات لا يتحكّم فيها الذكور، وتعطي النساء القدرة على التعبير عن أنفسهن.

"لا يمكن حصر الصحة الجنسية في الصحة الإنجابية. هناك أمور أخرى مهمة، ولا يمكن إغفال حقيقة أن نساء كثراً يُقمن علاقاتٍ جنسية قبل الزواج، لذلك أردت خلق منصة تنشر محتوى يهتم بالنساء، ويقدّم المعلومات بشكل علمي وتعليمي، لا يخضع للخطاب الديني، أو العادات والتقاليد"

توفير محتوى للشباب العربي

منصة أخرى تعمل في مصر، وهي "الحب ثقافة"، وتهدف إلى توفير محتوى، ومعرفة كاملة باللغة العربية عن موضوعات الحب والجنس، والعلاقات الصحية، والحقوق الجنسية، والإنجابية، من خلال موقع إلكتروني، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول الدكتورة ساندي عبد المسيح، مديرة المشروع: "يأتي عملنا من منظور علمي وطبي بشكل إيجابي، وغير منحاز، بهدف رفع وعي شباب الوطن العربي بهذه الموضوعات، وجعلهم قادرين على أخذ قرارات مستنيرة في حياتهم العاطفية والجنسية، ويأتي هذا في صورة مقالات مكتوبة، أو مصوّرة، أو من خلال فيديوهات توضيحية، أو فيديوهات دراما، كذلك نستقبل الأسئلة على المنتدى الخاص بالمنصة، مع وجود إجابات خاصة لكل سؤال".

وتضيف المتحدثة أن المنصة أيضاً جزء من قوة العمل المناهضة لختان الإناث في مصر، وكذلك تعمل على دعم مؤسسات أخرى، للعمل على موضوعات الصحة الجنسية، من خلال تدريبات عملية ومتخصصة عن التثقيف الجنسي الشامل، وكيفية تصميم حملات إلكترونية هدفها نشر الوعي بالصحة الجنسية والإنجابية.

وتتابع مديرة المشروع في حديثها لرصيف22: "أرى أن المنصة حققت نجاحاً كبيراً منذ 2014 وحتى اليوم. جمهورنا أصبح أكبر، والموضوعات التي نتحدث عنها أصبحت أكثر تنوعاً، والتفاعل نفسه يتطور، فهناك موضوعات كانت ردود الأفعال عليها سلبيةً، أو هجوميةً، أو رافضةً، منذ سنوات، واليوم اختلف شكل التفاعل، فأصبح أكثر إيجابية".

وتضرب مثالاً حول موضوع العذرية: "مع الوقت والتكرار، تبنّى جمهورنا أفكارنا، بأن العذرية مفهوم اجتماعي ليس قائماً على حقائق علمية، كذلك توجه الجمهور نحو سؤالنا عن حياتهم، أو اختياراتهم الجنسية، أو ما يمرّون به من خلال رسائل صفحاتنا، أو على المنتدى، دليلاً على ثقتهم بأن المعلومة التي نقدّمها ليست منحازةً إلى فكر مجتمعي أو ديني معيّن، وإنما هي معلومة علمية وطبية فحسب، وأنه لا بد من التفرقة بين حق الأفراد في أن يكون لديهم معتقدات شخصية توجّه قراراتهم، وبين نشر المعلومات المغلوطة علمياً، كمحاولة لمجاراة تلك المعتقدات".

بدأنا نجد منصات وصفحات تنشر خطاباً ينطلق من النسوية، ويركّز على حق الأفراد في المتعة، والاختيار، والمعرفة، والمساواة.

الحق في المعرفة

ترى الدكتورة ساندي، أن أكثر الموضوعات التي نجحت المنصة فيها، هي موضوعات الصحة الجنسية بشكل عام، فتقول: "أشعر بأن غالبية المشروعات التي تتناول الحياة الجنسية، تركّز على الصحة الإنجابية، وتهمل موضوعات الصحة الجنسية، سواء أكانت العدوى المنقولة جنسياً، أو الجنس الآمن، أو حتى متعة الأفراد، لذلك نهتم بتقديم معرفة شاملة، وعدم تجنّب موضوعات معينة، وأعتقد أن ما يميّزنا، هو التركيز على حق الأفراد في المتعة في العلاقات الجنسية والعاطفية، وكيف نأخذ قرارات مبنية على معرفة ومعلومات علمية، ونحقق حياةً عاطفية سعيدة، بقرارات مستنيرة".

واتفقت ساندي مع فاطمة، إذ تقول، "يأتي هذا بعد عقود من الخطاب الذكوري المحافظ والمسيطر، ولا زال مسيطراً في أماكن كثيرة، ولكن التغيير بدأ فعلاً، وبدأنا نجد منصات وصفحات تنشر خطاباً ينطلق من النسوية، ويركّز على حق الأفراد في المتعة، والاختيار، والمعرفة، والمساواة، الأمر الذي يساهم في رفع حالة الوعي لدى المتابعين، سواء لدينا، أو لدى المنصات الأخرى، ففي النهاية، هدفنا جميعاً، هو أن يختار كل شخص ما يناسبه، ولكن وهو مطّلع على المعلومة والمعرفة، وليس وهو محروم منها، لمجرد أن هناك كياناً أكبر يتمثل في سلطة المجتمع، يحرمه من حقه في معرفة الحقيقة المبنية على الأسس العلمية والطبية".

توسيع المدارك

لا تقتصر التوعية الجنسية على المواقع الإلكترونية، وإنما تأتي الطبيبة آية السيد، لتنضم إلى مقدّمي خدمة التوعية الجنسية، من خلال عقد جلسات ومحاضرات عن بعد.

وتروي آية السيد، وهي ناشطة نسوية وطبيبة مهتمة بالتثقيف الجنسي: "أعمل بالتعاون مع مبادرة ‘سوبر وومن’، لعمل ورشات تثقيفية حول موضوعات الجنس والعلاقات، وجارٍ العمل على تأسيس قسم خاص بالصحة الجنسية داخل المبادرة، خاصةً بعد ملاحظة أن هناك عدداً من الموضوعات التي استطعنا إحداث فارق فيها".

نعاني من ثقافة ترسّخ داخل النساء أنهن مدينات بالجنس للرجال، وأن الجنس احتياج ذكوري، وليس من حقهن رفض العلاقة. يجب تعليم هذا المفهوم من سن صغيرة، والإلحاح عليه، للمراهقين والكبار والبالغين، فليس هناك ما يُسمّى ‘يتمنعن وهن راغبات’. ‘لا’ تعني ‘لا’

من هذه الموضوعات، كما تقول السيد، الهوس بغشاء البكارة، والتشنج المهبلي، وهي تسبّب حسب قولها ألماً، وقلقاً، وانزعاجاً غير ضروري. وعند توضيح حقيقة الأمور، تزول تلك المشاعر السلبية نوعاً ما.

"موضوع آخر هو التشريح، فعندما تعلم الفتاة طبيعة المنطقة الحميمية، تعرف كيفية التعامل معها، ويحدث فارق كبير في الثقة بالنفس، وتوسيع المدارك، ويسهّل إيصال المعلومة، وتزول حالة الغموض التي تحيط بموضوع الصحة الجنسية. كذلك مفهوم الرضائية، والتواصل في العلاقات الجنسية، خاصةً وأننا نعاني من ثقافة ترسّخ داخل النساء أنهن مدينات بالجنس للرجال، وأن الجنس احتياج ذكوري، وليس من حقهن رفض العلاقة، أو بعض التصرفات، أو الأفعال. يجب تعليم هذا المفهوم من سن صغيرة، والإلحاح عليه، سواء في مرحلة المراهقة، أو حتى للكبار والبالغين، فليس هناك ما يُسمّى ‘يتمنعن وهن راغبات’. ‘لا’ تعني ‘لا’".

وعن نقطة الانطلاق، تقول السيد: "الحركة النسوية هي حركة تراكمية في المقام الأول، فمجرد وضع بذرة الوعي بأن النساء لسن كائنات أقل، وأن من حقهن التعبير عن أنفسهن، وأفكارهن، ومشاعرهن، وتزايد عدد النساء المتعلمات في المجالات كلها، هذا كله أعطى جرأة للنساء للنظر إلى الأمور من وجهة نظرهن، والتعبير عن أنفسهن، وحقيقة ما يشعرن به".

أما عن الانطلاقة الشخصية، فتقول المتحدثة: "عملي كطبيبة جعلني أرى المشكلات الكبيرة والضخمة التي تواجه النساء، بسبب الاعتقادات الخطأ التي لا أساس علمياً أو طبياً لها، وهذه الحالة من الجهل، تضرّ بالنساء في المقام الأول، لأنهن ببساطة لسن في كفة ميزان القوة الاجتماعية، بل هن الحلقة الأضعف، لذلك يدفعن ثمن هذا الجهل، فهن من يقعن ضحايا الحرمان الجنسي، والعنف، والاعتداء، والوصم، والاغتصاب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard